المحتوى الرئيسى

آخر الأخبار:يوميات موفد بي بي سي في ليبيا

04/09 01:15

وسط احتدام المواجهات المسلحة بين قوات الزعيم الليبي العقيد معمر القذافي والقوات المعارضة له والعمليات العسكرية التي ينفذها التحالف الغربي، موفدنا ناهد أبو زيد يكتب لنا يوميات من ليبيا حيث يغطي أحداثها: الخميس 7 أبريل/ نيسان: بركان من الشائعات في ليبيا حرب لا تقل ضراوة عن الحرب العسكرية، هي حرب الشائعات. الشائعات منتشرة في ليبيا الليبيون شعب طيّب، وعقود أربعة من حكم نظام واحد وسماع صوت واحد لم تؤهل السوادَ الأعظم من هذا الشعب الطيب للتعامل مع سيل المعلومات الذي فُتحت سدوده فجأة، ولا هم تمكّنوا خلال الفترة القصيرة من اكتساب المناعة الكافية لمواجهة سلاح الشائعات والدعاية السياسية. قبل أسابيع انطلقت في طرق بنغازي فجأة أبواق السيارات في ساعات المساء الأولى على وقع الأسلحة الرشاشة الخفيفة والمتوسطة، في حال كانت أشبه بهياج الخيل الهارب من ألسنة اللهب. خيّل للجميع بأن كتائب القذافي عادت إلى بنغازي. فلم يكن بعد قد مضى أكثر من أيام على محاولتهم اجتياح المدينة من جديد. بعدها عقد من قدّم نفسه على أنه مسؤول في المجلس الانتقالي ندوة نُظمت للصحافة على عجل ليقول فيها إن قوات المعارضة دخلت مدينة سرت. أجل. كانت تلك "شائعة" سقط في براثنها كثيرون، حتى أعضاء المجلس. يكفي أن تخرج من "زنزانة" قاعة المؤتمرات الصحافية إلى ردهة الفندق لتناول فنجان قهوة ولتتحرّر قليلا من "سلاسل" الإنترنت التي تكبّلك فوق مقعدك لساعات وأنت تنتظر أن تحمّل ملفاً أو تُنزِل آخر ومن دون جدوى. فتلتقط عددا من الروايات للقصة الواحدة بعدد الرّواة أنفسهم. الروايات طبعا ليست لصحافيين بل لمواطنين ليبيين تضج بهم أروقة الفنادق التي تؤوي صحافيين. فهؤلاء المواطنون يعتقدون أن قربهم من الصحافيين يوازي اقترابهم من خطوط الجبهة. وفي مقهى الفندق ينشط مطبخ الشائعات. تتجاذب أطراف الحديث وتحليل الوضع مع أحد الزملاء على إحدى الطاولات فيتلقف أحدهم جزءا مما يُقال، خصوصا إذا كان الحديث بالفرنسية أو الانجليزية، وتنطلق سلسلة "الوشوشات الصينية". اعترضني أحدهم وقال لي: "يا أخي أنت تقول إن "الثوار" (وهو يعني المقاتلين من المعارضة المسلحة إذ أني لم استخدم قط كلمة ثوار إلا مقرونة بعبارة "من يسمّون أنفسهم بـ...") أصبحوا على مسافة عشرين كيلومترا شرقي البريقة، ومراسل (الزميلة) الجزيرة يقول إنهم وصلوا إلى المشارف الغربية للمدينة، فمن نصدّق؟" ضحكت وقلت لسائلي: "إجمع المسافتين وقسّم المجموع على اثنين تبقى على مسافة واحدة من القولين، وهو هامش خطأ مسموح به". ربما كنت أمازح المواطن حينها ولكن المعركة التي ظلت تراوح مكانها على مدى ايام كانت مسرحا خصبا للشائعات اللهم الا إذا كان بعضها مقصودا كضرب من ضروب الحرب النفسية. ذهبت منذ يومين لتصوير إحدى المظاهرات فارتأيت أن أصعد إلى شرفة أحد المباني المهجورة منذ الاستعمار الإيطالي. وإذ بمجموعة من المسلحين تعترض تقدّمي "الميداني" لتعرف مقصدي، وانبرى احدهم يقول إن هذا المبنى يعود استعماله حصريا لإحدى القنوات الفضائية العربية. فاستغربت وسألت: "هل تعني أن محطّة (...) اشترت المبنى؟" فاستغرب واستاء لسؤالي ولم يجد بدّاً من الإجابة فقال "نعم". شهرت هاتفي النقال إدافع به عن كرامة بي بي سي واتصلت بأحد المسؤولين استفسره حقيقة الموقف، فأجاب: "أستاذ ناهد نحن والحمد لله لم نقم بعد ببيع شبر من ليبيا." استوفتني عبارة "لم نقم بعد". فهل هي تعني "لم ولن.." أم هي تعني "حتى إشعار آخر"؟ لم يبارحني حتى اليوم التساؤل عن التصريحين، أيٌّ منهما اليقين وأيٌّ منهما الشائعة. وقتذاك لم أُطِل البحث، فالأولوية كانت للتصوير. ودخل فريق بي بي سي المبنى "مظفراً" معزّزا مكرما رغم امتعاض من يُعرّف عنه بأنه مدير مكتب القناة المذكورة هنا. السبت 2 ابريل/ نيسان: "بابا ساركو" "ساركو" اسمٌ يستخدمه الفرنسيون في الحديث عن الرئيس نيكولا ساركوزي إما تحبُّباً أو تندّرا، كل من موقعه السياسي. إلا أنه ليس في موقف المعارضة الليبية من الرئيس الفرنسي ما يدعو إلى التندّر. ففرنسا بقيادته كانت أولى الدول التي اعترفت بالمجلس الوطني المؤقت. وكان ساركوزي أول الزعماء الغربيين الذين التقوا علنا بممثلين عن المجلس حتى قبل اعلان الأخير انه الممثل الوحيد للشعب الليبي. ولم ينس الليبيون إعلان فرنسا استعدادها فرض حظر جوي على نظام العقيد معمر القذافي قبل أيام من إصدار مجلس الأمن الدولي قرارا بذلك. كما ان الطائرات الفرنسية المقاتلة كانت رأس الحربة في شن الغارات الجوية على قوات كتائب العقيد معمّر القذافي وآلياتها العسكرية. أول ما يطالعك بعد عبور بوابة السلوم الفاصلة بين مصر وليبيا آيات الشكر والعرفان من الليبيين الى الفرنسيّين - شعبا وقيادة - طبعا حتى لا يتغيّر علينا شيء من العبارات المعهودة في المعجم السياسي العربي... والأعلام الغربية أضحت جزءاً من المشهد الليبي في مناطق المعارضة. فقلما تخلو تظاهرة أو مناسبة احتفالية في هذه المناطق من أعلام فرنسية وامريكية وحتى اللبنانية. وقال لي مسؤول إعلامي في المعارضة الليبية عندما طلبت ترتيب لقاء مع أحد مسؤولي الصف الأوّل من السياسيين إنه وعد قناة الحرة الفضائية بأن يكون لها أول لقاء مع ذلك المسؤول. طبعا، فهذا أقل الواجب بعد أن اعلن أوباما استعداده لبحث مسألة تسليح المعارضة... انتابتني رغبة بأن أستخدم "الكارت اللبناني" في إقناع محدّثي بإعطائي الأفضلية... ولكني لم أفعل، أو قل إن المسألة لم تكن تستحق لكي تكون مقايضة بكل هذه "التضحيات"... أولم يقم المندوب اللبناني داخل مجلس الامن بقيادة المفاوضات الدبلوماسية لاستصدار القرار الدولي المتعلّق بالحظر الجوي على ليبيا؟ حتى أن مبنى السفارة اللبنانية في طرابلس الغرب كان أول ما تعرّض للاعتداء بالحرق بين المقارّ الدبلوماسية الأخرى. ولكن الليبيين في مناطق سيطرة المعارضة محبطون بعض الشيء هذه الأيام من حلف الناتو ومن الرئيس الفرنسي عرّاب الائتلاف الغربي المؤيّد لقضيتهم. ولكن عتبهم لا يتجاوز عتب الابناء على الآباء إن خيب الأخيرون آمال الأوّلين ما أو هم لم يسارعوا إلى مدّهم بما يحتاجون. فقوات المعارضة المسلحة التي تفتقر إلى ابسط قواعد فنون الحرب قلّما تحقق انتصارا ميدانيا من دون تدخل مباشر من طائرات الناتو وبوارجه. وهي تكاد لا تتقدّم ميلا حتى تتراجع أميالا حين تصمت فوهات المدافع الحليفة لتفتح الأسلحة الثقيلة لكتائب القذافي المضادّة على هؤلاء المقاتلين أبواب الجحيم. أول ما يبادرك به السائل بلهفة حين تترجل من السيارة أمام الفندق سؤال "هل بدأت غارات التحالف؟"، وذلك أكنت عائدا من خطوط الجبهة أم من مشورا قصير للتسوّق... فأنت صحافي والصحافي يجب أن يعرف... تردّ بالإيجاب فتنفرج أسارير محدّثك ويدعو لك بالتوفيق وكأنك تخوض الحرب نيابة عنه. أما إذا جاء ردّك بالنفي أدبر عنك بغير ما أقبل و"لا حَول ولا..." في موسم عيد الميلاد لا يأبه الأطفال بنوعيّة الهدايا طالما انها كانت من "بابا نويل" والليبيون في مناطق المعارضة ينتظرون الهدايا من "بابا ساركو." الجمعة 1 أبريل/ نيسان: "الحرب بالثريا والإيديوم" إذا سلمنا جدلا أن الاتصالات الإلكترونية هو عصب الحياة اليومية للمجتمات العصرية لأمكننا وصف المجتمع الليبي اليوم وفي ظل الحرب الدائرة حاليا بالمجتمع المعطّل جزئيا. أوّل نصيحة يقدّمها الغيارى من الليبيين – وما أكثرهم – إلى الصحافيين الذين يتوافدون إلى بلادهم لأوّل مرّة "حذار أن تبيّن هاتف الثريّا أو الإيريديوم الذي بحوزتك على الملأ". محمد نجل القذافي هو مالك شركتي "ليبيانا" و "المدار" للهاتف المحمول في ليبيا فالكل يريدك أن تسدي إليه خدمة السماح باستخدام الهاتف للطمأنة أو الاطمئنان بين أعزاء فرّقتهم رحى الحرب. مع اشتداد حدة المعارك وتوالي عمليات الكر والفر بين كتائب العقيد معمر القذافي وقوات المعارضة الليبية المسلحة، كانت شبكة الاتصالات السلكية والإلكترونية هدفا بديهيّا لعملية تعطيل شامل. استخدام مزدوج "ليبيانا" و"المدار" هما الشركتان الوحيدتان للهاتف المحمول وكما كل شيء في ليبيا، فالقطاعات التي تشكل مصدرا كبيرا للدخل الوطني تتصل بطريقة أو بأخرى بأسرة العقيد القذافي أو بأفراد دائرة المقربين منه، فهاتان الشركتان كانتا من نصيب محمد نجله الأكبر. بعد الحظر الجوي الذي فرضه حلف شمال الأطلسي على ليبيا بقرار دولي، اكتشف النظام الليبي أن شبكة الاتصالات العسكرية غدت لقمة سائغة لرصد طائرات التجسس "آيواكس" وهو ما يسهل تحديد مواقع الآليات والجنود. وهناك روايتان شبه رسميّتين في هذا الصدد: إحداهما تقول إن ليبيانا والمدار أعادتا تشغيل شبكتهما لتتمكّن الكتائب القذافية من التواصل عبر شبكة مدنية يصعب التفريق بين مستخدميها من مؤيدين ومعارضين. وهذا ما فتح الشبكة أمام المشتركين لاستخدام غير محدود ومن دون الحاجة إلى تسديد رسوم مالية لقاء ذلك. أما الرواية الثانية فتقول إن لجنة الاتصالات برئاسة فيصل الصافي وبتمويل من دولتي قطر والإمارات العربية المتحدة تمكّنت من ترميم وإعادة تشغيل جزء من شبكة الاتصالات المدنية. وهي تواصل مساعيها مستعينة بخبراء غربيين وليبيين ممن حالفهم الحظ في التحصيل العلمي في الخارج، لتوسيع شبكة الربط الذي يبقى معطّلا بين المناطق الشرقية التي تسيطر عليها المعارضة المسلحة والمناطق الغربية الخاضعة لسيطرة الحكومة المركزية. جبهة الكترونية وبالرغم من ذلك فقد تحوّل حصولك على شريحة "ليبيانا" الإلكترونية للهاتف المحمول كعثورك على منجم للذهب، أمر عزيز ولكنه شبه مستحيل أما أن تكون من المحظيين من حمَلة هواتف الثريا والإيريديوم فنعمة ما بعدها نعمة، وإن كان النظام الليبي اهتدى في بداية الانتفاضة إلى وسيلة للتشويش عليها. الجبهة الإلكترونية ساحة غير مرئية للمبارزة بين القذافي ومعارضيه بـ"أسلحة" الثريا والإيريديوم تضاف إلى الفيسبوك والإنترنت التي من ساحاتها استلهم معارضو القذافي ثورتي كل من تونس ومصر. والجبهات الإلكترونية التي تُرسم خطوطها في الفضاء الافتراضي لا تقلُّ أهمية عن الجبهات الميدانية. الفارق بين الجبهتين أن الثانية لا شيء "افتراضيا" في مآسيها والتضحيات.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل