المحتوى الرئيسى

خلا لك الجو فبيضي واصفري‏!‏

04/06 14:20

من الواضح لنا وللعالم كله أن الجماعات الدينية تهييء نفسها لتولي السلطة في مصر‏.‏ لقد وجدت هذه الجماعات نفسها بعد الثورة حرة مطلقة السراح‏,‏ حبلها علي غاربها‏,‏ محصنة‏,‏ بشعاراتها الدينية التي تنال بها عطف المتعاطفين وترهب بها غيرهم‏,‏  ومدرعة بتنظيماتها الحديدية التي تتميز بها كل الأحزاب والجماعات المتطرفة التي تعتمد علي الايمان والتسليم أكثر مما تعتمد علي الحوار والمناقشة, خاصة في المراحل التي تلجأ فيها للنشاط السري, وتصطدم فيها بالسلطة القائمة. وها نحن نري الساحة تكاد تكون خالية إلا من هذه الجماعات التي لم تعد تقف في وجهها قوة أو جماعة أخري أو تمنعها من الشطط. أجهزة الأمن لم تسترد بعد عافيتها. والثورة التي فتحت المجال لطلاب الديمقراطية والدولة المدنية فتحته أيضا لغزاة الصناديق وهادمي الأضرحة, وقتلة السادات والأحزاب السياسية علي مانري. الحزب الوطني الذي كان صنيعة للسلطة المطلقة أو جهازا من أجهزتها سقط بسقوطها, والأحزاب الأخري التي ظلت طوال العقود الماضية محاصرة مقلمة الأظافر لاتستطيع أن تتصل بالجماهير, ولا أن تتقدم خطوة نحو السلطة, ولا أن تصطدم بالنظام القائم ـ هذه الأحزاب لاتزال مقيدة حتي اليوم محدودة النفوذ والتأثير, وهكذا انفردت الجماعات الدينية, بالساحة, أي بجمهور ظل محروما من النشاط السياسي أكثر من نصف قرن, فمن السهل أن تخدعه جماعات منظمة مدربة, كما حدث في غزوة الصناديق التي تحول فيها الاستفتاء الديمقراطي إلي أداة لوأد الديمقراطية في مهدها. فقد أسقطت الثورة دستور الطغاة الساقطين, وفتحت المجال لكتابة دستور جديد يعيد للأمة حقوقها, لكن الأمور سارت علي النحو الذي رسمه الرئيس المخلوع الذي قرر اجراء تعديل جزئي في الدستور المرفوض يمتص غضب المصريين ويمكنه من البقاء في السلطة. غير أن المصريين نجحوا في إسقاطه فسقط دون أن يسقط دستوره المهلهل الذي وجد من يحاول نفخ الروح فيه, بواسطة التعديلات التي تمت بمعرفة الجماعات الدينية وتحمست لها بعض القوي الموالية للحزب الوطني, وأجري عليها الاستفتاء الذي لم يكن فيه المصريون مخيرين بين الحرية والطغيان, وإنما وجدوا أنفسهم مخيرين بين الحلال والحرام, فاختاروا الحلال الذي لم تكن نتيجته إلا الإبقاء علي دستور سييء السمعة أسقطته الثورة وفرضته علينا من جديد فلول الحزب الوطني ومعها هذه الجماعات الدينية التي خلا لها الجو فأصبحت تقود المظاهرات, وتنشيء الأحزاب حزبا وراء حزب, وتقطع الآذان, وتهدم الأضرحة, وتطالب بنظام وهابي يجعل مصر ولاية من ولايات المملكة السعودية, فلا نملك أمام طغيان هذه الجماعات وعربدتها إلا أن نتصبر بقول طرفة بن العبد: خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري وهي لاتكتفي بأن تنقر, وإنما هي تحطم وتدمر! >>> كيف استطاعت هذه الجماعات أن تركب الثورة وتنفرد بالساحة, وتحولها من منبر للحرية إلي مرتع للبلطجة والطغيان؟ تزعم هذه الجماعات انها كانت مضطهدة في ظل النظام الساقط, فمن حقها بعد الثورة أن تتقاضي الثمن وتتولي القيادة. ولاشك في أن النظام السابق ضيق علي الجماعات الدينية كما ضيق علي غيرها, وزاد فأخذ يطارد المنتمين لهذه الجماعات ويعتقل منهم بين الحين والحين, ويحرمهم من النشاط العلني والوجود الشرعي, غير أن هذه هي نصف الحقيقة, ومن واجبنا أن نكشف عن النصف الآخر الذي تتستر عليه هذه الجماعات. نعم, النظام السابق كان يضيق علي هذه الجماعات ويطارد أعضاءها ويتجسس عليهم ويعتقلهم, لكن هذه الجماعات لم تقصر من ناحيتها في تزويد النظام السابق بالأسباب والحجج التي وجد فيها ضالته وبرر بها طغيانه, وعمم هذا الطغيان علي المصريين جميعا, وخيرهم بين الخضوع لإرهاب الدولة والخضوع لارهاب هذه الجماعات والمنظمات التي كفرت المجتمع, وخرجت علي القانون, واغتالت الأدباء والمفكرين, وقتلت السياح الأجانب, فباستطاعتنا أن نقول ان وجود هذه الجماعات كان شرطا لوجود النظام الذي خوفنا بها واتخذها غطاء لجرائمه التي ظل يرتكبها ثلاثين عاما دون رقيب أو حسيب, لأنه اعتبر ما اغتصبه من السلطات, وما نزحه من المال العام إتاوة ندفعها له ثمنا لحمايته لنا من هذه الجماعات وإبقائنا علي قيد الحياة. واذا كان النظام الساقط قد انتفع بوجود هذه الجماعات في تبرير طغيانه, فقد انتفعت به هذه الجماعات كما انتفع بها. لم يكن للنظام الساقط مشروع سياسي يتبناه ويرفع شعاراته كما كان الحال في أيام جمال عبدالناصر الذي لم يكن أقل طغيانا من مبارك, بل كان طغيانه أشد وأقسي, لكنه كان صاحب مشروع, وكان يرفع الشعارات التي التف حولها المصريون وبرروا بها انفراد عبدالناصر بالسلطة واضطهاده لكل من وقف في وجهه, كما فعل مع الاخوان ومع غيرهم من القوي السياسية التي عارضته.لكن مبارك لم يكن له مشروع يبرر طغيانه, ولم يكن يستطيع أيضا أن يحتمل اتهام الجماعات الدينية له بمعاداة الإسلام, ومن هنا كان عليه أن ينوب عن هذه الجماعات في تديين النشاط الوطني كله الاعلام, والتعليم, والثقافة, وحتي الاقتصاد, والطب, والعلم الذي تخصص بعضهم في الكلام عن نظرياته وقوانينه التي جاء ذكرها في القرآن الكريم قبل أن يكتشفها كوبرنيك, ونيوتن, وأينشتاين. وقد امتلأت البلاد في عهد مبارك بالدعاة المحترفين والهواة الذين أصبحوا ينافسون نجوم الفن ولاعبي الكرة في الشهرة وفي الأجور. والدولة في كل قانون تصدره وكل مشروع تفكر فيه تحتاج إلي فتوي, وكما تفعل المؤسسات الحكومية يفعل المواطنون, فهم في الحل والترحال, والبيت والمكتب, والصحة والمرض, والزواج والطلاق يستفتون المفتي, والنتيجة تراجع الثقافة العصرية, والوعي الوطني, والتفكير العقلاني ليحل محل هذا كله فكر الجماعات الدينية وترتفع شعاراتها. لقد اختصرت كل المقاييس واختزلت في مقياس واحد هو الحلال والحرام. لم نعد نري الصواب والخطأ, أو النفع والضرر, أو الجمال والقبح, أو النظام والفوضي, فقد استبدلنا بهذا كله الفتوي الدينية التي أنكرنا بها عقولنا, وعطلنا تفكيرنا واستسلمنا للعدوين المتحالفين: النظام الشمولي, والجماعات الدينية, تنازلنا عن حريتنا للسلطة الغاشمة, وعن عقلنا للشيوخ. والعقل والحرية وجهان لكيان واحد هو الإنسان. والإنسان الذي يتنازل عن حقه في التفكير يتنازل عن حقه في الحرية. هكذا ترون أن الطاغية محتاج لمن يتاجر بالدين, ويخلط الدين بالسياسة. كما أن هذا محتاج للطاغية, ومن هنا انعقد الحلف بين نظام مبارك والجماعات الدينية التي رضيت بأن تلعب دور الفزاعة التي يخوفنا بها النظام ويبرر بها طغيانه واستبداده واحتكاره للسلطة, علي أن يقوم النظام بتديين النشاط الوطني كله, ويرفع شعارات الجماعات الدينية ويروج لها عن طريق مؤسساته التي كان يفتحها بين حين وآخر لهذه الجماعات تعلن فيها عن نفسها, وتمارس نشاطها, وتنشيء دولتها داخل الدولة, كان في استطاعة الاخوان المسلمين طوال العقود الماضية أن يعقدوا اجتماعاتهم, ويقيموا ولائمهم, ويعلنوا آراءهم, ويتحالفوا مع بعض الأحزاب, ويرشحوا أنفسهم في الانتخابات, ويفوزوا أحيانا بعشرات المقاعد كما حدث في الدورة الماضية. ولم يكن هذا كله إلا باتفاق مع النظام. وكان لهم أن ينشئوا المدارس والمستشفيات, والمؤسسات الاقتصادية المختلفة. والحقيقة أن هذه السياسة قديمة, التحالف ولكن دون إعلان, والصدام الذي لايمنع من تبادل المنافع, هذه السياسة لم يبدأها الرئيس المخلوع, وان كان قد توسع فيها, وإنما ورثها عن الرئيس الذي سبقه, كما ورثها الذي سبقه عن الرئيس الأسبق. الرؤساء الثلاثة الذين توالوا علي السلطة بعد انقلاب يوليو2591, كانوا مضطرين للتحالف مع الجماعات الدينية حينا وللتصادم معها حينا آخر, التحالف لأن الرؤساء الثلاثة كانوا في حرب دائمة مع الأحزاب والتيارات المطالبة بالديمقراطية. وقد احتاجوا في هذه الحرب للتحالف مع قوي تشاركهم موقفهم المعادي للديمقراطية, وترفع في الوقت نفسه شعارات تستطيع بها أن تداعب عواطف الجماهير وتنسيها حاجتها للديمقراطية, هكذا تحالف عبدالناصر مع الاخوان ليضرب حزب الوفد وغيره, من الأحزاب التي طالبت ضباط يوليو بالعودة إلي ثكناتهم. ثم ضرب الاخوان ليرفع شعارات الاشتراكية في الستينيات ويتحالف مع الماركسيين. وهكذا فعل السادات الذي تحالف مع الاخوان ليضرب الناصريين والماركسيين. ثم رحل ليواصل مبارك هذه السياسة التي انتهت بسقوط مبارك وانفراد الجماعات الدينية بالساحة وسعيها للاستيلاء علي السلطة, مدعية أنها شاركت في تفجير الثورة, وأنها مستعدة لممارسة نشاطها في ظل الديمقراطية, والدولة المدنية! وقد رأينا أن الجماعات الدينية كانت حليفا مستترا للنظام الساقط, فهل يمكن لهذه الجماعات أن تبدل جلدها, وتتحول بين عشية وضحاها من الدعوة لنظام ديني مستبد إلي النظم الديمقراطية؟ هذا هو السؤال الذي يجب أن نطرحه علي أنفسنا ونفكر فيه بروية ومسئولية, وأن نراجع الماضي, وننظر للمستقبل, قبل أن نقول لا, وقبل أن نقول نعم! المزيد من مقالات احمد عبد المعطي حجازي

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل