المحتوى الرئيسى

« إلهام» تقرر الانتحار

04/07 12:01

تسير فى الشارع وقد اتخذت قرارها النهائى بالانتحار. لديها كل شىء وبرغم ذلك تشعر بالخواء العظيم. المال! تملك الكثير منه، ولكنها لا تدرى ماذا تفعل به؟ تستطيع أن تأكل من أرقى المطاعم يوميا، لكنها تعرف مقدما أنها ستتقيأ. الصباح! النور! الزهور! كلها أشياء لا معنى لها طالما كل نوافذها مطلية باللون الأسود. لو كانت طبيبة لعرفت أنها تعانى من «الاكتئاب الجسيم». ويبقى الأرق: اللعنة الأبدية التى صاحبتها منذ المراهقة حتى جاوزت الستين. حينما تتلاشى الحدود بين الأمس واليوم، والليل والنهار. حينما تصطخب الأفكار فى رأسها، فتتوق أن تتخلص من رأسها لترتاح.                                    ■ ■ ■ هذا المساء سينتهى كل شىء، هكذا راحت تطمئن نفسها. أما الآن فلتلقى نظرة أخيرة على الحياة. الطريق مزدحم، والجميع يتعجلون غاية ما. هل يخطر على بال أحد أنها تحسدهم؟ إلهام الثرية المُترفة، تحسد الشحاذين والباعة المتجولين وخادمات البيوت! تحسدهم لأن لهم هدفا يسعون من أجله، ومباهج صغيرة تُثير اهتمامهم، ولأنهم حين يضعون رأسهم على الوسادة فإنهم ينامون على الفور. شواكيش تدق فى رأسها. لماذا لم تتزوج! على الأقل يكون لها طفل تهتم به. لماذا لم تفلح ولو لمرة واحدة أن تكوِّن صداقة! لماذا لا تحب أحدا ولا يحبها أحد! منطفئة، مملة، غير جديرة بالحياة. الليلة سينتهى كل شىء: حمام دافئ ثم بضعة شرائط من أقراص المنوم البيضاء تكفى لحل مشاكلها إلى الأبد. تنام. تعوض ستين عاما من الأرق، ستين عاما من الانطفاء.                                    ■ ■ ■ وفجأة اقتربت منها عجوز منحنية قد بدت عليها ملامح الفقر الشديد. تذكرت أنها ستموت الليلة، ولا معنى لاحتفاظها بالنقود. أمسكت ببعض الأوراق النقدية ذات القيمة الكبيرة دون أن تهتم بعدها ودستها فى يد العجوز. توقفت فى فرحة ودعت لها، ولكنها حين نظرت إلى النقود فى يدها تجمدت من المفاجأة. قطعا لم تملك فى حياتها هذا المبلغ الجسيم. وقفت إلهام ترقب الانفعالات على وجهها الذى صار مسرحا لمشاعر عنيفة متعاقبة: الفرحة الشديدة والدهشة وعدم التصديق. دهشت إلهام، سرت رعدة فى جسدها وهى تفكر: أحقا لايزال هناك أحد قادر على الفرحة بهذا الشكل العجيب؟! فلتجرب. شاهدت طفلا بائسا مشردا، أخرجت ورقة نقدية كبيرة. أضاءت شمس الفرحة فى وجهه، ومنحها ابتسامة عذبة، أجمل ابتسامة تشاهدها منذ عهد بعيد. اهتزت من الأعماق وكأنها تعيد اكتشاف العالم. وكأنها بوغتت بوجود منجم للسعادة على مسافة خطوات. كانت دائما تنظر إلى الداخل، منكفئة فى عالمها الداخلى، تمضع الحزن والتعاسة، والرثاء لذاتها المُعذّبة، غافلة عن جموع المُعذّبين. شيخ كبير يقترب فى تؤدة، فتشت حقيبتها فى عصبية، وجدت ورقة مطوية من فئة المائة جنيه. الوجه المُعذب يعاد تشكيله بالفرحة. تملكتها قشعريرة، أفرغت حقيبتها على الأرض، ولأول مرة تنسى الأرق، وقرارها السابق بالانتحار، لتسير فى طريق لا نهاية له، تستمد سعادتها من ابتسامات البائسين. aymanguindy@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل