المحتوى الرئيسى

الشيخ تيسير التميمي : صندوق النفقة من أهم إنجازات القضاء الشرعي الفلسطيني

04/08 14:50

هذا هو الإسلام صندوق النفقة من أهم إنجازات القضاء الشرعي الفلسطيني الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين رئيس المجلس الأعلى للقضاء الشرعي سابقاً www.tayseer-altamimi.com  info@tayseer-altamimi.com الحلقة الأولى : حلم تحقق في صباح يوم الخميس الموافق 7/4/2005 عقد المجلس التشريعي الفلسطيني جلسة أقر فيها بالقراءة الثالثة قانون صندوق النفقة رقم 6 لسنة 2005 بمواده التسعة عشرة بالقرار رقم (849/1/10) ، وصادق الرئيس محمود عباس على هذا القانون بتاريخ 26/4/2005 ، وأصبح نافذاً بعد مضي ثلاثين يوماً على نشره في الجريدة الرسمية . أما من حيث مسوغات إنشاء هذا الصندوق ففي مطلع الألفية الثالثة بدأت تراودني فكرة إنشاء مؤسسة تتولى صرف النفقة المحكوم بها للفئات المعوزة من المجتمع الفلسطيني (الزوجات والمطلقات والأرامل والأيتام وفاقدي الأهلية والآباء والأمهات) نتيجة تحسس المشاكل الاجتماعية التي يعيشها المواطنون ، ولكثرة الشكاوى الواردة إليَّ منهم بسبب الصعوبات التي يواجهونها لدى المطالبة بتنفيذ أحكام النفقات الصادرة لصالحهم بعد طول عناء وانتظار : * فهم يصطدمون بالإجراءات المعقدة في قانون التنفيذ ، والإشكالات والطعون التي تثار في دوائر الإجراء فتعيق حصولهم على النفقة لفترات طويلة مما يجعلها في الواقع غير مفيدة لهم ، ويعرضهم للحرمان والتشرد ومعاناة قسوة الجوع وذل السؤال ومخاطر الضياع ، وبالأخص أن العناد والكيد يدفع بعض المحكوم عليهم إلى تفضيل عقوبة السجن على دفع النفقة ، وهذا ظلم عمدٌ يجب رفعه بعدالة القانون عند غياب الضمير ، قال صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن الله تبارك وتعالى { يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا } رواه مسلم . * يضاف إلى ذلك أن أحكام النفقات تتميز بصفة الاستعجال في التنفيذ ، فلا يجوز أن تخضع لذات الإجراءات المتبعة في تنفيذ الأحكام الأخرى مدنية كانت أو جنائية أو جزائية ، ولكن المتبع في دوائر الإجراء هو تطبيق الإجراءات ذاتها على كافة هذه الأحكام على اختلاف مواضيعها . * ولأن هذه المؤسسة المقترحة ستسهم بشكل واضح في الحفاظ على استقرار الأسرة الفلسطينية وعلى الهدوء النفسي لأفرادها ، وستعمل على ضمان قوة وتماسك الأسرة ومن ورائها النسيج الاجتماعي بأكمله ، ويتحقق ذلك من خلال تحقيق الهدف المباشر لها والمتمثل في توفير المبلغ المالي المستحق لهذه الأسرة لضمان العيش الكريم لأفرادها بعد تخلي المنفق (الزوج أو الأب أو الابن) عن مسؤولياته المالية تجاهها . ولترجمة هذا الحلم إلى واقع ، وبهدف إخراجه إلى حيز الوجود تم إعداد مسودة قانون الصندوق بعنوان " مشروع قانون عرفات للرعاية الاجتماعية " وذلك إحياء لفكرة مؤسسة بيت المال في الدولة الإسلامية ، وتجسيداً لمسؤولية الدولة الكاملة تجاه مواطنيها ، واستئناساً بالسوابق القانونية في بعض الدول العربية الشقيقة : 1- التجربة التونسية والمتمثلة في قانون صندوق النفقة وجراية الطلاق رقم (65) لسنة 93 . 2- التجربة المصرية المتمثلة في نظام تنفيذ أحكام النفقات الذي كان يتولاه بنك ناصر الاجتماعي ، ويتبع الصندوق وزارة التأمينات والشؤون الاجتماعية ، وتوجت التجربة بقانون صندوق نظام تأمين الأسرة رقم (11) لسنة 2004 . رفعتُ مسودة القانون إلى الرئيس الشهيد ياسر عرفات بتاريخ 18/8/2001 ليأخذ طريقه إلى الصدور والنفاذ حسب القنوات الدستورية والتشريعية في فلسطين ، لكنه رحمه الله رفض تسمية الصندوق باسمه ، وحوله حسب الأصول إلى ديوان الفتوى والتشريع الذي تولى مهمة صياغته القانونية ؛ حيث تعاونَّا في ذلك معاً تعاوناً تاماً ، وبعد الانتهاء من هذه المرحلة تم عرض المشروع على المتخصصين والوزارات والمؤسسات والجهات المعنية الرسمية وغير الرسمية بتاريخ 3/1/2003 لإبداء رأيهم وتزويدنا بملاحظاتهم التي أخذنا معظمها بعين الاعتبار في حينه . ولما اكتملت مسودة القانون أعادها ديوان الفتوى والتشريع معدلة بصورتها النهائية في ثلاث وعشرين مادة إلى مجلس الوزراء ؛ الذي قدمها بدوره إلى المجلس التشريعي الفلسطيني . وفي الدورة العادية الثامنة للمجلس التشريعي ، وفي جلسته التي عقدت بتاريخ 20/7/2003 عرضت مسودة القانون برقم 117/2003/م.و فقرر رئيس المجلس إحالتها إلى لجنة التربية والقضايا الاجتماعية المنبثقة عن المجلس التشريعي . وفي 24/5/2004 قررت اللجنة في اجتماعها عقد ورشات عمل للمعنيين في كلٍّ من محافظات الضفة الغربية ومحافظات غزة بهدف مناقشة مسودة القانون ودراستها دراسة معمقة وكافية بهدف إعدادها للقراءة الأولى . وفعلاً أقر المجلس التشريعي مسودة القانون بالقراءة الأولى بقراره رقم (711/1/9) في الجلسة التي عقدت بتاريخ 7/7/2004 ، ثم أقرها في جلسة أخرى بالقراءة الثانية ، وقد حضرتُ الجلستين وحضرها أيضاً عدد من القضاة الشرعيين ومديري الدوائر المختصة في ديوان قاضي القضاة في الضفة الغربية وغزة عبر الفيديو كنفرانس ، وبحضور عدد كبير من القانونيين وبعض ممثلي مؤسسات المجتمع المدني والناشطين في قضايا المرأة والطفل ؛ مما أثرى النقاش وساعد في إجراء التعديلات التي تصب في مصلحة المجتمع الفلسطيني وتستجيب لاحتياجاته وتدعم صموده في أرضه . يأتي إنشاء الصندوق استناداً إلى المبادئ والأصول الشرعية في ديننا الحنيف : * فهو تطبيق كامل لروح التكافل والتراحم التي يجب أن تسود المجتمع الإسلامي ، قال صلى الله عليه وسلم { ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع إلى جنبه وهو يعلم به } رواه الطبراني . * وهو أيضاً مشارَكة من الدولة في سد احتياجات مواطنيها والإنفاق عليهم من خزينتها العامة التي هي بيت المال ، قال صلى الله عليه وسلم { أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً فعليَّ قضاؤه ومن ترك مالاً فلورثته } رواه البخاري ، فالحديث يبين دور الرسول صلى الله عليه وسلم كحاكم مسؤول وليس كنبي مرسل . * وهو نصرة للضعفاء وإخضاع الأقوياء لسيادة القانون قال صلى الله عليه وسلم { انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً } قالوا يا رسول الله هذا ننصره مظلوماً فكيف ننصره ظالماً قال { تأخذ فوق يَدَيْه } رواه البخاري ، وخطب أبو بكر الصديق رضي الله عنه في الناس لما تولى الخلافة فقال [ القوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه والضعيف فيكم قوي عندي حتى آخذ الحق له ] . * وهو برهان جديد على مرونة الشريعة الإسلامية واستجابتها الواقعية للمشاكل المستجدة التي لا ينص القرآن الكريم أو السنة النبوية عليها ، ويمثل مواجهة للأحوال الطارئة والحاجات الملحة التي يفرزها التطور الاجتماعي ، وتحركاً إيجابياً لمعالجتها والتغلب عليها . يعتبر قانون الصندوق إنجازاً متميزاً على مستوى العالم العربي والدول المجاورة ، وثمرة للجهود الهادفة إلى تطوير الخدمات التي يقدمها القضاء الشرعي الفلسطيني للمواطنين ، فقد اقتدت مملكة البحرين بهذه التجربة فأصدرت هي الأخرى بعد عدة أشهر القانون رقم (34) لسنة 2005 بإنشاء صندوق النفقة البحريني بتاريخ 17/8/2005 ، وهو الآن يمثل طموح وأملاً للمرأة السورية تنتظر تحقيقه بفارغ الصبر ؛ حيث اكتملت في سوريا إجراءات إعداد مسودة قانون صندوق النفقة والتكافل الاجتماعي . افتتح صندوق النفقة مقر إدارته العامة وفرعه الرئيسي في القدس المباركة في مقر ديوان قاضي القضاة/العيزرية ، وافتتح ثلاثة فروع أخرى له في كل من الخليل ونابلس وفي مقر ديوان قاضي القضاة في غزة ، هذا بالإضافة إلى وجود مندوب للصندوق في كل محكمة شرعية ، وكان العزم معقوداُ على افتتاح فروع أخرى له . ويتولى الصندوق صرف المبالغ التي تتضمنها أحكام النفقة التي تَعذَّرَ تنفيذها في دوائر الإجراء لأي سبب ، أي أنه يحل محلّ المكلف بالإنفاق من زوج أو أب أو ابن أو غيرهم ، ثم يقوم هو بملاحقة المحكوم عليه الذي نكل عن دفعها بالطرق القانونية والقضائية المعمول بها في فلسطين ، وذلك لتجنيب النساء وبقية الضعفاء المتاهات في أروقة دوائر التنفيذ والضياع بين حيل بعض المحامين المتمرسين .

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل