المحتوى الرئيسى

ليبيا... بين المستثمرين والمقامرين بقلم: صلاح حميدة

04/07 23:18

ليبيا... بين المستثمرين والمقامرين *كتب :- صلاح حميدة تعيش الثّورة الشّعبية في ظروف صعبة هذه الأيام، فمثلما كان القذّافي غريباً في كل شيء قبل الثّورة، يستمر في فعل كل ما هو غريب أثناء الثّورة، فقد فعل ما لم يفعله غيره من السّابقين، وحتى اللاحقين لن يستطيعوا تقليده، حتى ولو حاول الرّئيس اليمني تقليده في بعض سلوكيّاته الإجرامية. أسال القذّافي وعائلته لعاب الغرب بالعقود التي وقعوها معه ليخرج من الحصار والعزلة الدّولية، وبدّدوا ثروات ليبيا في كل مكان لشراء الولاءات والذّمم وغسيل وتلميع صورتهم، ولا بد من الاعتراف بأنّ خير من تمكّن من شراء مؤسسات وزعماء ووسائل تأثير من بين الزّعماء العرب، كان القذّافي وعائلته، ولا زالوا في الصّدارة، فالمرتزقة الذين يعملون لعائلة القذّافي لا ينحصرون فقط في المقاتلين على الأرض، بل يوجد صجفيون ووسائل إعلام عربية وغربية، وحتى دول إقليمية ودولية وضعت كل ثقلها في خدمة الجهد الحربي والسّياسي والإعلامي لعائلة القذّافي. الحالة الليبية الحالية ليست إلا نتاج ما استثمرته عائلة القذّافي، ولا يمكن قياس غالبية المواقف الحالية للكثير من الأطراف إلا من باب الاستثمار والمصالح وربّما المقامرة. أهم المواقف الدّولية التي برزت مع بداية الثّورة هي الموقف الفرنسي، فقد سعت الحكومة الفرنسية لاتّخاذ أكثر المواقف حدّةً من جرائم مليشيات القذّافي، وسعت وسهّلت كل الإجراءات التالية التي تمّ اتخاذها في مجلس الأمن لضرب تلك القوّات، بل كانت المهاجم الأول لمليشيات القذّافي على أبواب بنغازي مانعةً مجزرةً محقّقة في هذه المدينة. لا يختلف عربيّان بأنّ ساركوزي شخص عنصري، ولا يمكن أن يكون فجأة وقع في حبّ العرب والمسلمين، ولكن المحرك الرّئيسي للجهد الفرنسي - الذي قاد خلفه الولايات المتّحدة وبريطانيا مرغمتين- هذا المحرّك هو المحرّك المصلحي الاستثماري، فقد قادت فرنسا اللوبي الغربي الذي ييتبنّى فكرة الاستثمار في الرّبيع العربي، فالاستثمار في الأنظمة العربية الحالية، أصبح من المقامرة غير المحمودة، وهذه العبرة أخذتها فرنسا من خلال تجربتها مع الثّورتين التونسية والمصرية. تواجه فرنسا منافسةً دوليةً في أفريقيا التي تعتبرها ساحتها الخلفية، ولذلك أرادت فرنسا تصدّر المشهد في الحدث الليبي، الذي يعتبر سلة من المشاريع والعقود المختلفة، بالإضافة لكونه مساحةً مهمّةً للنّفوذ الاستراتيجي الفرنسي عبر ما يسمّى ب " الشّراكة المتوسّطية" كما أنّ مبيعات الطّائرات والأسلحة الفرنسية تعاني من أزمة تسويق، وبالتالي كانت هذه فرصة استثمارية مغلّفة بغلاف إنساني، ولا شكّ أنّها فرصة مرحب بها من العرب والليبيين والكثير من الدّول في العالم، فمنع الإبادة الجماعية في ليبيا لا يمكن أن يرفضه أحد صاحب ضمير حي، في ظل عجز العالم العربي عن منع المجزرة. انضمّت قطر لفرنسا في حماستها لهذه العملية العسكرية لإنقاذ الشعب الليبي من مجزرة محققة الحدوث، ودافع قطر لهذا الفعل هو أنّها دولة ذات رؤية مستقبلية طامحة، وتسير في منهج لا يخضع لحسابات غالبية الدّول العربية في التّعاطي مع حالة ثورة الربيع العربي، ف"قطر" دولة صغيرة ذات رؤية حضارية وعلمية وإعلامية ورياضية وثقافية وخيرية ودبلوماسية عابرة وجامعة، رؤية وضعت هذه الدّولة الصّغيرة كطرف دولي فاعل في الكثير من القضايا المؤثّرة، ولذلك كان الدّور القطري طبيعيياً وريادياً، و لحق به بعض العرب على استحياء. ولذلك كان موقف قطر موقفاً استثمارياً في المستقبل وفق رؤيتها الطّامحة، فيما غيرها بقي صامتاً ينتظر ثورة شعبه، فيما لا يزال البعض الآخر يتآمر على الثّورات الأخرى، أو يحاول الالتفاف على ثورة شعبه. أطراف أخرى لجأت للمقامرة بوضع ثقلها بجانب عائلة القذّافي ومليشياته، وسعت لدعمه بالسّلاح والإمدادت والجهد الاستخباري، وكان من أبرز تلك الدّول دولة الاحتلال الإسرائيلي التي أمدّته بالسلاح والمستشارين، حسب مصادر عديدة، بل هناك من يقول أنّ إدارة المعركة السياسية والإعلامية والحربية تتم بأسلوب إسرائيلي- طبق الأصل- بلا أي تحريف، كما يدلّل أصحاب هذا الرّأي على الضّغط الهائل الّذي يمارس على الزّعماء الغربيين من قبل اللوبي اليهودي لوقف الحرب على القذّافي والسّماح له بإتمام إبادة جزء كبير من شعبه، وما الانسحابات التي تمت من قبل الولايات المتّحدة الأمريكية، والوقف غير المبرر للقصف الجوّي على مليشيات القذّافي التي تمارس الإبادة الجماعية تحت سمع وبصر الإعلام وأقمار وطائرات التّجسس والاستطلاع الغربية إلا أكبر مثال على ذلك، بل يتم منع أي مساعدة للثوّار للدّفاع عن أنفسهم، ويتم قصفهم وقتلهم من قبل طائرات الناتو فوق ذلك، والمثير أكثر للإستغرابف في هذا القصف، أنّ طائرات الناتو لا ترى أرتال مليشيات القذّافي التي تسير لساعات ولمئات الكيلو مترات مكشوفة في الصّحراء، بينما ترى الثّوار بكل وضوح على أنّهم هدف للقصف والقتل. مثلما كان الاستثمار الفرنسي فاقعاً في دعمه للحرب على مليشيات القذّافي، كان موقف تركيا مخزياً ومستهجناً تجاه مذابح القذّافي لشعبه، ولا شك بأنّ ما جنته تركيا في مواقفها الإعلامية والإغاثية تجاه ما جرى في غزة، قد فقدت غالبيته في موقفها من المذابح في ليبيا. فتركيا تقف في الطّرف الآخر من المعادلة تماماً، و لا نبالغ إن قلنا إنها تدافع عن القذّافي، وتعطيه كل أدوات إتمام المجزرة بلا عقبات محلّية و دولية، ومهما حاول المتابع أن يجد تبريراً أو إحساناً للظّنّ في مواقف تركيا من جرائم عائلة القذّافي ومليشياته فلن يجد. فتركيا تقف في موقف معاد لفرنسا وسياساتها، ولكن هذا لا يبرر وقوفها ضد موقف فرنسا تجاه ما يجري في ليبيا، فإن كانت فرنسا تتصرف بمنطق الاستثمار، فالأولى بتركيا التي تدّعي بأنّ سياستها قائمة على المبادىء والأخلاق، أن تكون السّباقة في مهاجمة القذّافي لكفّ يده عن رقاب شعبه. ففيما يقتل القذّافي الشّعب الليبي، تعمل تركيا على منع تسليح الشّعب الليبي بأي ثمن، وترسل قوّاتها للإشراف على ميناء ومطار بنغازي لمنع إيصال السّلاح للشّعب الليبي للدّفاع عن نفسه، فيما تصل الأسلحة الاسرائيلية للقذّافي ولا تراها أعين تركيا وهي تنزل في ميناء طرابلس، وفوق ذلك يتبنى أردوغان منطق إسرائيل والقذّافي الذي يدعي - كذباً- أنّ هذا السّلاح قد يقع في يد من سمّاهم إرهابيين، وفيما يدّعي أنّه ضدّ قتل القذّافي لشعبه، إلا أنّه يمنع أي طريقة لمنعه من ذلك، ويمنع شعبه من التسلح ليدافع عن نفسه، وهذا التّصرف يوازي جريمة القذّافي، بل يفوق الجريمة ذاتها. وتسعى تركيا لتسويق ما يريده القذافي وأولاده دولياً، فهم يسعون لتسويق مبادرات تخديرية عن رغبة ليبية بوقف إطلاق النّار، فمن هو الذي يطلق النار؟ ولماذا لا يطالب أردوغان القذّافي بوقف قتل شعبه؟ ولماذا تضغط تركيا على الثّوار للقبول ببقاء أولاد القذّافي على رقاب الشّعب الليبي؟ من يريد وقف النّار لا يصعّد إطلاق النّار، ولكن تتم هذه المحاولات حتى يتم تخدير المجتمع الدّولي ريثما ينجز القذّافي جريمته بحق الليبيين، وهذا ما يتم حالياً من تعطيل وعرقلة تركية للعمليات العسكرية لحلف النيتو ضد جرائم عائلة القذّافي، فقد توقف القصف الجوّي، وتتنقّل مليشيات القذّافي كما تريد، وتتلقّى الإمدادات بسهوله، وتقصف المدن بكل شراسة أمام العالم، فيما يقوم وزير خارجية تركيا بإعطاء الشعب الليبي محاضرات عن " المدينة الفاضلة للفارابي". أمّا إصرار تركيا على نقل قيادة العمليات العسكرية من أمريكا إلى النيتو فكان هدفه نزع يد فرنسا عن الزّناد، وهذا نتج عنه ما نراه من شلل عسكري تجاه الجرائم التي تجري الآن، ومحاولات تركيا التّعمية على مواقفها المخزية بنقل بعض الجرحى إلى مشافيها لن تفيد، فموقف تركيا المتآمر هو الذي سبب إصاباتهم وقتل إخوانهم و حصار وتدمير مدنهم، قتركيا فاعل رئيسي في الأزمة الليبية حالياً، وموقفها وإسرائيل واللوبي اليهودي في الولايات المتّحدة يعتبر أكبر داعم لعائلة القذّافي. في مواجهة ما يجري حالياً، مطلوب من المجلس الانتقالي الليبي أن يتّبع خطوات جذرية في تعامله مع تلك الأطراف، فالمقامرون يراهنون على استمرار وجود عائلة القذّافي، وقدّموا المصالح بالمليارات على الأخلاق، والمقامر يربح قليلاً ويخسر كثيراً، ولذلك يجب التعامل مع المقامر بطريقة غير دبلوماسية، ولو كنت مكان الثّوار الليبيين، لرفضت تلقّي أي مساعدات أو نقل الجرحى إلى تركيا، ولتعاملت معها بطريقة تظهر أنّ محاولات تضميد الجراح الماكرة لن تخدع الليبيين عن الموقف المخزي والمتآمر والمشارك في قتل الليبيين الذي تقفه تركيا بجانب عائلة ومليشيات القذّافي، وما دامت تركيا تقامر بكل أوراقها لجهة عائلة القذّافي، ووضعت بيضها في سلّتهم، فالأفضل عدم التعاطي مع أي مبادرات خادعة تقدّمها، ولعل ما أعلنت عنه بأنّها على استعداد لإرسال قوات " حفظ سلام" إلى ليبيا، يظهر أنّها هي التي لها طموحات استعمارية، وليس من يرفضون إنزال قوّات أرضية في ليبيا. أمّا المستثمرون، فيجب التّعامل معهم بطريقة المساومة بين المستثمرين والتّجار، فالأخلاق لم ولن تحرّكهم، ولكن بما أنّهم وضعوا كل ثقلهم لجانب الثّورة، فيجب منحهم فوائد بدل مواقفهم، بعضها حالي بصفقات سلاح يحتاجها الثّوار على وجه السّرعة، مثل التّسلح بأسلحة فرنسية، من السّلاح الفردي وحتى الطّائرة المقاتلة، فلماذا لا يشتري المجلس الانتقالي طائرات حربية فرنسية، يقودها طيّارون ليبيون حربيون من مطارات طبرق وبنغازي وتقصف مليشيات القذّافي؟ وإذا كان هذا متعذّراً، فمجلس الأمن يمنح الدّول فرادى وجماعات الفرصة لقصف مليشيات القذّافي، ولا ضرورة لحلف الأطلسي ليقوم بذلك، وبإمكان المجلس الانتقالي طلب ذلك مباشرةً من فرنسا وقطر والإمارات. المجلس الانتقالي يعتبر الطّرف الأضعف في المعادلة في نظر البعض، ولكنّه الطّرف الأقوى على أرض الواقع، فهو يمتلك الشّرعية الثّورية، والشّرعيّة الأخلاقيّة، ولا بدّ أن يرتقي في خطابه السّياسي والإعلامي والعسكري، فعلى الصّعيد السياسي والإعلامي لا بد من تطوير وتكثيف خطاب واضح وصريح ومحرج للدّول التي تعادي حرّية الشّعب الليبي، وهذا لن يضرّ المجلس بشيء. أمّا الدّول التي تسعى للاستثمار في ربيع ليبيا، فلا بدّ من التّعامل معها بصيغ فرديّة بعيدة عن قيود حلف النيتو، والتّعاطي في هذا المجال علانيةً، وبإدارة سليمة وتنسيق جيّد بين التّحركات الميدانية و السياسية والإعلامية يمكّن من جر تلك الدّول لتبني مطالب المجلس الانتقالي، فبدل إلقاء قوات الثّوار في معارك الصّحراء، بالإمكان سحب تلك القوات بشكل تكتيكي حتى مشارف بنغازي، ولتوضع كل تلك الدّول في موقف لا يمكّنها إلا من إبادة مليشيات القذّافي، فالبقاء على مشارف البريقة والمراوحة هناك لا فائدة عسكرية ولا سياسية ولا إستراتيجية منه، ويجب حسم المعركة بضربة ماحقة تريح المستثمرين، وتصعق المقامرين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل