المحتوى الرئيسى

مسامير وأزاهير 236 ... "أرض السواد" وكنزه الذي لا ينضب!!بقلم:سماك العبوشي

04/08 19:50

مسامير وأزاهير 236 ... "أرض السواد" وكنزه الذي لا ينضب!!. "أرض السواد" ... هكذا كان يطلق على العراق منذ القدم، لـِما حباه الله تعالى من خصوبة وجودة أرض زراعية ووفرة بالمياه ومناخ مناسب للزراعة، فهل مازال العراق على عهده ... "أرض السواد"!؟. كنت قد عقدت العزم على الإبحار بقاربي في أمواج بحر "الشبكة العنكبوتية العملاقة"، بحثاً عن إجابة لذاك التساؤل المطروح آنفاً، ولم أجد عناءً يذكر في رحلة بحثي تلك، حيث كانت محصلة الإجابة عن ذاك التساؤل تتلخص بأن العراق بات - وللأسف الشديد - أبعد ما يكون عن لقب "أرض السواد" الجميل والأخاذ والساحر !!، والأنكى من هذا وذاك ما قرأته خلال رحلتي تلك من أن "أرض السواد" قد باتت اليوم تُعـَدُ من أكثر دول المنطقة استيرادا للمحاصيل الزراعية، كما وأنه لا وجود في قاموس العراق الاقتصادي لمصطلح الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية وذلك بسبب تدهور أحوال الزراعة فيه، حيث وصل الأمر أن المحصول الزراعي العراقي لا يغطي ألا 10 % من حاجة سكان العراق حسب إحصاءات دولية مختصة، فأي طامة كبرى قد ألمّت بنا، وأي مستقبل قاتم مؤلم سينتظر أجيالنا القادمة إن لم نتحسب للأمر فندق أجراس الخطر!؟. لقد جاء بالأمثال العراقية الشعبية الدارجة (اللي ما يُوَنـّي يغرق)، فكل الدلائل والمؤشرات تنبئنا بأن أرض العراق تطفو على بحيرة من النفط، كما وأن النفط يعتبر شريان الحياة لتطور العراق وازدهاره في كل المجالات الحياتية - الاقتصادية منها والخدمية-، لاسيما تلك المجالات التي عانت كثيراً من الحروب والعقوبات والتدهور وسوء التخطيط وتخبطه، إلا أننا نرى بأن قطاع الزراعة وبرغم أنه يُعـَد ثاني أكبر القطاعات في العراق بعد النفط، إلا أن نسبة ما يساهم به في الناتج الاقتصادي الوطني بعد سنوات طويلة من الإهمال والحروب والعقوبات الدولية وقلة الاستثمارات والتدهور لا يكاد يزيد على 8%!!. جملة من التساؤلات الملحة تطرح نفسها، كيف يكون واقع العراق الزراعي مزرياً مخيباً للآمال والطموح برغم وجود تلك البحيرة الهائلة من النفط في باطن أرضه!؟، فلقد عاش العراق طيلة آلاف السنين مأمون الجانب زراعياً، ولم نقرأ في كتب التاريخ أن ألمـّت بشعبه يوماً مجاعة أبداً، بل على العكس من ذلك تماماً، حيث كان قبلة لأنظار الطامعين بخيراته الوفيرة مما جعله عرضة للغزو المستمر، فكيف لا يكون منطقياً لنعمة النفط تلك دور كبير في تطوير الزراعة في العراق وصولاً لحالة الاكتفاء الذاتي على أقل تقدير، هذا إن لم نتوقع تصدير الفائض من إنتاجنا إلى الخارج!؟، ولن أجافي الحقيقة في شيء، وعلى ضوء تلك الرحلة في الشبكة العنكبوتية العملاقة، لو قلت بأنني قد تلمست تداعيات سلبية خطيرة بعد ظهور النفط في بلادنا على القطاع الزراعي تحديداً، في وقت كان من المنطق والحكمة وحُسْن تدبر الأمر أن يكون لنعمة ظهور النفط في العراق أثراً بليغاً وإيجابياً بتطور الاقتصاد العراقي وانتعاشه عموماً، لاسيما الجانب الزراعي منه تحديداً لتعلق الأمر بقوت الشعب، وانعكاس ذلك على تطوير وازدهار وتحسين وزيادة الإنتاج الزراعي وسد احتياجات المواطن الغذائية وتحقيق مفهوم الأمن الغذائي اليومي!!. الغريب في الأمر أن يزداد وضع العراق الاقتصادي صعوبة برغم ظهور الثروة النفطية وذلك كتحصيل حاصل لتراجع الاهتمام بالقطاع الزراعي، فلقد تضرر الواقع الزراعي في العراق وللأسف الشديد وبشكل فادح وخطير خلال العقود الخمس الأخيرة، بعدما تم ترسيخ قواعد بناء مجتمع استهلاكي اعتماداً كلياً على الريع النفطي نتيجة اقتصار ذوي القرار والشأن وعلى مر العقود المنصرمة بتلك الثروة الزائلة الناضبة "النفط" حصراً وما ترتب عن ذلك من اقتصاد عراقي أحادي الجانب، الذي سحق العملية الإنتاجية الزراعية سحقا تدريجيا نتيجة لانحسار كبير في مجمل المساحة الزراعية مخلفاً بذلك هكتارات من الصحارى والقفار بعد أن هجرها المزارعون لسبب أو لآخر، مما ولـّد مضاعفات أثرت على الاقتصاد وانحدرت به إلى جوانب أفقدته بريقه وانعكس ذلك جلياً على الشعب الذي مازال يعاني من قلة الإنتاج الزراعي الوطني ورداءة الاستيراد للمواد الزراعية بنوعياتها غير الجيدة، حتى بات غذاء المواطن العراقي يعتمد بشكل كبير جداً على ما يستورد من الخارج، وبرغم محاولات متواضعة كانت تبذل بين الفينة والفينة دونما تخطيط سليم ولا جدية أبداً!!. لا أدعي بأنني مختص بالقطاع الزراعي، لكن الذي يحدوني للحديث عنه إنما يتمثل بهمّ مواطن مخلص كان حريصاً على الدوام على مستقبل أبناء شعبه، وما رحلة بحثي تلك إلا إسهامة بسيطة متواضعة مني أريد بها قرع أجراس التحذير من مستقبل زراعي مترد للعراق، بعدما خرجت به من محصلة رحلة البحث والتقصي في "الشبكة العنكبوتية العملاقة" عن القطاع الزراعي في العراق والتي تتمحور في تلك النقاط التي أجمع عليها مختصون بالمجال الزراعي بخصوص أسباب مشاكل القطاع الزراعي في العراق وتدهوره ولعل أهمها وأبرزها: 1. شحة مياه الري وزيادة ملوحتها وما يعانيه القطاع الزراعي من أزمة جفاف حادة، كل تلك عوامل رئيسية كانت قد أدت لظاهرة التصحر، وهو ما جعل منظمة الأمم المتحدة تدرج العراق ضمن 32 دولة تحتاج إلى مساعدات خارجية من المؤن الغذائية!!. 2. عدم القيام بإنشاء سدود وخزانات، سواء لتوفير مياه السقي في أوقات الأزمات أو الجفاف أو لرفع مناسيب المياه في دجلة والفرات وروافدهما لتعويض النقص الحاصل في كمية المياه الداخلة إلى العراق. 3. قلة الدعم الحكومي لإعانة المزارعين بشراء المعدات الحديثة الخاصة بالحصاد ورش المزروعات أو البذور المحسنة أو الأسمدة وذلك لتطوير قدرة أراضيهم الزراعية وزيادة محاصيلها. 4. عدم قيام الجهات المعنية بفتح الأنهر التي اندثرت خلال السنوات المنصرمة. 5. عدم قيام المؤسسات الزراعية الحكومية بواجباتها الملقاة على عاتقها واكتفائها بالتوجيه الزراعي دون المادي. 6. المعوقات القانونية والإدارية والبيروقراطية التي تعيق التنمية الزراعية. 7. إغراق السوق بمنتجات دول الجوار الزراعية كان ضربة أليمة للمزارع العراقي وسبباً كبيراً في خسارته الفادحة. 8. إن إزالة البنية التحتية للأراضي الزراعية والبساتين خلال السنوات السابقة من دون تخطيط علمي كان يعد بداية لتردي الواقع الزراعي في العراق. 9. الزحف العمراني على حساب الأراضي الزراعية مما يعني تآكلا غير منتج لمصدر من مصادر الغذاء وحرمان أياد كانت قد امتهنت الزراعة منذ أجيال من فرص عملها. 10. افتقار المزارعين العراقيين لطرق الري الحديثة، وقلة الأيدي العاملة الزراعية بسبب الهجرة المستمرة إلى المدن. دعوة صادقة مخلصة لكل الجهات ذات الشأن والمعنية بالقطاع الزراعي – التشريعية والرقابية، التخطيطية، التنفيذية، والتسويقية - ، من مواطن بسيط لا يفقه من أمور الزراعة والاقتصاد إلا بحدود ما يعيشه ويتلمسه ويقرأه، إلى ضرورة تظافر الجهود الخيرة من أجل النهوض بالعملية الزراعية وانتشالها من واقعها المأزوم والمتردي وتطويرها، واختصار الزمن في تنمية هذا القطاع الهام والحيوي في حياة المواطن، ومعالجة نقاط الخلل الذي رافق هذا القطاع طوال الفترة المنصرمة بسبب سوء التخطيط أولاً، ولما عاناه القطاع الزراعي من تهميش وإهمال نتيجة الاهتمام بالاقتصاد والإنتاج النفطي، وتداعيات مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق ثانياً، وذلك وصولاً إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية بكافة أشكالها وأنواعها وصنوفها في القطر، فأرضنا أرض السواد كما نعلم، وأن الزراعة تالله لثروة وطنية استراتيجية لا تنضب!!. يقول الله تعالى في محكم آياته: "فذكّر فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ"...(‏الذاريات‏: ‏55‏)‏‏. أكرر وأكرر: "اللي ما يونّي ... يغرق"!!!. سماك العبوشي simakali@yahoo.com 8 نيسان /أبريل / 2011

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل