المحتوى الرئيسى

السد الإثيوبي.. الاختبار الأول لخارجية الثورة

04/05 21:55

- البحيري: إقامة مشروعات مشتركة تكفي لضبط الأمور - العيسوي: الصهاينة والأمريكان وراء بناء سد "ألفيا" - قدري سعيد: الخيار العسكري مستبعد لإنهاء المشكلة - عبد الوهاب: توسيع قاعدة التعاون السياسي والاقتصادي والتعليمي   تحقيق: أحمد هزاع "من يمس مياه النيل فإنه يعلن الحرب على مصر، وسوف نكون في حالة الدفاع عن أمن وسلامة مصر، إنها مسألة حياة أو موت".. هكذا قال الرئيس الراحل محمد أنور السادات عندما هدَّدت إثيوبيا بإقامة سدٍّ على أراضيها يقوم بتخزين مياه النيل، وحرمان مصر من حقِّها التاريخي من نهر النيل.   وبعد توقيع اتفاقية "عنتيبي" أو ما يُعرف بالاتفاقية الإطارية لحوض النيل، والتي وقَّعَت عليها 5 دول، هم: أوغندا، وكينيا، وتنزانيا، وإثيوبيا، وأخيرًا رواندا، كانت الخطوة الأولى لدعم حقِّ دول منابع النيل، وسلب حق الفيتو من مصر الذي يتيح لها حق الاعتراض على إقامة أي دولة لمشرعات على نهر النيل أو الاستخدام المطلق لمياه النيل دون الرجوع إلى مصر والسودان.   الآن وبعد تهميش الدور المصري على مدار 30 عامًا شرعت إثيوبيا في بناء سد "الألفيا" على النيل الأزرق، والسد الجديد المزمع إقامته في إثيوبيا سيقوم بتخزين 62 مليار متر مكعب من إجمالي 71 مليار متر مكعب من المياه الواردة إلى مصر من أنهار النيل الأزرق وعطبرة والسوباط، وعند اكتمال إنشاء السد ستصبح إثيوبيا قادرةً على التحكم الإستراتيجي في وصول مياه الفيضان إلى مصر.   والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي يجب على مصر أن تفعله؟ وما حجم التأثير السلبي عليها؟ وهل سيكون الخيار العسكري مطروحًا أم لا؟   في البداية يقول الدكتور زكي البحيري الخبير في الشئون الإفريقية: إن السياسة المائية في الحكومة السابقة كانت تتمثل في التعالي على الدول الإفريقية، خاصةً دول حوض النيل، ومعاملتهم كالعبيد السود الذين لا يفقهون شيئًا ولا يستطيعون أن يستغلوا مياه النيل، ولا يقومون بأي محاولات لبناء سدود؛ بسبب الفقر المدقع والمجاعات التي تتزايد يومًا تلو الآخر، وهذا العمل غير دبلوماسي؛ ما أضرَّ بالمصالح المصرية فكان الفشل الذريع.   ويضيف إن دول حوض النيل الموقعة على الاتفاقية الإطارية لحوض النيل تُعتبر من أكثر 10 دول فقرًا في العالم، لذلك كان لها حقُّ التفكير وبجدية تامة في أن تتصرف في المياه في الزراعة ومحاربة المجاعات، واستخدامها أيضًا في المشاريع التنموية الأخرى.   ويؤكد زكي أنه كان يجب على مصر منذ عقود طويلة أن تقيم مشاريع مشتركة مع إثيوبيا وتزيد التعاون الفعلي بينهما، ولا تقتصر على تبادل السفارات دون عمل على أرض الواقع، وتقريب وجهات النظر بينهما على المستويين الرسمي والشعبي، مضيفًا أنه كانت مصر الأولى بتقديم يد العون إلى إثيوبيا؛ لأننا نحتاج إليها أكثر من احتياجهم إلينا.   ويشير إلى أننا تركنا الأبواب مفتوحةً على مصراعيها لدول ليس لها علاقة من قريب أو بعيد بالنيل مثل الصهاينة، والصين، وقطر، والسعودية، والهند، وإيران؛ لاستغلال فقر إثيوبيا، والاستفادة من خيرها وفي مقدمتها المياه.   ويشير البحيري إلى أن الخارجية المصرية علها عبء كبير بعد أن ترك النظام السابق مصر في دوامة في الداخل والخارج، خاصة علاقتها بالدول الإفريقية ودول منابع النيل.   ويستطرد يجب على الخارجية ألا تذهب إلى السودان وتفوضها في ملف النيل وتتركها وحيدة في الميدان؛ حتى لا تقوم بنفس الجرائم التي ارتكبتها من قبل، كما ينبغي على وزير الخارجية أن يذهب إلى إثيوبيا؛ ليوقع اتفاقًا مباشرًا بينهما، والتفاوض الكامل، وإقامة مشروعات مشتركة هناك، وإرسال البعثات العلمية والدينية والوفود الدبلوماسية.   الصهاينة والأمريكان ويضيف الكاتب الصحفي عطية العيسوي الخبير في الشئون الإفريقية أن أي سدٍّ يقام على النيل الأزرق يضر بمصلحة مصر، ويقطع جزءًا كبيرًا من المياه عنها، وبالتالي على الزراعة في وادي النيل، قائلاً: إذا استخدمت إثيوبيا السد في الزراعة، فإن مصر ستفقد 15 مليار متر مكعب سنويًّا من إجمالي 84 مليار متر مكعب هي حصة مصر السنوية من مياه النيل، وهذا جزء كبير يجب ألا يمر مرور الكرام.   ويؤكد أن السدَّ الإثيوبي سيقوم بتخزين 62 مليار متر مكعب من المياه على مدار 4 سنوات إذا قامت إثيوبيا باستخدام السد في توليد الكهرباء فقط، وهذا لن يحدث ضررًا بالغًا على حصة مصر، موضحًا أنه بمجرد امتلاء البحيرة أمام السد، والتي ستبلغ 745 كيلو متر مربع ستعود الأمور إلى طبيعتها قبل بناء السد.   ويضيف العيسوي أن هناك أربع أسباب جعلت إثيوبيا تقوم بهذا السد رغم الاعتراض المصري القديم والدائم للإضرار بمصالح مصر المائية، وهي أن هناك حالةً داخليةً تنمويةً يقابلها إهمال مصري من خلال توسيع نطاق التيار الكهربي، وزيادة مساحة الأراضي المزروعة، والقضاء على المجاعة، خاصةً بعدما عرض مستثمرون أجانب عليها الحصول على القمح والمحاصيل الزيتية، خاصةً أن إثيوبيا تعاني منذ سنوات من المجاعات والفقر المدقع، ونزح ما لا يقل عن 1/2 مليون من سكانها إلى السودان هربًا من المجاعة، وهذا لن يأتي سوى بالمياه.   ويستطرد أن السبب الرابع والمثير للانتباه هو أن الصهاينة والأمريكان يقومان بتحريض إثيوبيا على مضايقة مصر لابتعادها عما يحدث في فلسطين وبخاصة حصار غزة، موضحًا أن الصراع على مياه النيل بدأ منذ سنوات بالدعم الصهيوني للانفصاليين في جنوب السودان بزعامة "جون قرنق"، والذي ترافق مع طلب الصهاينة من مصر بأن تحصل على حصة من مياه النيل وردت مصر بأن مياهها ليست للبيع.   ويناشد العيسوي قيادات الخارجية بالتعاون مع خبراء الري للتفاوض الفوري مع الجانب الإثيوبي، وتحديد حصة للمياه التي يتم تخزينها لملء البحيرة بـ5 مليارات متر مكعب سنويًّا، مؤكدًا أن هذه النسبة لا تضر إطلاقًا بحصة مصر، مضيفًا أن الخارجية المصرية يجب أن تطالب إثيوبيا ودول المنبع بتنفيذ الاتفاقيات المبرمة عامي 1929م و1959م والتي تنص على عدم قيام أي دولة بمشرعات تضر بمصالح مصر والسودان.   الوضع حساس    د. قدري سعيديؤكد الدكتور قدري سعيد الخبير بمركز (الأهرام) للدراسات السياسية والإستراتيجية والمتخصص في الشئون الإفريقية، أن الخيار العسكري لحلِّ مشكلة المياه لن يكون الأفضل، ولن تقدم عليه مصر مطلقًا لأننا بذلك سنشعل المنطقة كلها، مضيفًا أن مصر تعمل تحت مظلة اتحادات إفريقية وإقليمية ودولية لا تتيح الحق لمصر التدخل العسكري، كما أن مصر لا تفكر في حلِّ مشاكلها بالقوة لحساسية الموقف الحالي على الصعيد الداخلي ومن خلال الوضع الدولي المتأزم.   ويضيف أن الحلَّ يأتي من خلال الدبلوماسية، ودعم الاقتصاد الإثيوبي بمختلف المشروعات التنموية، وإعطاءها المعونات المالية، وإبرام الاتفاقيات التجارية بينهما، موضحًا أن الأنباء الواردة من إثيوبيا غير دقيقة، وأن المعلومات عبارة عن تهييج للرأي العام المصري، واستفزاز الخارجية المصرية، وابتعاد لمصر عن المجريات الدولية، خاصةً العربية وفي مقدمتها فلسطين.   ويقول سعيد: إن الكرة الآن في ملعب وزارة الموارد المائية والري، بالإضافة إلى الخارجية، وعليهما أن يبعثا بلجنة تقصي الحقائق لإثيوبيا؛ للوقوف على مدى حقيقة ما قامت به بشأن السد، والدخول في مباحثات جادة وفعالة مع الجانب الإثيوبي، وإنهاء الفجوة بيننا، وتنفيذ كل متطلبات الجانب الإثيوبي حتى لا يتم الإضرار بمصالح مصر المائية في نهر النيل، الذي يُعتبر شريان الحياة للمصريين، ولا يوجد "طناش" لهذا الموضوع الحساس خصوصًا أن إثيوبيا عاجزة بإمكانياتها القيام بهذا السد، ومن الواضح أن تمويل السد جاء بمساعدة يد خفية تريد النيل من مصر.   لا داعي للقلق    د. أيمن عبد الوهابوينتقد الدكتور أيمن عبد الوهاب الخبير في ملف حوض النيل السياسة المصرية على مدى أكثر من 5 عقود متتالية تجاه دول حوض النيل وفي المقدمة دول المنبع، مضيفًا أن الدول الإفريقية رغم الإهمال المصاحب بالتعالي من قِبَل الجانب المصري إلا أنهم في حالة منحهم مزيدًا من الاهتمام، وحسن المعاملة، وتقديم المساعدات ستعود العلاقات معهم بشكلٍ أفضل كثيرًا.   وتابع أن بناء السدِّ الإثيوبي لن يؤثر على حصة مصر من المياه بدرجة كبيرة؛ لأن بحيرة ناصر بها مخزون يزيد على 150 مليار متر مكعب من المياه، بالإضافة إلى الإيراد السنوي من مياه نهر النيل، مشيرًا إلى أن مصر تفقد سنويًّا نتيجة للتبخُّر من بحيرة ناصر حوالي 20% من إجمالي الواردات إلى مصر.   ويضيف أن السدَّ الذي سيقام على الحدود مع السودان لن يُستخدم سوى في إنتاج التيار الكهربائي؛ لأن المنطقة التي ستُقام عليها ذات طبيعة صخرية، وهذا يقطع الطريق تمامًا للزراعة، ومن ثم عدم تقليل حصة مصر السنوية من مياه النيل.   ويناشد المسئولين في الخارجية المصرية والموارد المائية ومجلس الوزراء والأزهر والكنيسة أن يتم الاهتمام بشتى المجالات الممكنة للتعاون الدبلوماسي والاقتصادي والديني، وتقديم المنح الدراسية للطلبة الأفارقة، خاصةً أبناء النيل الواحد، ولا نكتفي بدعوتهم للمجيء إلى مصر دون الذهاب إليهم، موضحًا أنه علينا ألا نقوم بردِّ الفعل كما كانت تفعل الحكومات المصرية خاصةً النظام السابق، الذي كان يتحرك بعد وقوع المصائب، بل ينبغي علينا أن نقي أنفسنا من الكوارث قبل أن تقع ولا ننتظر وقوعها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل