المحتوى الرئيسى

مصر الحائرة بين النماذج العالمية للعدالة الاجتماعية (1-4)

04/08 13:47

- محمد جاد  القضاء على الفقر أهم تحديات الحكومة فى الفترة المقبلة  تصوير: جيهان نصر Share var addthis_pub = "mohamedtanna"; اطبع الصفحة var addthis_localize = { share_caption: "شارك", email_caption: "أرسل إلى صديق", email: "أرسل إلى صديق", favorites: "المفضلة", more: "المزيد..." }; var addthis_options = 'email, favorites, digg, delicious, google, facebook, myspace, live';  ألقت ثورة الخامس والعشرين من يناير بمسئولية جسيمة على عاتق المفكرين والساسة، إذ ينتظر الملايين من المواطنين ممن خاطروا بحياتهم فى أيام الثورة الثمانية عشر، والمجتمع الذى التف بأكمله حول مطالبهم المشروعة، أن تتحقق أهداف الثورة التى تتلخص فى شعارها الأشهر «عيش.. حرية.. عدالة اجتماعية».لذا بادرت «الشروق» بطرح سلسلة من التحقيقات تعرض فيها التجارب الدولية فى مجال السياسات الاجتماعية وتناقش نخبة من المفكرين حول كيفية صياغة السياسة الاجتماعية الجديدة لمصر.بعد انطلاق ثورة الخامس والعشرين من يناير بدأت القوى السياسية فى إطلاق برامج تعبر عن رؤيتها لكيفية تحقيق العدالة الاجتماعية التى ظلت مفقودة فى مصر لسنوات طويلة، وتركز أغلبية تلك البرامج على إصلاحات بعينها مطلوبة على المستوى الشعبى مثل رفع الحد الأدنى للأجور فوق مستوى 1000 جنيه، إلا أن العديد من البرامج التى تروج لمثل تلك الاهداف لا تحمل رؤية متكاملة للسياسات الاجتماعية المطلوبة. فالسياسات الاجتماعية يجب أن تطبق فى إطار رؤية شاملة لثقافة العمل والإنتاج والسياسات المالية فى البلاد، «ولكن المشكلة فى مصر أننا كنا نعانى من تطبيق توجيهات عليا لا تهتم باستفتاء الجماهير، يقابلها تصلب فى الرؤية الاجتماعية لكيفية تحقيق العدالة»، كما تقول هانيا شلقامى، أستاذة اقتصاديات العمالة بالجامعة الأمريكية وخبيرة فى برنامج الدعم النقدى المشروط، مضيفة أنه من الممكن أن تلبى الحكومة المطلب الشعبى بتطبيق حد أدنى مرتفع للأجور، ولكنه سيكون نوعا من «العدالة الشكلية»، ففى مقابل ذلك قد تتسبب السياسات الاقتصادية فى رفع تكاليف المعيشة. الرفاه للجميع أم للأكثر احتياجًا؟وتتبنى العديد من الحكومات فى العالم سياسات ما يعرف باسم «دولة الرفاه»، إلا أن طريقة تحقيق الرفاه تختلف من دولة لأخرى، وتقسم الدراسات المتخصصة فى السياسات الاجتماعية الاتجاهات المختلفة لتحقيق العدالة الاجتماعية إلى نمطين، نموذج «الرفاه المؤسسى» وهو يقوم على فكرة أن توفير مستويات لائقة من المعيشة والخدمات للمواطنين جميعهم وليس للفقراء فقط، بالإضافة لتوفير الدولة خدمات مثل تمهيد الطرق لجميع الطبقات. ويقابل هذا النموذج آخر يعرف باسم «الرفاه للأكثر احتياجا»، حيث يتم تحقيق هذا الرفاه من خلال شبكة أمان اجتماعى للفئات غير القادرة على إعانة نفسها، ويتم تصنيف دول مثل بريطانيا والسويد وفرنسا تحت النموذج الأول، فيما تطبق دول مثل الولايات المتحدة هذا النموذج الثانى بشكل نسبى. وبينما يعتبر بعض المحللين أن الولايات المتحدة واحدة من أكثر الدول التى نمت اقتصاديا بقوة دون أن يصاحب ذلك عدالة اجتماعية، فإن بعض التحليلات التاريخية ترى أن التاريخ السياسى للدول هو الذى يشكل نموذج سياساتها الاجتماعية، حيث ترجع السياسات الاجتماعية القوية التى تتبناها دول أوروبا إلى الاضطرابات التى شهدتها القارة والتى كانت تضطر السلطة لتطبيق هذه السياسات لتحقيق الرضا الاجتماعى، مقابل تاريخ طويل من الاستقرار السياسى فى أمريكا. وبالنسبة لمصر فإنه لا توجد ملامح محددة لسياستها الاجتماعية، تبعا لشلقامى، فهى خليط من الافكار ونتاج لتراكمات تاريخية، «وفى المجمل لا تحقق السياسات الاجتماعية المصرية الحد الادنى من الحماية الاجتماعية الموجودة فى النماذج المختلفة المتبعة فى مختلف دول العالم»، بحسب قولها.التحويلات الاجتماعية أكبر فى أوروباوتُظهر إحدى الدراسات المقارنة بين السياسات الاجتماعية فى امريكا ودول اوروبا أن المزايا والتحويلات الاجتماعية فى امريكا مثلت 11% من الناتج المحلى الإجمالى، فى الوقت الذى مثَل المتوسط فى دول الاتحاد الأوروبى 18%، متراوحا ما بين 16% فى بريطانيا و20% فى فرنسا. وأشارت الدراسة إلى أن المتعطلين فى بريطانيا يحصلون على إعانة لمدة 4 سنوات من فقدانهم لوظيفتهم، بينما تنخفض هذه المدة إلى 6 أشهر فى أمريكا، ولا يوجد إلزام قانونى على الشركات فى امريكا بتوفير إجازة مدفوعة الأجر، بينما يصل متوسط الإجازات المدفوعة الاجر فى الاتحاد الأوروبى إلى 4 أسابيع فى السنة. «قد تختلف الولايات المتحدة عن دول أوروبا فى انها اقل عدالة فى توزيع الدخول، ولكن نجاح النموذجين الأمريكى والأوروبى يقوم على أن هناك توافقا بين المواطنين هناك على كل منهما وهذا ما نفقتده فى مصر»، تضيف شلقامى، مشيرة إلى أن الولايات المتحدة لا تقدم نفس المستوى من الخدمات الاجتماعية لمواطنيها وتطبق حدا أدنى للأجور أقل من ثلث الحد المفروض فى أوروبا ولكنها فى المقابل تمجد روح الابتكار والثراء وتوفر سوق العمل هناك العديد من الفرص لتحسين حياة المواطنين من خلال سوق العمل التى تتسم بمرونة شديدة.«قد يكون النموذج الأمريكى أكثر النماذج ليبرالية، ولكن نجاحه يتأتى من الاقتناع الشعبى به هناك، حيث تتم مقاومة أى إجراء قد يتسبب فى تغيير نمط سوق العمل لأنهم يعتبرون أنه المدخل لتحقيق الرفاه». وتشير شلقامى إلى أن نماذج السياسات الاجتماعية تختلف داخل القارة الاوروبية ذاتها، فدول شمال اوروبا تتبنى أوسع نموذج للسياسات الاجتماعية مقارنة بباقى دول الاتحاد الأوروبى، معتبرة أن هذه الدول تمثل نموذجا للدولة التى تراعى السياسات الاجتماعية بقوة ولكن دون القيام بدور الدولة المنتجة. فبينما تفرض بعض تلك الدول ضرائب على دخول الأفراد تصل نسبتها إلى 90%، هناك إقبال على الاستثمار فى تلك البلاد لما تقدمه من حوافز للإنتاج ومستوى مرتفع من التعليم وبرامج الصحة المدعمين للمواطنين، «لقد نجحت هذه الدول فى صياغة سياسات نابعة من ثقافتهم بحيث أصبحت أكبر شركة وأفقر مواطن لديهم الشعور بأن مصلحتهم واحدة». شرق آسيا والتعليموتقوم فلسفة السياسات الاجتماعية فى دول جنوب شرق آسيا بدرجة كبيرة على إعانة المجتمع من خلال الإنفاق على التعليم والتدريب اللذين يوفران فرص عمل أكبر وأفضل، ونجحت ماليزيا فى هذا الصدد فى مكافحة الفقر من خلال الإنفاق على التدريب، وبلغ ما تم تخصيصه للتدريب من الحكومة الفيدرالية خلال الفترة من 1996 الى 2000 نحو 2.2 مليار دولار، وألزمت الحكومة القطاع الخاص بتوجيه نسبة من ارباحه للمشاركة مع الحكومة فى تقديم مبالغ لتطوير مهارة العاملين وإعادة المتعطلين لسوق العمل، علاوة على إنشاء نظام معلومات متطور حول فرص العمل. وقدمت الهند أيضا تجربة بارزة فى مجال التوظيف من خلال برنامج «100 يوم عمل»، والذى تتعهد فيه الحكومة بتوفير فرص عمل فى مجالات كالإنشاءات العامة لمدة 100 يوم، بما يضمن للفقراء الحصول على دخول ثلث السنة على الأقل ويشعر باقى المواطنين بفائدة هذه الأعمال من خلال استخدامهم للمرافق العامة. إلا أن تجارب توسع الدولة فى دعم الخدمات العامة لم يخل من السلبيات، حيث تشير شلقامى إلى أن فنلندا اتجهت لتخصيص ميزانية ضخمة للتعليم حتى أصبح الطالب هناك يتمتع بأعلى نصيب فى انفاق الدولة على التعليم على مستوى العالم، إلا أن مستوى التعليم هناك لم يصبح هو الآخر الأعلى عالميا، «لقد أظهرت دراسات أن الجهاز الحكومى مهما تم الانفاق عليه يظل مستوى أدائه به العديد من السلبيات، لذا اتجهت بعض الدول إلى إنشاء خدمات مثل المدارس تحت إشراف الوحدات المحلية». وتشهد العديد من التجارب الاجتماعية على أن نجاح السياسات مرهون دائما بحرية التعبير والمشاركة الشعبية فى صنع القرار، ومن أبرز الأمثلة على ذلك برنامج المشروعات العامة فى كوريا الجنوبية، والذى قدمته الحكومة فى عام 1998 بهدف توفير الوظائف فى مجالات البنية الأساسية وخدمات العمل الاجتماعى الخيرى ومشروعات النظافة وحماية البيئة ومشروعات اعداد قاعدة معلومات رقمية للحكومة. وبالرغم من الاحتياج القوى اجتماعيا لهذا المشروع نظرا لما يوفره من فرص عمل لأفراد لا تغطيهم شبكات التأمين الاجتماعى، إلا أنه لاقى اعتراضات قوية من وسائل الإعلام هناك، نظرا لحصول الطلبة وربات البيوت والمسنين ممن تخطوا الخامسة والستين من عمرهم على العديد من تلك الوظائف مع انهم ليسوا الأكثر احتياجا لتلك الوظائف، لذا استجابت الحكومة هناك لتلك الانتقادات وشكلت لجانا محلية من ممثلى الطبقة العاملة والمجتمع المدنى والبيروقراطية ومسئولى المحليات لصياغة النظام الذى يتم على اساسه اختيار العاملين فى تلك الوظائف، والاطلاع على طلبات التوظيف المقدمة، وهى الخطوة التى خففت من حدة الاحتجاجات على هذا المشروع.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل