المحتوى الرئيسى

قصف ليبيا... تقويض لمنع الانتشار النووي

04/08 07:04

جيفري كمب بعد وقت قصير جداً من بدء قوات حلف "الناتو"، بقيادة الولايات المتحدة الأميركية عمليات قصفها الجوي في التاسع عشر من مارس المنصرم، بغية فرض منطقة الحظر الجوي بموافقة مجلس الأمن الدولي، لم تتأخر جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية في الرد على هذه الخطوة الدولية. فقد أصدرت وزارة خارجيتها بياناً جاء فيه: "لقد أدى تفكيك ليبيا لبرنامجها النووي في عام 2004، إلى جعلها عرضة للعدوان الغربي عليها". أما خامنئي فاستخدم لغة مشابهة في تعليقه بالقول: "لقد كشف تنازل القذافي عن برنامج بلاده النووي واستسلامه للغرب، صحة موقف إيران واستمرار رفضها لأي محاولة أو ضغوط تهدف إلى الحد من تطورها النووي". ويشير هذان التصريحان بوضوح إلى إن أحد تداعيات عمليات القصف الجوي الغربي الجارية في ليبيا، الترويج لعملة الأسلحة النووية وتزايد انتشارها في دول تبدى قلقاً واضحاً إزاء أمن أنظمتها الحاكمة. ففي عام 2003، وعقب النجاح الأولي الذي حققته القوات الأميركية في العراق، عبر الإطاحة بنظام صدام، بدأت ليبيا إعادة النظر في سياساتها المتعلقة بتطوير أسلحة الدمار الشامل. وحينها كانت العقوبات الدولية المفروضة على ليبيا قد ألحقت ضرراً بالغاً باقتصادها. وأوعز للقذافي بعض مستشاريه المقربين منه بفكرة أنه لن يكون في وسع ليبيا الخروج من مأزق العقوبات الدولية إلا باتخاذها خطوتين رئيسيتين: أولاهما التخلي عن أي قدرات تمكنت ليبيا من تطويرها في مجالي الأسلحة النووية والكيميائية، وثانيتهما عقد صفقة مع الأميركيين بشأن منح تعويضات لضحايا تفجير الطائرة الأميركية فوق سماء بلدة لوكربي الأسكتلندية عام 1988. وبحلول عام 2004 كان القذافي على أتم الاستعداد لإبرام الصفقة المقترحة من قبل مستشاريه، لكن بشرط أن يكافئه الغرب على تنازله عن أهم ما كان يسند أمن نظامه. وبناءً عليه أجرى كل من القذافي والغرب تعديلات جوهرية على عداءاتهما المتبادلة سابقاً، خلال الفترة الممتدة بين عامي 2004 و2011، وتدفقت رؤوس الأموال والاستثمارات الأجنبية من أوروبا والولايات المتحدة والصين وغيرها إلى ليبيا بحثاً عن الفرص الاستثمارية الثمينة التي توفرت هناك إثر رفع العقوبات الاقتصادية المفروضة على ليبيا من قبل. لكن سرعان ما اندلعت الثورات الشعبية في كل من تونس ومصر واليمن وسوريا، وصولاً إلى ليبيا نفسها. أما الوضع السياسي الراهن في ليبيا فيشير إلى آفاق مظلمة غير مبشرة لاستمرار نظام القذافي في السلطة، رغم ما يبديه من عناد وتشبث بالسلطة حتى الآن في وجه معارضيه. وكما نعلم، فلن يتقرر مصير الحرب الدائرة الآن في ليبيا، في مدينة بنغازي أو أي من مدن الشرق الليبية الأخرى، وإنما يحسم مصيرها في العاصمة طرابلس نفسها، حيث سيُرغِم القذافي على مغادرة السلطة انشقاقُ أعداد متزايدة من أقرب المقربين إليه من بين كبار مسؤولي حكومته. هذا هو السيناريو الأول المحتمل، أما في السيناريو الثاني، فليس مستبعداً أن يلجأ عدد من كبار المسؤولين إلى الزعامات القبلية العشائرية ذات النفوذ القوي بهدف التخلص من القذافي في نهاية الأمر. وبوجه عام، تبعث الحالة الليبية الراهنة برسالة سيئة منذرة لبقية طغاة المنطقة العازمين على الاستمرار في كراسي الحكم رغم أنف شعوبهم وإرادتها. وتتضمن عمليات القصف الجوي الجارية في ليبيا دروساً خاصة موجهة إلى كل من إيران وكوريا الشمالية بالذات. فقد كان ولا يزال صعباً جداً حث بيونج يانج وإلزامها بالانخراط في المحادثات السداسية الدولية التي يتوقع لها أن تنتهي حتماً إلى إرغامها على تفكيك برنامج أسلحتها النووية على نحو يجعل هذا التفكيك قابلاً للتحقق منه من قبل المفتشين النوويين الدوليين. وبما أن الترسانة النووية الكورية الشمالية هي الكرت الوحيد الذي تستطيع بيونج يانج اللعب به والضغط بواسطته على المجتمع الدولي، فكيف لهذا الأخير أن يقنعها بالتخلي عن أقوى سلاح تناور به المجتمع الدولي؟ أما بالنسبة لإيران، فسوف تدفع عمليات القصف الجوي الجارية في ليبيا الآن، العناصر الأكثر عداء للغرب والأكثر حماساً للبرنامج النووي، إلى التمسك أكثر من ذي قبل بالاستمرار في تطوير ذلك البرنامج. وعليه فمن أوضح التداعيات السلبية لحملة القصف الجوي الدولية هذه، أنها سوف تساعد على الترويج لعملة الأسلحة النووية، في وقت يبذل فيه المجتمع الدولي جهوداً جبارة في إقناع الدول الطامحة إلى تطوير هذه الأسلحة بمزايا التخلي عنها، مقابل الفوائد التي تجنيها من الخضوع لنصوص معاهدة حظر الانتشار النووي. ومما يزيد الأمر سوءاً استمرار الهند وباكستان، الدولتان المجاورتان لإيران، في توسيع وتطوير ترسانتهما النووية. ليس ذلك فحسب، بل إنه ليس متوقعاً لإسرائيل أن تقبل بمجرد مناقشة برنامجها النووي عقب الانتفاضات الشعبية التي شهدتها عدة دول عربية مؤخراً، وبما رفعته هذه الانتفاضات من شعارات معادية لإسرائيل وسياساتها في المنطقة. كما يذكر الإيرانيون جيداً ما حدث لجارهم السابق صدام الذي كان قد تخلى عن برامجه النووية فعلياً في لحظة ما، لكنه كان شديد الفزع من أن يبدو ضعيفاً، وهو ما منعه من الاعتراف بتخليه عن تلك البرامج، الأمر الذي أدى إلى إسقاط نظامه وإعدامه بمبررات حيازة أسلحة الدمار الشامل التي شُن على أساسها الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وما أفضى إليه ذلك الغزو من نهايات معروفة لنظام صدام. وربما تؤدي نهاية الأنظمة الشمولية في منطقة الشرق الأوسط على المدى البعيد، إلى ممارسة مزيد من الضغوط عليها لإجراء إصلاحات سياسية داخلية. وفيما لو حدث ذلك، فربما يعيد الإيرانيون النظر في تطلعاتهم وبرامجهم النووية. بيد أن هذه التغييرات سوف تتطلب وقتاً طويلاً كي تتحقق. وريثما تتحول هذه التغييرات إلى حقيقة، من المتوقع أن يعود البرنامج النووي الإيراني إلى أعلى قائمة أجندة إدارة أوباما وسياساتها الخارجية مجدداً. ويزداد ترجيح هذا الاحتمال إذا ما أخذنا في الاعتبار تأكيدات كل من أوباما ووزيرة خارجيته على عدم تسامحهما مع أي برنامج تسلح نووي إيراني. وعليه فإننا نتوقع حدوث أزمة جديدة حول هذا الملف خلال صيف العام الحالي. *نقلا عن"الاتحاد" الاماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل