المحتوى الرئيسى

الدور الغائب للأمن العام

04/06 08:16

قبل أيام قليلة عاد قطاع الأمن العام بوزارة الداخلية لممارسة أحد أدواره الأكثر أهمية، والإعلان عنه فى الصحف، بعد حوالى 13 عاماً من ممارسة هذا الدور بشكل سرى وحجب جهوده ومعلوماته - بالمخالفة للقانون - عن كل الجهات بما فيها مجلس الشعب والمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية وأساتذة علم الاجتماع الجنائى بالجامعات. ولعل كثيرين من الصحفيين والباحثين والبرلمانيين مازالوا يذكرون الأهمية البالغة لتقرير الأمن العام الذى ظلت وزارة الداخلية تصدره سنوياً منذ ثلاثينيات القرن الماضى وحتى عام 1997، وظل يمثل لكل المعنيين بأمن المجتمع وأمان المواطنين وثيقة إحصائية كاشفة لكل أمراض المجتمع، ومع مجىء اللواء حبيب العادلى، وزيراً للداخلية، صدرت أوامر صارمة بإخفاء تقرير الأمن العام عن الصحف أولاً، وعندما تمكن بعض الصحفيين من استعارة نسخ من أعضاء مجلسى الشعب والشورى، حجب العادلى التقرير أيضاً عن المجلسين، وفى العام التالى اتسع الحجب ليشمل كل الباحثين فى الجامعات ومراكز البحوث، واتبعت وزارة الداخلية أسلوباً ملتوياً مع كل من تسول له نفسه الاقتراب من هذا المنجم الإحصائى، بأن اشترطت على الباحث أو الصحفى الذى يريد أن يعرف شيئاً عن «التقرير» أن يتقدم بطلب رسمى إلى العلاقات العامة والإعلام بوزارة الداخلية يحدد فيه المعلومات التى يريد أن يطلع عليها، على أن تتعلق بجانب محدد دون غيره، وبعد 15 يوماً من الانتظار كان يتم رفض الطلب غالباً، أو تتم الموافقة إذا كان المطلوب مثلاً الاطلاع على بيانات جرائم الثأر فى الصعيد. وحتى فى هذه الحالات كان على صاحب الطلب أن يذهب إلى مقر إدارة الأمن العام، وينتظر لساعات طويلة قبل أن يسمح له ضابط العلاقات العامة بقراءة ورقة أو ورقتين من التقرير. وذات مرة سألت أستاذاً كبيراً فى علم الاجتماع الجنائى: كيف تمارسون عملكم فى ظل هذا الحجب المتعمد للإحصاءات؟،  فأجاب: وهل تتصور أن هناك من يريد لنا أن نعمل؟ إن هذا التقرير رغم كل ما فيه من زيف ومن تلفيق كان يمثل الحد الأدنى الضرورى من المعلومات التى تتيح للباحثين والكتاب معرفة أين يكمن الخلل الاجتماعى والاقتصادى، وتكشف لأصحاب القرار المنابع الأساسية للجرائم، وتضىء لهم طريق التصدى لها بعلاجها من المنبع.. وهذا تحديداً هو السبب الذى دفع وزارة الداخلية إلى إخفاء تقرير الأمن العام، لأنه فى النهاية وثيقة فاضحة لكل أكاذيب التنمية، وكل ادعاءات السهر على أمن المجتمع، والأهم من ذلك أنه يفضح استنفاد كل طاقة وزارة الداخلية فى السهر على أمن النظام وتأمين مواكب التشريفات الرسمية، وحراسة بيوت المسؤولين! أما أخطر ما قاله أستاذ علم الاجتماع الجنائى فهو أن معظم الباحثين الجدد المتخصصين فى هذا الفرع الحيوى من الدراسات الإنسانية والمجتمعية أراحوا أنفسهم منذ سنوات من هذا الإذلال، واكتفوا بتلفيق الإحصاءات عن الجرائم أو نقلها من مصادر تفتقر إلى الدقة، أو الاعتماد على المعلومات المبتسرة والشحيحة التى حصلوا عليها بشق الأنفس من إدارة الأمن العام، وانتهاك الحريات الشخصية للناشطين سياسياً والمعارضين لمشروع التوريث. وفى ظل هذا المناخ الإجرامى ضاع الأمن المجتمعى وتفشت كل أنواع الجرائم فى مصر، وأصبح «البانجو» هو السلعة الوحيدة التى أتاحها نظام مبارك والعادلى لكل المواطنين دون تفرقة طبقية أو فئوية.. وعندما اقتحم المتظاهرون أقسام الشرطة عثروا على كراتين «بانجو» كان ضباط المباحث يستخدمونها فى تلفيق التهم للشرفاء! لهذا كله ينبغى أن نفرح بعودة الدور الإحصائى الغائب لقطاع الأمن العام.. وأن نتمنى عودة التقرير كاملاً فى موعده دون تلفيق أو تزييف حتى نعرف بدقة أين يكمن الخلل، ونسرع إلى تداركه. وأقاموا على هذا الأساس المغلوط صروحاً من الاستنتاجات والتوصيات المتهافتة والخاطئة علمياً ومنهجياً. ومؤخراً صرح مساعد أول وزير الداخلية للأمن العام بأن مصر تشهد كل يوم أكثر من 40 جريمة قتل وسرقة بالإكراه، وهو تصريح يعود بوزارة الداخلية إلى دورها الإحصائى المهم الذى كانت تقوم به قبل مرحلة حبيب العادلى التى تم فيها التستر على الحالة الأمنية والجنائية للمجتمع كله، لإخفاء حقيقة الدور الذى تخصصت فيه معظم أجهزة الوزارة، واكتفت خلاله بترويع الآمنين واختطاف وتعذيب وقتل المواطنين وتدريب البلطجية والأفاكين على تزوير الانتخابات. elbrghoty@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل