المحتوى الرئيسى

يسري نصر الله في معهد السينما (3) : ''الفن مفيهوش صح وغلط .. الفن الحقيقي عن انتَ حاسس بإيه''

04/07 02:15

يسري نصر الله في معهد السينما (3) : ''الفن مفيهوش صح وغلط .. الفن الحقيقي عن انتَ حاسس بإيه'' كتبه: محمد المصري - (هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه فقط) 75 في المُحاضرة الثالثة ، بدا واضحاً – بالنسبة لي على الأقل – أن يُسري نصر الله لا يُحاول فقط أن يُعَلِّم طُلاّبه أشياءً عن الإخراج وتقنيات السينما ، بل يؤثر في وجدانهم ، يخاطبهم عن كيفيّة يَرَوْنَ الحياة قبل أن ينقلوها على 35 مللي ! "أنا عايز نتكلِّم ، و(نتكلِّم) مش يعني أنا أتكلِّم ، بس يعني كُلِّنا نتكلِّم ، كل واحد منكم عنده صوت .. فكر وطاقة ومشاعر ، لازم قبل أي حاجة يفكّر يطلّع كل ده حتى لو هيقول كلام عبيط" بدأ الحوار في المُحاضرة من نِقطة مُختلفة لم يُرتّب لها نصر الله ، حينَ سأله أحد الطّلاب عن الدّيكور ورؤية البعض بإمكانية الاستغناء عنه لصالح التصوير في أماكن طبيعية وحقيقية ، رد يُسري بأن الفن ليس بالضرورة أن يكون واقعياً إلى هذا الحد ، فأنتَ في الأول والآخر تقدّم رؤيتك وما تشعره وما تراه فيما حولك وما تريد إيصاله لمن يشاهدك ، وإلاّ فيمكنك صُنع فيلماً تسجيلياً وسيكون الأمر أفضل حينها ! ودلّل على ما يُقصده بمثالين كان الديكور فيهم بطلاً أساسياً في العمل ، الأول في تُحفته المدينة .. الذي صوّره بكاميرا فيديو "سوني" عادية وليس كاميرا سينما ، وأدرك قبل بدء التصوير أن المشكلة الأساسية في كاميرا الفيديو أنها تجعل (الصورة) سَطح واحد .. ليس هُناك أبعاد وليسَ هُناك عُمق للكادر وهي مُشكلة كبيرة بالنسبة لرؤيته للفيلم ، جَلَس مع سمير بهزان وناهد نصر الله وصلاح مرعي (مدير التصوير ، مُصَمّمة الملابس ، مُهندس الديكور) وقرّرا أن يحاولوا تحقيق عُمق الصورة وأبعادها بـ(الألوان) ، وكان ديكور مَرعي هو أهم عُنصر اعتمد عليه لتنفيذ ذلك. المثال الثاني كان عن مُهندس الديكور العظيم أنسي أبو سيف في فيلم "إبراهيم الأبيض" ، وعن إدراكه منذ قراءته الأولى لسيناريو الفيلم حالة الهَوَس والمُراقبة الدائمة من شخصية "عبد الملك زرزور" لـ"حوريّة" ، فتعمّد أثناء تنفيذ الديكور أن يكون بيت الفتاة مُقابل لبيت العجوز في نقطة مُنخفصة عن تلك التي تم بناء قصره عليها فوق هضبة ، وأن يكون بيت الفتاة بنوافذ زجاجية كثيرة وكُلها يستطيع "زرزور" الإطلاع عليها ، من كادر واحد لديكور كهذا تستطيع إيصال الحالة كاملة ، ومُهندس ديكور "شاطر" يُسَهّل عليك كثيراً ما تريده كمخرج .  بعد ذلك بدأ بسري الجوانب الأساسيّة من مُحاضرته ، وتدور حول كيفية صُنع "الديكوباج" – تقسيم لقطات الفيلم لِصور ولقطات على الورق - ، وكيف أنها الخطوة الأولى الحقيقية في إخراج الفيلم وتشكّله بداخل ذهنه أولاً وذهن العاملين معه ثانياً . وأكّد يسري – للمرة الثالثة على مدار ثلاث محاضرات – على أن الأساس هو أن تعرف أصلاً ماذا تحكي "لازم تعرف انتَ بتحكي إيه بحق وحقيقي" ، عن (الرؤية) التي تُلقي بظلالها على كل كادر تفكّر فيه في فيلمك ، وأوضح ما يقصده بمثالٍ رائع .. وهو المقارنة عن فيلمي "بداية ونهاية" لصلاح أبو سيف(1960) والفيلم المكسيكي الذي يحمل نفس الاسم "Principio y fin" للمخرج أرتورو ريبستين(1993) ، العملين مُقتبسين عن نص أدبي واحد وهو رواية نجيب محفوظ .. والعملين ينتهيان بانتحار البطل ، في فيلم أبو سيف فإن انتحار البطل – عمر الشريف – هو عقاب - ذاتي وإلهي - نظراً على وصوليته واستغلاله لأسرته على مدار الأحداث ، في فيلم أرتورو تخبر الأم البطل في جملةٍ هامة أنه ليس مِلْك نفسه وأنه مِلك لأسرته ويجب عليه أن يرتقي بها من الفقر التي هي فيه .. وتصبح كل محاولات البطل هي تحقيق لمساعي الأسرة .. وحين تأتي لحظة الانتحار في النهاية تُصبح "تحرّراً" من هذا القيد ، "أترون إلى أيّ حد اختلفت رؤية مُخرجين كُبار ؟ ومع ذلك فإن الفيلمين ممتازين ، لأن كل ما في فيلم أبو سيف أو أرتورو يُعبّر عن رؤيته وعن إدراكه لما يحكيه ، فالأصل هو أن تحدّد ماذا تُريد قبل أن تفكّر في الديكوباج ، لأن كل تفصيلة يمكنها أن تعطي حالة مختلفة تماماً" .  بعد ذلك قام بإعادة مُشاهدة وتحليل مشهد الافتتاحية العظيم لفيلم أورسون ويلز "لمسة الشر" والذي عرضه الأسبوع الماضي ، التحليل كان يَهْدُف لوضع "ديكوباج" المشهد ومحاولة فِهم ويلز أثناء تنفيذه : "لماذا أراد تنفيذ الافتتاحية في مشهد واحد ؟ أنتَ ترى قُنبلة وترى صاحبها وهو يظبطها على ثلاث دقائق ثم تنتظر انفجارها في أي لحظة ، اللقطة الواحدة تَجعلك مُتورطاً في الحدث بشكل من المستحيل الوصول إليه في حال قطَّع المشهد بشكل عادي" :يُكْمل يُسري : "السؤال الآخر .. ماذا يُريد من المشهد ؟ ، يُريد منه عرض المكان والتمهيد للشخصيات والأحداث ، هو يضعك في قلب الأحداث مباشرةً حين ترى القنبلة "من زرعها ولماذا" ، ويعرض لك المكان .. الذي هو نقطة حدودية بين أمريكا والمكسيك عن طريق حركة العربة التي تُزرع فيها القنبلة إلى هناك .. وكذلك الشخصيات حيث نرى بطل الفيلم وبطلته ونعرف أن ظابط ونُدرك سريعاً أنه هو شريكنا في رحلة الكشف التي سنخوضها" ، وبعد دراسة "ديكوباج" المشهد في كل تغيّر لزاوية أو حجم لقطة أنهى يُسري حديثه عنه من نقطة ما بدأ "أورسون ويلز كان يعرف ماذا يُريد من لقطته الواحدة ، ورؤيته لكل كادر في الديكوباج أبرزت ذلك ، شاهد تناغم الضوء والظلال .. حركة الناس .. شكل الديكور .. حتى الماعز ، لا يوجد شيء متروك للصدفة" . من تلك النقطة ، تحدّث يسري عن أنه لا يوجد في الإخراج شيء يجب أن يُترك للصدفة : "الأفلام كده ، شغل وتفكير ومشاعر وتواصل وحرق أعصاب عشان في الآخر تقدر توصل ، بتفكّر إزاي تأثر في وجدان الناس بالأدوات السينمائية اللي في إيدك ، النور والألوان والحركة ، إزاي كل ده يعبّر عن اللي انتَ حاسُّه/عايزه ؟!"  وأضاف أن الكثيرين يسألونه أحياناً عن مدى تفاعل المُشاهد العادي جداً مع تفاصيل كهذه ، ولكنه يؤمن بأن ما تُريده سيصل ، ليس بالضرورة أن يفهم المُشاهد تماماً ما يراه ، ولكنه يُعَوّل دائماً على وجدانية الأمر وأنه سيشعر بشيء ما ، وهذا هو الأهم ، ثم ابتسم وهو يُشَبّه "زي الملح في الأكل ، متقدرش تحدّده بالظبط أو تقول إن دي الكميّة المظبوطة ، بس لما بتخلّص الطبخة تقدر تعرف وتقول كويّس ولا ناقص حاجة ، هيّ كده" ! ابدأ من نقطة "ماذا تريد من المشهد" وأسس للديكوباج على هذا الأساس ، ستصل لتحليله وستجد التفاصيل البصريّة التي تَنْدَمِج لتوافق رؤيتك ، وشَرَح : في "احكي يا شهرزاد" هناك مشهد يجلس فيه سعيد الخفيف مع الأخت الصغرى هناء على الكورنيش ، ويبدآن في ملامسات حسيّة متتاليّة ، هو يُريد ذلك وهي أيضاً ، صَوّرت المشهد في لقطة واحدة لمدة دقيقة ، لماذا ؟ أردت أن أعطي شعور "خيط العنكبوت" الذي يَلْتَف حول كل منهم ، هو شعور يعرفه أيّ ممن مرّ بتجربة حسيّة .. تجد نفسك في الأمر دون قدرة على الخروج أو التوقف ، تماماً كـ"خيط عنكبوت" يلتف حول سعيد الخفيف وهناء وهو ما أردت تحقيقه بالكاميرا ، لقطة واحدة .. ألتف حولهم بهدوء .. أقترب لألتقط مشاعرهم وما أشعره أنا نحوهم .. "وفي الآخر طِلع كده" .  هل هذا هو أصح الخيارات ؟ كيف تعرف أصلاً أنك وصلت للخيار الصحيح في تنفيذ المشهد ؟ ، يُجيب يُسري : "مش مهم خالص ، عشان الفن مفيهوش صح وغلط ، الفن مسألة موود ومزاج ، الفن هو أنا حاسس بإيه وعايز أقول إيه" .  وانتهت المُحاضرة بعرضه فيلم "Stranger on A Train" للأسطورة ألفريد هيتشكوك ، طالباً من الجميع أخذ المُلاحظات عليه للنقاش حولها في المرة القادمة ، ومؤكداً أن هيتشكوك هو منجم ذهب حقيقي لأيًّ ممن يُريد أن يتعلّم عن السينما وعن الإيقاع وعن خلق الموود وعن الإثارة وجذب انتباه المُتفرج دائماً إلى ما يراه .  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل