المحتوى الرئيسى

النظام المحلي الفلسطيني .. هل من تقاليد انتخابية؟بقلم: عمر سمحة

04/06 22:17

النظام المحلي الفلسطيني – هل من تقاليد انتخابية؟ بقلم: عمر سمحة حيث ان جذور النظام المحلي الفلسطيني تمتد الى النصف الثاني من القرن التاسع عشر عند نشوء الهيئات المحلية، وصدور العديد من القوانين المنظمة للقطاع، فان الحديث حول تاسيس نظام محلي فلسطيني في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية لا يمكن ان يكون مقطوعا عن جذوره، بمعنى ان الخبرة المتراكمة للقطاع لا بد وان تخلق منظومة قيم او تقاليد ما تطبع القطاع، وهي اما ان تكون بحاجة الى تغيير او تكريس وتطوير، وفقا لطبيعة النظام السياسي القائم. وبالنظر الى قانون الهيئات المحلية رقم 1 لسنة 1997، وقانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم 10 لسنة 2005، الصادرين في عهد السلطة الوطنية الفلسطينية، فقد اتفقا في تعريفهما للمجلس على انه يتالف من الرئيس والاعضاء المنتخبين . بمعنى ان امر تشكيل الهيئات المحلية قد تم حسمه في ظل السلطة ليتم بالانتخاب وذلك على المستوى القانوني، وبالاستناد الى طبيعة النظام السياسي المطموح له في فلسطين كما اكدت وثائق ومقررات مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية على ديموقراطيته واتصافه بالنزاهة والشفافية، وتكرار الحرص على توسيع مدى المشاركة الشعبية في صناعة القرار. وعلى قاعدة الوعي بالاعتمادية المتبادلة بين مكونات النظام السياسي، فانه من غير الممكن الحديث حول نظام محلي موغل في المركزية في ظل نظام ديموقراطي وبدون توفر مقومات اخرى غير موجودة في ثقافتنا، الا ان المجال يضيق هنا عن استعراضها. ومن ناحية اخرى فانه لا بد من النظر الى التقاليد الانتخابية المتراكمة عبر سني عمر النظام المحلي الفلسطيني الطويلة، الامر الذي يسهل مهمة الباحث في موضوعة الحكم المحلي للبناء على تلك الخبرة واقتراح التوصيات المناسبة، بالقدر الذي يسهل فيه مهمة السياسي لاعتماد سياسات تبني على ما سبق وترتقي بالقطاع على الاقل في هذه الجزئية، ان كانت هناك تقاليد انتخابية لدى الهيئات المحلية، لما للانتخابات من اهمية باعتبارها احدى اهم صور الديموقراطية التي يعبر الشعب من خلالها عن اختياراته ، كما يؤكد الكثير من علماء السياسة بانه ما من شكل من اشكال المشاركة السياسية في معظم الديموقراطيات اكثر شمولية من التصويت . بمعنى ان الانتخابات – على اهميتها – ليست هي الديموقراطية بقدر ما هي حسم لحالة من الجدل السياسي عبر صندوق الاقتراع. ان الانتخابات في اطار النظام المحلي تؤسس لنوع من الرقابة الشعبية على اداء مجالس الهيئات المحلية، وكلما كانت الرقابة شعبية اكثر منها مركزية كانت الهيئات المحلية اكثر اقترابا من الاستقلالية عبر مسؤوليتها امام ناخبيها وليس امام السلطة المركزية. وحيث ان السلطات التي تعاقبت على فلسطين منذ نشوء الهيئات المحلية الفلسطينية، وحتى عام 1994 هي غير فلسطينية، فان استقلالية الهيئات المحلية لم تكن من اولوياتها، بل ان هدفها الرئيسي تمثل في الحيلولة دون تطور واستقلال هذه الهيئات كمؤسسات منفصلة عن السلطة المركزية، والتعامل معها كذراع لتنفيذ سياساتها في اختراق المجتمع المحلي وخلق الولاء للحكم . بمعنى ان النظرة لهذه الهيئات تلخصت طيلة العهود السابقة ليس باعتبارها ممثلة للمواطنين امام السلطة المركزية، بقدر ما هي ممثلة للسلطة المركزية لفرض سيطرتها على السكان. وقد شرعنت السلطات المتعاقبة هذه النظرة عبر مئات النصوص القانونية التي توالى اصدارها، والتي حدت من القدرة التمثيلية للهيئات المحلية، وحصرت دورها في المجال الخدمي، ولم تهيئ لها فرص القيام بدور تنموي على المستوى المحلي على مختلف الاصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والانسانية ... . العهد العثماني ويعتبر قانون البلدية العثماني لسنة 1877م الاساس التنظيمي لعمل البلديات، حيث كرس فصلين من فصوله وعلى امتداد خمس وثلاثين مادة، لبيان كيفية تشكيل وترتيب المجالس البلدية وكيفية انتخاب اعضائها، وبموجب هذا القانون يتركب المجلس البلدي من ستة الى اثني عشر عضوا حسب تعداد السكان ، ويشترط في العضو ان يكون صاحب ملك في مكان توطنه، ويدفع عليه ويركو نحو ماية غرش في السنة، واتم الثلاثين من عمره، وان يكون من التبعية العثمانية قادرا على التكلم باللغة التركية . اما الناخب فانه يجب ان يكون متوطنا في مكان الانتخاب، ومن التبعية العثمانية وله ملك ويدفع عليه ويركو نحو خمسين غرشا في السنة . ويذكر ان القانون ينص ايضا على ان تقوم الدولة بتعيين من يلزم لرئاسة البلدية، ويتقاضى راتبا من حاصلات البلدية، واما الاعضاء فخدمتهم فخرية . يذكر ان القوانين العثمانية لم تتضمن اليات تشكيل مجالس قروية بالمفهوم المتعارف عليه هذه الايام، ولكن نظام الولايات 1864م ونظام ادارة الولايات 1871م فقد نصا على تشكيل ما يسمى مجلس اختيارية القرية، وكانت هيئات المختارين هي التي يحق لها انتخاب الاعضاء للمجالس البلدية باتفاق الكلمة او باكثرية الاراء . وبذلك يلاحظ ان قانون البلدية العثماني لسنة 1877م قد سجل تقدما على القوانين السابقة من حيث توسيع دائرة الناخبين، وان ظلت ضيقة نظرا لاقتصارها على الملاك من دافعي ضريبة الويركو، الى جانب شرط اخر اضافي فيما يتعلق بالمرشحين وهو ان يكونوا ممن يتحدثون التركية، بمعنى ان الدائرة محصورة فيمن تتلاقى مصالحه مع مصالح الحكم. واذا اضيف الى ذلك ان رئيس البلدية يجري تعيينه مركزيا، فان الحديث عن الانتخابات بهذه الطريقة لا يؤسس لهيئات محلية مستقلة ولا يراكم خبرة انتخابية ذات قيمة. العهد الانتدابي وفي كانون الاول لعام 1917م خضعت البلاد لادارة عسكرية بريطانية عرفت باسم الادارة الجنوبية لبلاد العدو المحتلة، واستمر العمل طيلة فترة الحكم العسكري البريطاني بالقانون العثماني، وفي عام 1921 تم استحداث نظام الهيئات المحلية حيث تمثل كل هيئة مجموعة من القرى والمستعمرات. ولم يتقيد الاحتلال باجراء الانتخابات البلدية او مجالس اختيارية القرى، اضافة الى الغاء العمل بالنظام التركي بشان انتخاب المختارين، واصبح المختار يعين من الادارة العسكرية . وطيلة فترة ادارة المندوب السامي صموئيل التي استمرت حتى عام 1925، ظلت المجالس البلدية تختار بالتعيين بحجة عدم وجود سجلات مناسبة للناخبين، واصدر في العام 1926م مرسوم انتخابات بلدية، كفاتحة لاصدار قانون بلديات انتدابي بدل القانون العثماني . وقد " حدد مرسوم العام 1926 الشروط الانتخابية للانتخاب والترشيح، واعطى حاكم اللواء صلاحية تحديد اعضاء المجالس البلدية، وعين مدة خدمتها بثلاثة اعوام، ابتداء من تاريخ اجراء الانتخابات (المواد 3، 4، 8، 20). ومنح هذا المرسوم المندوب السامي صلاحيات مطلقة، من ضمنها تعيين رئيس المجلس، ونائبه (او نوابه) من بين اعضاء المجلس المنتخبين (المادة 19) ... واعطى المرسوم المندوب السامي صلاحية تغيير او ابطال العديد من الانظمة الحساسة، والمتعلقة بتحديد سجل الناخبين، وطريقة اجراء الانتخابات، وكيفية الادلاء بالاصوات، وتثبيت نتائج الانتخابات" . ووفقا لهذا المرسوم جرت اول انتخابات بلدية في فلسطين خلال فترة الانتداب عام 1927م، ولم تتكرر حتى عام 1934م اي بعد صدور القانون الانتدابي الجديد، حيث اجريت بموجبه الانتخابات لعشرين بلدية . ولم تجر انتخابات اخرى تحت الانتداب الا في عام 1946م . وبالنظر الى قانون البلديات رقم 1 لسنة 1934م يتضح ما للمندوب السامي من صلاحيات مطلقة في مجال احداث او الغاء او تقسيم بلدية، وتحديد تاريخ ومكان الانتخابات والموظفين المشرفين، وتعيين شروط الناخبين والاعضاء وتغييرها، وتحديد عدد اعضاء البلدية وزيادته او تقليصه، وتعيين الرئيس ونائبه ، وباختصار فان صلاحياته مطلقة تجعله قادر على تشكيل البلدية كما يشاء خدمة للسلطة المركزية، وبالتالي افراغ اي حديث حول الانتخاب من اية مضامين تمثيلية. العهد العربي وفي العام 1948 فقد اقيمت اسرائيل على الجزء الاكبر من فلسطين التاريخية، وفيما بعد الحقت الضفة الغربية بالاردن، وخضع قطاع غزة للادارة المصرية. وحيث اخذت الامور منحى اخر في الهيئات المحلية الواقعة في الاراضي الفلسطينية التي اقيمت عليها اسرائيل، ويحتاج التعرض لها الى دراسة مستقلة، فان الحديث سوف يستكمل حول التقاليد الانتخابية في العهد العربي – الضفة الغربية وقطاع غزة. فقد اجريت في الضفة الغربية انتخابات بلدية عام 1951م وفقا للقانون الذي تم استحداثه في نفس العام (قانون البلديات 45 لعام 1951) . وفي عام 1954م تم استحداث "قانون البلديات رقم 17 لسنة 1954م" الذي منح وزير الداخلية صلاحية تاليف هيئة بلدية في اي منطقة سواء اكانت واقعة في منطقة بلدية ام لا، وبناء عليه يعين وقت ومكان اجراء انتخابات تلك الهيئة وانتداب من يشاء للاشراف عليها، واعتبارها دائرة انتخابية او اكثر، وتحديد شروط الترشيح والانتخاب. كما خوله القانون (بموافقة مجلس الوزراء) ان يزيد او ينقص عدد اعضاء اي مجلس خارج دورته. ونص القانون على ان ينتخب الاعضاء من بينهم رئيسا بالاغلبية المطلقة، وفي حالة التساوي او الامتناع عن اجراء الانتخابات يعين وزير الداخلية بموافقة مجلس الوزراء احدهم رئيسا للبلدية، كما يجوز لمجلس الوزراء اقالة الرئيس من الرئاسة اذا راى في ذلك مصلحة للبلدية. وينتخب المجلس نائبا للرئيس من بين الاعضاء، ويجوز لوزير الداخلية اذا راى في ذلك مصلحة للبلدية ان يعين اكثر من عضو كنواب للرئيس وان يقيل اي نائب للرئيس . وفي نفس السياق فقد صدر في العام 1954م قانون ادارة القرى لسنة 1954، وبموجبه يتالف مجلس القرية من مختار او مخاتير القرية الذين يحدد عددهم المتصرف وينتخبون من الذكور القاطنين بالقرية، ولكن المختار يعزل من المتصرف بموافقة وزير الداخلية، ويضاف الى المخاتير عدد من الاشخاص اقلهم ثلاثة واكثرهم اثنا عشر، وينتخب الاعضاء من الاشخاص المقيمين بالقرية حسبما يرى المتصرف الذي ينهي عضويته بشروط معينة. كما يعين المتصرف رئيس المجلس ونائبه من بين الاعضاء. وعندما يرى ان مصلحة القرية تتطلب ذلك فان له ان يعيد تشكيل المجلس من حيث الرئيس ونائبه الامر الذي يجعل قرارهم في قبضة المتصرف، واذا اضيف الى ذلك المخاتير الذين هم بحكم القانون موظفين عموميين ويعتبرون كافراد الشرطة، ولا تعدو مهماتهم مهمات المخبرين . وعلى الرغم من القيود التي فرضها قانون رقم 17 لسنة 1954م، الا ان البعض اعتبره ليبراليا لما تضمنه من بعد تمثيلي للمجالس البلدية، الامر الذي ربما ادى الى صدور قانون البلديات رقم 29 لسنة 1955م، والذي جاء مباشرا في هدفه وهو الحيلولة دون تطور مؤسسات حكم محلي قوية ومنافسة . وقد خول هذا القانون كسابقه وزير الداخلية صلاحية احداث بلدية، اما الغاؤها فيتم بموافقة مجلس الوزراء، على ان يقوم الوزير في حالة احداث بلدية بتعيين رئيس واعضاء المجلس البلدي لمدة لا تزيد عن سنة يجري بعدها انتخاب المجلس وتعيين الرئيس وفقا لاحكام القانون. ويحدد وزير الداخلية عدد اعضاء المجلس على الا يقل عن سبعة ولا يزيد عن اثني عشر، ويقوم بالتنسيب لمجلس الوزراء لحل المجلس قبل انتهاء دورته وتعيين لجنة تقوم بمهامه لمدة لا تزيد عن سنة يتم خلالها انتخاب مجلس جديد، ويكون قرار الحل غير قابل للطعن. واذا فقد المجلس نصابه القانوني فانه يمكن لوزير الداخلية بموافقة مجلس الوزراء اعتباره منحلا، او ملء المحلات الشاغرة او تعيين لجنة تقوم بمهامه للمدة المتبقية، وفي حالة انتهت المدة المتبقية قبل انتخاب مجلس جديد فلمجلس الوزراء بتنسيب من الوزير ان يقرر استمرار هذه اللجنة في ممارسة مهامها او يعين لجنة جديدة للمدة التي يراها مناسبة. ويذكر ان وزير الداخلية هو الذي يعين رئيسا للانتخابات في كل بلدية، ويعتبرها دائرة انتخابية او عدة دوائر، ويعين موعدا للاقتراع. وفي حالة انقضاء مدة الترشيح ولم يتجاوز عدد المرشحين عدد الاعضاء المطلوب، يتم الاعلان عن فوزهم بالتزكية، وسواء بالتزكية او لا يوجه وزير الداخلية للفائزين شهادات بانتخابهم اعضاء في المجلس، وله ان يعين عضوين اضافيين لكل مجلس بلدي، ويكون لهما نفس حقوق المنتخبين. وفي حالة ملء شاغر لاحد الاعضاء فانه يباشر عضويته بعد تلقي رئيس البلدية اشعارا بذلك من وزير الداخلية. وبقرار يصدر عن مجلس الوزراء بناء على تنسيب الوزير يتم تعيين احد الاعضاء رئيسا للمجلس، وله ان يقيله بنفس الطريقة اذا اقتنع ان مصلحة البلدية تقتضي ذلك، ويكون قراره قطعيا . وفي ضوء هذه الصلاحيات الواسعة في مجال الانتخاب فانه يمكن القول ان القانون يقدم كل التسهيلات الممكنة للحكومة المركزية لاستلاب البلديات صفتها التمثيلية، وتمتلك من الادوات والمداخل القانونية ما يكفي لجعلها تعمل لصالح الحكم في اوساط السكان. ويذكر ان هذا القانون هو من اكثر القوانين تاثيرا على بلديات الضفة الغربية نظرا لكونه سجل تراجعا عن عدد من الميزات الواردة في سابقه، ولانه بقي ساريا بقية العهد الاردني، وطيلة عهد الاحتلال مع ادخال تعديلات عليه باوامر عسكرية، وحتى صدور قانوني الهيئات المحلية رقم 1 لسنة 1997 وانتخاب مجالس الهيئات المحلية رقم 5 لسنة 1996، الى جانب صدور مجموعة من الانظمة بموجب هذا القانون ذات التاثير على عمل البلديات . "وقد اجريت اول انتخابات بلدية ضمن احكام قانون البلديات لعام 1955 في ايلول (سبتمبر) من العام عينه، واعقبتها انتخابات ثانية في العام 1959، وبين الانتخابين، وتحديدا من الخامس والعشرين من نيسان (ابريل) 1957 وحتى مطلع كانون الاول (ديسمبر) 1958، وقعت جميع ارجاء المملكة تحت طائل الاحكام العرفية، التي كان من ضمن تعليماتها منح مجلس الوزراء صلاحية حل اي مجلس بلدي وتعيين لجنة بديلة منه، وتغييرها في الوقت الذي يجد ذلك مناسبا" . ومثل هذه الحالة تجعل سيف الحل مسلطا على رقبة اي مجلس بلدي مما يدفعه للتماهي مع السلطة المركزية. وفي الستينات استندت السلطة المركزية الى قوانين وانظمة الخمسينات للتحكم في استمرارية وجود المجالس البلدية المنتخبة وتركيبتها وتوجهاتها السياسية، حيث تم حل بلديات الخليل وطولكرم وبيت لحم في العام 1962، ورام الله عام 1963م، وبيت ساحور عام 1966م، كما استخدمت صلاحياتها في تعيين عضوين اضافيين لتحديد تركيبتها السياسية، الى جانب صلاحيتها في تعيين رئيس المجلس البلدي من الاعضاء سواء منتخبين او معينين وذلك لضمان تمرير سياساتها على المستوى المحلي وولاء البلديات لها، الى جانب اصدار قوانين لتحقيق هذه الغايات مثل تعديل المادة الثامنة من قانون عام 1955 لشرعنة حل المجلس البلدي بقرار غير قابل للطعن، ونظام التشكيلات الادارية لعام 1962م والذي منح المتصرف صلاحيات واسعة على حساب رؤساء البلديات . اما قطاع غزة الذي اعتبر منذ عام 1948م وحتى 1967م منطقة خاضعة لرقابة القوات المصرية في فلسطين، واخضع لحاكمية ادارية عامة، وظل قانون البلديات الانتدابي لسنة 1934م ساري المفعول طيلة فترة الادارة المصرية، ولم يتم اجراء اية انتخابات بلدية على امتداد هذه الفترة، وظل نمط التعيين في البلديات والمجالس القروية سيد الموقف، بل ان النظام الدستوري لقطاع غزة لعام 1962م قد استثنى البلديات والمجالس القروية من التمثيل في المجلس التشريعي بصفتهما الاعتبارية . وفي ظل هذه الظروف فان التغيير كان مركزيا ولخدمة اهداف السلطة المركزية، حيث يسجل في الفترة ما بين 1951 وحتى 1967 اربعة عشر تغييرا في رئاسة بلدية غزة او تبديل هيئاتها الادارية . عهد الاحتلال في الخامس من حزيران عام 1967م احتلت اسرائيل ما تبقى من فلسطين التاريخية (الضفة الغربية وقطاع غزة)، وفي الثاني من آب اصدرت امرا عسكريا يحمل الرقم (80) ويطلق عليه امر بشان اطالة امد خدمة ادارات السلطات المحلية (منطقة الضفة الغربية)، يقضي بتمديد صلاحيات المجالس المحلية ، وبذلك تكون سلطات الاحتلال قد الغت الانتخابات المحلية التي استحقت منذ زمن. وفي مرحلة لاحقة، ومن اجل الظهور امام العالم بمظهر ليبرالي فقد صدر في السادس والعشرين من تشرين الثاني عام 1971م الامر العسكري رقم 454، ويطلق عليه امر بشان اجراء انتخابات للبلديات (الضفة الغربية) (رقم 454) ، واجريت هذه الانتخابات عام 1972م في ظل امتناع منظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف) عن توجيه مناصريها لخوضها، لا سيما وان المنظمة لم تتعافى بعد مما تعرضت له في الاردن فيما يعرف باحداث ايلول، وربما هدفت اسرائيل الى التاسيس لصناعة بديل للمنظمة على المقاس الاسرائيلي. واسفرت الانتخابات عن فوز شخصيات تقليدية وكثيرا ما اعيد انتخاب الهيئات السابقة، علما بان الانتخابات اقتصرت على الضفة ولم تجر في قطاع غزة اية انتخابات طيلة عهد الاحتلال. اما الانتخابات الثانية التي جرت في عهد الاحتلال فقد تمت عام 1976م بناء على الامر العسكري رقم 644 الصادر عام 1975 وكذلك امر رقم 628 ، واسفرت هذه الانتخابات عن فوز القوائم المؤيدة ل م.ت.ف. الامر الذي لم تحتمله ديموقراطية الاحتلال المزعومة، وقد عانت الهيئات المحلية من سلسلة من الاجراءات الاحتلالية ربما بدات عند بعضها باخراجها من العملية الانتخابية مبكرا مثل بلدية دير دبوان ، وتعيين لجان بلدية ، وحل معظم البلديات عام 1981م، حيث كانت سلطات الاحتلال قد قررت قبل ذلك الغاء الانتخابات البلدية، وطرد رؤساء بلديات واعتقال اخرين وابعاد البعض، فيما تعرض ثلاثة رؤساء بلديات للاغتيال على يد منظمة ارهابية صهيونية، وجرى تعيين ضباط اسرائيليين لادارة شؤون البلديات . وينظر البعض ايجابا الى ما تضمنه الامران العسكريان رقم 519 الصادر عن قائد منطقة قطاع غزة في الحادي والعشرين من تشرين الاول عام 1975م، وامر رقم 627 الصادر عن قائد منطقة الضفة الغربية في الثامن والعشرين من كانون الاول من العام نفسه، من الغاء لكلمة ذكور من الشروط الواجب توفرها للاشتراك في الانتخاب والترشيح لعضوية المجالس البلدية، الا ان تنامي دور الهيئات المحلية في مقاومة الاحتلال واجراءات الاحتلال التي لم تحتمل فوز قوائم م.ت.ف. يلقي اضاءة على الهدف الحقيقي للاحتلال من وراء هذا التعديل، وهو من ناحية الظهور بمظهر ليبرالي، ومن ناحية ثانية المراهنة على دور النساء كقطاع محافظ لانجاح بلديات على نسق انتخابات 1972م. ان اجراءات الاحتلال لم تكن خروجا على المالوف ليس فقط بسبب طبيعة الاحتلال الصهيوني، ولكن لانه من غير المنطقي ان يكون الاحتلال ديموقراطيا، ولو كان كذلك لعاد من حيث اتى. وعليه فان الهيئات المحلية التي عانت طيلة العهود السابقة من مشكلة الصلاحيات وحرص السلطة المركزية على تحويلها الى ادوات لاختراق المجتمات المحلية وتمرير سياساتها بدلا من العكس، الا انها انتقلت في ظل الاحتلال الى مستوى جديد من المعاناة بحكم العلاقة العدائية وحدة التناقض بين قوة الاحتلال والشعب المحتل. عهد السلطة الوطنية الفلسطينية نظرا للوضع المشار اليه اعلاه، فانه في الوقت الذي اقيمت فيه السلطة الفلسطينية وبدات تتوالى اجراءات تسلم الصلاحيات، فان من المهمات الاولى التي كان التصدي لها ملحا هي قيادة البلديات التي كان يديرها اما ضباط اسرائيليون او عملاء للاحتلال. وفي هذه الفترة كان هناك نوع من المقبولية وربما الارتياح الشعبي لتحرير هيئاتهم المحلية وتعيين لجان وطنية لتسيير اعمالها لحين الانتخابات، مع الامل الذي تطور فيما بعد الى الالحاح والاتهام بالمماطلة في اجراء انتخابات محلية دون وجود مبررات مقبولة، وقد استنزفت هذه الفترة عشر سنوات من عمر السلطة ساد خلالها منطق التعيين. علما بان قانون انتخاب مجالس الهيئات المحلية كان قد اقر عام 1996م، وبموجبه كانت ادارة الانتخابات المحلية من صلاحيات اللجنة العليا للانتخابات المحلية وهي لجنة مستقلة تشكل بمرسوم رئاسي، واعطيت صلاحية اعلان الانتخابات لوزير الحكم المحلي، على ان تجري الانتخابات دفعة واحدة في كافة الهيئات المحلية. وفي عام 2004م تم صدور القانون المعدل لقانون الانتخابات رقم 5 لسنة 2004، وعلى ضوئه جرت انتخابات المرحلة الاولى في الثالث والعشرين من كانون الاول من العام نفسه، والمرحلة الثانية في الخامس من ايار عام 2005م، وقد تمت هذه الانتخابات في حالة من التخبط بين اعتماد السجل المدني وسجل لجنة الانتخابات، وتم العمل بالكوتا النسائية لاول المرة، وانتخاب الرئيس من بين الفائزين. اما المرحلتين الثالثة والرابعة فقد جرت وفق قانون الانتخابات رقم 10 لعام 2005 الذي تمت المصادقة عليه في الخامس عشر من آب من العام نفسه، وعدل بالقانون الملحق رقم 12 لعام 2005 في التاسع والعشرين من آب لعام 2005، حيث اعتمد نظام القوائم وتوزيع المقاعد وفق طريقة سانت لوجي، وعلى ضوء هذه التعديلات جرت انتخابات المرحلتين الثالثة والرابعة في التاسع والعشرين من ايلول والخامس عشر من كانون الاول من العام نفسه على الترتيب، وبشكل عام فقد اجريت انتخابات في كافة الهيئات المحلية التي يزيد عدد سكانها عن الف نسمة باستثناء اثنتين وستين هيئة محلية. ولم يتم استكمال المرحلة الخامسة نظرا للتطورات السياسية المتمثلة بفوز حماس في انتخابات المجلس التشريعي وتشكيلها حكومة، وفرض حصار دولي على السلطة الفلسطينية وازدياد حدة التوتر الداخلي وصولا الى الانقلاب الحمساوي والاستفراد بقطاع غزة وهدم كافة الجسور التي اوصلتها للحكم. وعلى الرغم من كثرة التعديلات والتي ربما تكمن خلفها اعتبارات سياسية، الا ان القانون ظل محافظا على عدم تمكين السلطة المركزية من التدخل في نتائج الانتخابات، وقد بدا ذلك على ارض الواقع وتسلمت القوى السياسية المعارضة كافة الهيئات التي فازت بها. والملاحظة المهمة في هذا السياق والتي تعتبر مخالفة لنص قانوني هي اجراء الانتخابات على مراحل في حين ينص القانون على اجراؤها دفعة واحدة، وهي مسالة قد تجد تبريرا معقولا نظرا للواقع السياسي الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، كما انها لا تؤثر على نزاهة الانتخابات، اضافة الى انه لا يوجد مسوغ قانوني لاستثناء الهيئات المحلية التي يقل عدد سكانها عن الف نسمة. ورغم اية ملاحظات فان هذه الانتخابات هي الاولى في عهد السلطة الفلسطينية، والاولى بموجب القوانين الفلسطينية، علما بان الانتخابات السابقة في قطاع غزة كانت عام 1934م، وفي الضفة عام 1976م. وفي ضوء انتهاء ولاية مجالس الهيئات المحلية المنتخبة فقد استخدم مجلس الوزراء الصلاحية الممنوحة له بموجب قانون المرسوم رقم 9 لسنة 2008، واصدر قرارا في السادس عشر من شباط عام 2009م بحل جميع مجالس الهيئات المحلية المنتخبة المنتهية ولايتها وتكليف اعضاء المجالس المذكورة بتسيير اعمالها حتى الخامس عشر من كانون الاول من العام نفسه . ويذكر ان قانون المرسوم رقم 9 لسنة 2008 م ينص على انه لدى حل اي مجلس فان الوزير يقوم بتعيين لجنة لادارة المجلس لمدة سنة، ويبدو ان مجلس الوزراء لدى اتخاذ قراره بحل المجالس المنتهية ولايتها لم تسعفه الذاكرة لقول كلمة بشان اللجان المعينة والتي مضى على تعيينها اكثر من سنة دون التمكن من اجراء الانتخابات فيها، فكيف يمكن الابقاء على لجنة معينة اكثر من سنة بينما لا يمكن احتمال وجود لجان منتخبة لحين اجراء الانتخابات؟، وفي ذلك تقاطع مع منطق التعيين الذي ساد في الحقب السابقة لضمان السيطرة على اللجان المعينة وتغييرها بسهولة، فمن يملك قرار التعيين يملك قرار الاقالة. واذا كانت الحكومة الفلسطينية قد استندت الى اساس قانوني في اجراءاتها تلك، فان سلطة الانقلاب الحمساوي في غزة لم تحترم نتائج الانتخابات واقالت بعض الهيئات المنتخبة وعينت لجان بديلة، واحكمت قبضتها على الهيئات المحلية. وفي الثامن من شباط عام 2010 اعلن مجلس الوزراء اعتزامه اجراء الانتخابات في السابع عشر من تموز من العام نفسه، وقد حالت معارضة حماس دون اجراء اي خطوة في قطاع غزة تحضيرا للانتخابات، ورغم انجاز التحضيرات على المستوى اللوجستي في الضفة الغربية، الا ان الحكومة اتخذت قرارها قبيل انتهاء الموعد الرسمي لتقديم القوائم الانتخابية والذي يقضي بالغاء قرار مجلس الوزراء بشان الانتخابات المحلية مبدا وموعدا . وهذا يخالف القانون باعتبار ان التاجيل يتم اذا اقتضته ضرورات فنية وحرصا على سلامة الانتخاب، ولمدة لا تزيد عن اربعة اسابيع وبناء على طلب لجنة الانتخابات المركزية . ويؤخذ على العملية التي لم تتم انها كانت سوف تستثني الهيئات المحلية التي يقل عدد سكانها عن الف نسمة، كما جاء قرار مجلس الوزراء معنونا بتاجيل موعد الانتخابات دون الاشارة الى موعد لاحق او طول فترة التاجيل، رغم انه لا يوجد في القانون ما يسوغ التاجيل لاجل غير محدد. بينما في نصوص مواد القرار تحدث عن الغاء قراره السابق بالانتخابات المحلية والغاء قراره بموعد هذه الانتخابات. ومن ناحية اخرى فان الباحث لم يستطع العثور على ما يدل على ان لجنة الانتخابات المركزية قد طلبت تاجيل الانتخابات وفقا للقانون، ويبدو ان الحكومة ابلغتها بالقرار كغيرها وهي مخالفة قانونية خطيرة، وربما يكون ذلك احد الاعتبارات التي ادت بمحكمة العدل العليا الى اتخاذ قرار بالزام الحكومة باجراء الانتخابات المحلية، ولا يستطيع احد التاكيد فيما اذا كانت الانتخابات المحلية ستتم ام لا، خاصة وان حماس المسيطرة على قطاع غزة قد اعلنت موقفها الرافض لهذه الانتخابات. اخيرا ويبدو في ضوء هذا التاريخ الطويل من التعيين والانتخاب ان الانتخاب لم يكن الثابت في مسيرة الهيئات المحلية الفلسطينية، وقياسا مع تاريخ هذه الهيئات فانه عبارة عن كثير من التعيين وقليل من الانتخاب. وحتى في حالات الانتخاب فان سطوة السلطة المركزية عبر القوانين الناظمة للعملية، وصلاحياتها في اضافة الاعضاء وحل المجالس وتعيين الرؤساء ونوابهم، وحقها في المصادقة على القرارات من عدمها وبالتالي افشال التوجهات التي لا تروق لها، قد منحها فرصة عالية في كل العهود على تمرير سياساتها عبر الهيئات على المستوى المحلي. صحيح ان قانون انتخاب الهيئات المحلية الفلسطيني رقم 10 لسنة 2005 هو قانون عصري ويلبي المعايير الدولية، والعملية الانتخابية التي اجريت عامي 2004 و 2005 هي عملية نزيهة شهد لها المراقبون الدوليون كما القوائم المشاركة، الا ان العلة ليست بالضرورة ان تكون دائما في النصوص، بل ان غياب الانتخابات دون مبرر لسنوات طويلة، وشرعنة حل الهيئات المنتخبة واقالة رؤسائها يعيد الى الذهن ما كان عليه الحال في الحقب السابقة. كما انه لم يسبق ان جرت الانتخابات في اي عهد من العهود لكافة الهيئات المحلية، او دفعة واحدة. كما ان اي انتخابات جرت لم تخل من اشكالات في السجل الانتخابي. وكأن هذه الاجراءات بدل ان تكون الاستثناء اصبحت هي القاعدة التي تشكل منظومة التقاليد الانتخابية على مستوى الهيئات المحلية. ان مثل هذه العيوب تؤثر سلبا على النظام المحلي، الامر الذي ينعكس على طبيعة النظام السياسي، واذا اريد للنظام السياسي الفلسطيني قيد التاسيس ان يكون ديموقراطيا فانه لا بد وان تكون كيفية انشاء الهيئات المحلية، واليات انتخابها واختصاصاتها، وشكل العلاقة مع السلطة المركزية وبالتالي مستوى الرقابة، كل ذلك لا بد وان يتخلله حضور للاسلوب الديموقراطي في ادارة الشان العام يتغلغل في اعماق مؤسسات الحكم المحلي، ويؤثر في كافة الشؤون المتعلقة بعملها، هذا الاسلوب الذي غاب عن وزارة الحكم المحلي، بل ان الامور تتطور بالاتجاه المعاكس تماما، الامر الذي يجعل من غياب التقاليد الانتخابية عن هذا القطاع الهام والحيوي احدى سماته الملاصقة له في كافة العهود، واذا كانت السلطة الوطنية لم تستطع حتى اليوم من الارتقاء بهذا القطاع لبناء وترسيخ منظومة التقاليد الانتخابية والديموقراطية، فان هذا ناقوس خطر يلقي بظلاله على النظام السياسي الفلسطيني برمته في الوقت الذي تشهد المنطقة تغيرا دراماتيكية على هذا الصعيد.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل