المحتوى الرئيسى

الشعب يصر على محاكمة النظام

04/08 08:19

يدرك الشعب المصرى أن النظام الذى اندلعت ثورة 25 يناير لإسقاطه كان قويا ومتجذرا فى عمق التربة المصرية، التى تغلغل فيها على مدى سنوات طويلة، كما يدرك أنه نجح حتى الآن فى الإطاحة برأسه، لكن جذوره لاتزال حية فى بطن التربة السياسية والاجتماعية تنتظر المناخ الملائم كى تنمو وتزهر من جديد. ورغم الثمن الكبير الذى دفعه للإطاحة برأس النظام، والذى بلغ حوالى 830 شهيداً وما يقرب من عشرة آلاف جريح، منهم ما يزيد على ألف شخص فقدوا أبصارهم وأصيبوا بعمى دائم، فإن الشعب مازال يصر على خلع الجذور واستئصالها تماما قبل أن تتمكن من النمو من جديد والالتفاف على مطالب الثورة وإجهاض أهدافها، مهما كلفه ذلك من تضحيات.  ولأنه نظام ارتبط بشبكة هائلة من المصالح المتداخلة، ضمت قيادات الحزب الوطنى وكبار رجال الإدارة وقيادات الأجهزة الأمنية ومجموعة فاسدة من رجال الأعمال، فمن السذاجة بمكان أن نتصور أن استئصال جذوره سيكون عملية سهلة أو أنها يمكن أن تتم فى يوم وليلة أو بضربة واحدة قاضية. لذا يدرك الشعب أن ثورته لم تنته بعد، وأن المعركة التى يخوضها الآن لاقتلاع جذور النظام أخطر وأشرس وأطول من المعركة التى خاضها لإسقاط رأسه، وأن شبكة مصالح النظام القديم، التى تشكل الوعاء الرئيسى للثورة المضادة، لن تستسلم بسهولة، ومن ثم فعليه التسلح بالصبر، واليقظة الشديدة، والقدرة على المناورة وعلى الكر والفر. من الطبيعى أن تبدأ معركة الاستئصال بالمطالبة بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم القتل والتعذيب ونهب الأموال العامة والضغط بكل الوسائل الممكنة لتشكيل لجنة قضائية على أعلى مستوى، للتحقيق مع هؤلاء المتهمين، كمقدمة لحملة تطهير واسعة النطاق تشمل كل من يثبت تورطهم فى هذه الجرائم. ولأن الشعب لن يقبل أبدا خدعة التضحية ببعض «الكباش» لإنقاذ المجرمين الحقيقيين، فمن الضرورى أن يبدأ التحقيق مع رأس النظام، ممثلا فى العائلة الحاكمة، وجميع رموزه الكبار. لذا فإننى لست مع القائلين بأن المظاهرات المليونية - التى دعا إليها الشباب، والتى بدأت يوم الجمعة الماضى ومن المتوقع أن تستمر إلى أن يستجيب المجلس الأعلى للقوات المسلحة لمطالب الثوار كاملة - لم يعد لها ما يبررها، أو أن ضررها أكثر من نفعها لأنها تؤثر سلبا على الأوضاع الأمنية والاقتصادية. فهى، فى تقديرى، وسيلة ضرورية للضغط على السلطات المنوط بها إدارة المرحلة الانتقالية، ولن يترتب عليها أى تعطيل فى عملية الإنتاج، لأنها تنظم يوم عطلة، ولن يكون لها تأثير سلبى على الأمن العام، لأنها تحرص أشد الحرص على أن يظل طابعها سلميا. ومن المؤكد أن قوى الثورة المضادة هى التى تقوم بكل ما فى وسعها لتعطيل الإنتاج وتعكير صفو الأمن العام وإثارة كل ما من شأنه دفع الجماهير للترحم على أيام ما قبل الثورة. ودون ممارسة هذا النوع من الضغط فى مواجهة قوى الثورة المضادة - وهى قوى نشطة وتعمل بلا كلل - ربما يتعذر على الحكومة وعلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة المضى قدما على طريق التغيير الجذرى الذى ينشده الشعب والذى يستهدف استئصال جذور النظام القديم، من ناحية، ووضع الأسس الكفيلة ببناء نظام جديد لا يسمح بإعادة إنتاج تحالف الفساد والاستبداد القديم، من ناحية أخرى. ولأنه يستحيل التقدم على طريق تحقيق أى من هذين الهدفين دون محاكمة المسؤولين عن ارتكاب المذابح التى سالت فيها دماء الشهداء واسترداد الأموال المنهوبة، فيبدو لى أن الشارع لن يهدأ مطلقا قبل أن يرى رأس النظام، ممثلا فى العائلة الحاكمة، ماثلا أمام المحكمة. حينها ستضطر قوى الثورة المضادة للعودة إلى الجحور، والانتقال من مواقع الهجوم التى تحتلها الآن إلى مواقع الدفاع.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل