المحتوى الرئيسى

رضا حماد يكتب: الانفلات الإعلامي والسلفي

04/08 12:47

قليل منا يشعر بالانفلات الإعلامي عبر سيل الأخبار الكاذبة التي تبثها بعض الصحف والمواقع الإلكترونية لبث الرعب في نفوس الناس حول شيوع الجريمة والبلطجة أو تغول التيارات الدينية وهجمة السلفيين، فالصحف والمواقع الإلكترونية التي روجت خلال الثورة لبقاء مبارك في الحكم حتى تنقضي ولايته، هي نفسها التي لفقت أخباراً حول مرضه واكتئابه ومشاجرات عائلته جلباً لعطف المصريين والتأثير في موقفهم من عائلة نهبت مصر على مدار ثلاثين عاماً.نفس هذه الصحف تقود اليوم حملة منظمة عبر بث أنباء الفتنة والترويج لفيديوهات السطو المسلح وجرائم السلفيين الراغبين في إقامة الحدود وحرق الأضرحة وتهديد النساء غير المحجبات إذا خرجن إلى الشارع.صحيح أن الشعور بالانفلات الأمني لازال حاضراً، رغم الجهود المخلصة لوزير الداخلية، لكنني اجزم بأن شيوع هذه الحالة سيتزايد ويدوم طويلاً إذا لم ننتبه للانفلات الإعلامي وانفلات بعض التيارات السلفية التي دخلت عنوة على خط السياسة وكلاهما يحارب معركة أذناب النظام الساقط وجهاز أمن الدولة المنحل والممولين قبل الثورة وبعدها.ونظراً للعلاقة القديمة بين الجماعة السلفية وأمن الدولة المنحل، نلحظ تنسيقاً مدهشاً مع بعض المؤسسات الإعلامية مجهولة التمويل وهيكل الملكية، إذ تقدم هذه الصحف خطاباً مزدوجاً متناقضاً يروج لشيوخ السلفية ويبث الذعر من أفعالها في آن واحد، يلفق أخباراً عن يوم للعفة في الشوارع يتوعد غير المحجبات بمية نار، ثم ينشر مشروعات إصلاحية لمشايخ السلفية حول التسامح والدعوة إلى الله بالموعظة الحسنة.اعتقد أن الثورة أمام معركة أخطر بكثير من معركة التظاهرات الفئوية، فهذا الإعلام المنفلت يمثل القوة الناعمة للثورة المضادة، بينما يمثل السلفيونٍ رأس حربتها التي تبث الذعر في نفوس المصريين وتبدد الأمل في مستقبل أفضل.خلال الأسبوع الماضي وحده روجت بعض هذه الصحف والمواقع الإلكترونية لأنباء بعضها كاذب وملفق تماماً والبعض الآخر ظهر كجريمة مكتملة الأركان لكن كلا الأمرين مرا دون محاسبة سواء للذين ادعوا بأن السلفيين سيهاجمون النساء في الشوارع، ويحرقون الأضرحة أو أولئك المجرمين الذين انتفضوا لإقامة حدود الله وقطعوا أذن مواطن مصري بعيداً عن القانون.إن بعض التيارات السلفية التي تواطأت مع نظام مبارك قبل الثورة تحارب اليوم بالوكالة عن أمن الدولة فالمشايخ الذين حرموا التظاهر والخروج على الحاكم قبل الثورة، يدعون أنصارهم الآن للانقضاض عليها دفاعاً عن الدين، والذين أهدروا دم البرادعي واتهموه بالكفر والزندقة، ويواصلون التشهير به وهم الذين يسعون الآن لإقامة الحدود وترويع المواطنين وإجهاض الآمال في دولة مدنية عصرية.  أليس مدهشا ذلك التبدل السريع والمفاجئ في حال الجماعة السلفية من عزوف كلي عن السياسة إلى انغماس فيها وطرح مشاريع إصلاحية وحشد الأنصار للجهاد في غزوات الصناديق الانتخابية.أليس مدهشاً أن نفس الصحف التي تبث فيديوهات الفتنة وتروع المصريين من هجمة السلفيون القادمون، هي نفسها التي تنشر مشاريع مشايخ السلفية الإصلاحية، هل كل هذا برئ أم أنها ثورة مضادة قد تؤدي إلى فتنة طائفية لا يمكن وأدها.مكمن الخطر أن قبضة مجلس الوزراء والمجلس العسكري لا تزال ناعمة، لا تجنح للحسم في أمور أقل ما توصف به أنها نذر شر ستقضي على الدولة والثورة معاً، إذ أن الاكتفاء بجلسة صلح وتطيب خاطر المواطن الذي قطعت أذنه طبق يحمل رسالة مفزعة للمجتمع المدني ودولة القانون التي أهدرها نظام مبارك الساقط وخرجت الثورة من أجل استعادتها واسترداد كرامة المصريين.والخوف كل الخوف من أن يتطور هذا السلوك إلى نهج عام تمارسه الدولة تحت ضغط مفاهيم كاذبة ترى أن وأد الفتنة يتم فقط بالتصالح والمجالس العرفية و"بوس" اللحى، حتى وإن تطاول طرف على الدولة وانتزع منها القانون ليطبقه بنفسه وفق مفهومه الخاص وعلى من يشاء من المواطنين.صحيح أن أصحاب الانفلات الإعلامي والسلفي يريدون أن تحل الفتنة محل الثورة، وأن يسيطر على المصريين الإحساس بالفوضى واليأس، ويسود الانقسام والفرقة، بدلاً من الأمل في مستقبل جديد واستعادة الوحدة والكرامة الوطنية، إلا أن مواجهة هؤلاء بالاستيعاب والتصالح ومحاولات التهدئة الكاذبة لن يقضي على الفتنة مع كل التقدير للنوايا الطيبة لمجلس الوزراء والحذر البالغ الذي يطغى على سلوك المجلس العسكري.ليس لدى شك في أن تمادي هذه الصحف في بث رسالتها الكاذبة، وإقدام أشخاص على تطبيق ما يعتقدون أنه حدود الله سببه التباطؤ في معاقبة الذين تورطوا إعلامياً ومادياً في جريمة كنيسة قرية صول الشهر الماضي والاكتفاء بزيارات ودية ولقاءات صلح وحوارات تلفزيونية ممجوجة سئمها الناس منذ عهد مبارك الساقط.لو تمت محاكمة الذين خاضوا غزوة الاستفتاء على التعديلات الدستورية دفاعاً عن الدين أو أولئك الذين هددوا أو روجوا لهدم الأضرحة وتهديد النساء إذا خرجن للشارع سافرات ما أقدم السلفيون على قطع أذن المواطن المصري وحرق منزله ولن يجرؤوا على تكرار ذلك مرة ثانية.وأخشى أن يبعث التهاون الرسمي مع هذه الجرائم برسالة خاطئةتحرض السلفيين وغيرهم على مزيد من الجرأة والتطاول على القانون والمجتمع، عندها سيتحول السلفيون إلى ميليشيا مدنية نساهم حالياً في تدشينها كما فعل  النظام السابق مع ميليشيا البلطجية التي كانت تمارس البلطجة تحت سمع وبصر الشرطة وفي حمايتها.الطريق الوحيد لمواجهة الثورة المضادة والفتنة ينبغي أن يبدأ محاسبة المجرمين الذين يتجرءون على القانون والأهم هو سن قانون يجرم خلط الدين بالسياسة مهما كانت الدعاوى التي ينطلق منها أصحاب هذه الدعاوى.يجب وقف جلسات الصلح وتطييب الخواطر لأن التمادي في ذلك سيقودنا لا محالة إلى خلق ميليشيا تهاجم الناس في الشوارع باسم الدين وشرع الله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل