المحتوى الرئيسى

حزب الراجل اللى دماغه ملوخية

04/09 08:18

بعد عشرة أيام من التيسيرات التى جاء بها تعديل قانون الأحزاب، لا يبدو أن هناك نشاطاً مكثفاً، على صعيد تشكيل أحزاب سياسية جديدة، وباستثناء حزب «الحرية والعدالة» التى شرعت جماعة الإخوان المسلمين فى تشكيله، وحزب «المصريون الأحرار» الذى بدأ المهندس «نجيب ساويرس» فى جمع التوكيلات من مؤسسيه، فقد اختفت فجأة ومن دون سبب واضح، عشرات الأحزاب التى أعلنت شخصيات عامة أنها تنتظر مجرد تعديل القانون، لكى تشرع على الفور فى تأسيسها، وكفت الصحف عن الإشارة إلى الأحزاب السبعة، التى سوف تمثل السلفيين، وعن «حزب النهضة» الذى سيشكله المنشقون عن الإخوان المسلمين، ولم نعد نسمع عن الأحزاب الاثنى عشر التى سوف يشكلها ثوار يناير من شباب الفيس بوك..  وتراجع الصراع الحاد، حول صاحب الحق فى أن يتخذ لحزبه اسماً له صلة مباشرة بالثورة، مثل «التحرير» و«25 يناير» و«11 فبراير»، بينما انضمت أعداد كبيرة من شباب الـ«فيس بوك» إلى حزب الراجل اللى ورا عمر سليمان و«حزب الراجل أبوجلابية»، ونقلت جريدة «الوطن» الكويتية، عن مجلة «دير شبيجل» الألمانية، تصريحاً للمهندس «أحمد عز» بأنه سوف يشكل حزباً باسم «حزب الراجل اللى راكب الجمل» فى إشارة إلى موقعة الجمل الشهيرة! يأتى ذلك بعد أسابيع من الخلاف الحاد والمتواصل بين الذين قالوا «نعم» والذين قالوا «لا» فى الاستفتاء حول التعديلات الدستورية، وبين الذين طالبوا ـ ويطالبون ـ بمد الفترة الانتقالية والذين يلحون على تقصيرها وبين الذين يصرون على أن تسبق الانتخابات الرئاسية، الانتخابات البرلمانية، والذين يصرون على العكس، مع أن مبرر معظم هذه الخلافات، وبالتالى جوهر التقريب بين وجهات النظر بشأنها، يرتبط بإتاحة وقت مناسب للأحزاب القائمة لإعادة تنظيم أنفسها، وللأحزاب الجديدة، لكى تتشكل وتبدأ نشاطها، حتى لا تجرى الانتخابات البرلمانية والرئاسية فى مناخ التصحر الحزبى والسياسى الذى شهدته مصر خلال الأعوام الثلاثين الماضية، وأدى إلى خلل خطير فى موازين القوى بين الأحزاب والتيارات السياسية، فتسفر عن برلمان تتوزع مقاعده، ورئيس تتوزع دماغه، بين حزب الراجل اللى فى الملك الصالح و«حزب الراجل اللى فى سجن المزرعة»، وكأنك يا شباب ما اعتصمت فى التحرير، وكأنك يا أبا زيد ما غزيت! ولابد أن وراء الاختفاء المفاجئ لهذا الطابور الطويل من مشروعات تأسيس الأحزاب أسباباً حضارية وتاريخية وسياسية، من بينها أننا ـ ككل الشعوب الزراعية ـ نفتقد لفضيلة العمل الجمعى المنظم الذى عرفته المجتمعات الأوروبية بعد الثورة الصناعية، وأسفرت عن الدولة الديمقراطية التى تقوم على التعددية الحزبية، وأننا خضعنا طويلاً للاستبداد حتى ألفناه، وأصبحنا نفضل العمل الفردى، وتحولنا إلى مجتمع غير سياسى ينقسم الناس فيه ـ ويصوتون فى الانتخابات ـ على أساس انتماءاتهم الأولية، كأسر وعائلات وبلديات وأتباع أديان، ولا ينقسمون إلى رؤى وأفكار وأحزاب سياسية، تدافع عن المصالح العامة. ذلك ميراث ينبغى أن نسعى لكى نقاومه فى مجتمعنا، كجماعة وطنية وفى أنفسنا كأفراد، خاصة من ينتمون منا للنخبة السياسية، وأن نبدأ مشوار الألف ميل نحو التحول إلى مجتمع سياسى، بالانطلاق من التسليم بالحقيقة السياسية والتاريخية التى تقول «لا ديمقراطية بلا أحزاب سياسية»، فالأصل فى النظام الديمقراطى أن يقوم على الجماعات السياسية المنظمة، التى يضم كل منها مواطنين تجمعهم رؤية موحدة للمصالح العامة، وإرادة موحدة لتحقيقها، تتنافس فى انتخابات عامة نزيهة تسفر نتيجتها عن اتجاهات الرأى العام، وأن كل انتخابات تجرى بين أفراد لا يمثلون جماعات سياسية، لن تحقق ديمقراطية. أما الذى ينبغى أن يتنبه إليه أسيادنا الذين فى الأحزاب السياسية القائمة، والتى تحت التأسيس، فهو أن العد التنازلى لإجراء الانتخابات النيابية، قد بدأ بالفعل، وأن الوقت المتاح أمامهم لاستنهاض الأحزاب القائمة من حالة الركود والخلافات الداخلية، وتأسيس الأحزاب الجديدة، أصبح أقل من خمسة أشهر، وأن تأسيس حزب جديد يتطلب شهرين على الأقل، منها شهر لجمع المؤسسين وتقديم الطلب، وشهر للبت فيه أمام لجنة الأحزاب التى تشكلت بالفعل، وبالتالى فنحن فى صراع مع الوقت، إذا أردنا أن ننهى الفترة الانتقالية، وأن نعود إلى الاستقرار، وأن نبدأ رحلة بناء نظام ديمقراطى جديد ينهى الاستبداد. فإذا لم يتنبهوا إلى ذلك فسوف تعود سكينة لعادتها القديمة، ويتقاسم «حزب الراجل اللى فى الملك الصالح» و«حزب الراجل اللى فى ليمان طرة» مقاعد البرلمان، لتنضم الأغلبية الصامتة إلى الحزب الذى شرعت فى تأسيسه بالفعل وهو ده «حزب الراجل اللى دماغه بقت ملوخية».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل