المحتوى الرئيسى

> ضحايا وخطايا معركة دستور 1923 ومفرمة دستور 1930

04/05 21:25

ليس سرًا ولم يكن خافيا علي أحد أن دستور سنة 1923 - الذي يكثر الحديث عنه الآن بل الحنين إليه - قد صدر رغم أنف «الملك فؤاد»! وربما كان «الملك فؤاد» نفسه هو أسعد الناس عندما وصلته الأخبار بأن «سعد زغلول» زعيم ثورة 19 قد وصف اللجنة المنوط بها إعداد الدستور بأنها «لجنة الأشقياء»! بل قاطع «الوفد» الاشتراك في هذه اللجنة! لم يفهم «الملك فؤاد» وقتها أن اعتراض سعد زغلول ومقاطعته لأنه كان يري وجوب صياغة الدستور بواسطة جمعية تأسيسية منتخبة وليس بواسطة لجنة حكومية حتي لا يكون الدستور منحة يسهل التلاعب بها!! ولم يكن «سعد زغلول» في تلك الأيام يعرف الرأي الحقيقي للملك فؤاد عن مصر والمصريين، فقد سبق للملك فؤاد في مقابلاته مع «دافيد كيللي» المستشار بمقر المندوب السامي البريطاني أن قال له: «إن المصريين لا يناسبهم الحكم البرلماني.. ومصالح الإنجليز في مصر استراتيجية فحسب فلم لا تتركوني أحكم مصر كما أريد لأنني أعرف وأتقن هذه المهمة ولا تتدخلوا في شئون مصر الداخلية وأنا مستعد أن أترك لكم جميع المصالح الاستراتيجية والمواصلات الامبراطورية». بل الأكثر من هذا غرابة أن الملك فؤاد أعرب للورد اللنبي المندوب السامي عن عدائه الحاد والشديد لأي دستور سواء أكان حسنًا أم سيئًا تتم صياغته تحت سلطة الوزارة الحاضرة!!. كان قصد الملك هو «عبدالخالق ثروت باشا» رئيس الوزراء نفسه والذي حلمه أن تقوم اللجنة بوضع دستور يليق ببلاد تطمع في الرقي. كانت اللجنة التي شكلها «ثروت باشا» تتكون من ثلاثين عضوًا يمثلون طوائف الأمة المختلفة ورأسها «حسين رشدي باشا»، واللافت للنظر أنها ضمت أيضا الشيخ «محمد بخيت» شيخ الجامع الأزهر، و«الأنبا يؤانس» بابا الأقباط. لكن الملاحظة المهمة ذات الدلالة البالغة هي أن اللجنة ضمت في عضويتها «يوسف أصلان قطاوي باشا» الذي كان من أهم الشخصيات اليهودية في مصر وقتها ومن كبار رجال الرأسمالية أيضا. وطوال ستة أشهر ونصف الشهر تقريبا من 11 أبريل إلي 26 أكتوبر سنة 1922 انهمكت لجنة إعداد الدستور في عملها واستغرقت نحو خمسة وخمسين جلسة من المناقشات الفقهية والقانونية والوطنية. وحسب ما يقول «حسن يوسف باشا» رئيس الديوان الملكي في زمن «الملك فاروق»: «كان بعض اللجنة يري تطبيق المبدأ الأساسي الذي يقوم عليه الدستور وهو أن الأمة مصدر السلطات، بينما يري البعض الآخر أن «مصر» لم تبلغ بعد مراحل التعليم العام والثقافة البرلمانية مبلغ الدول الغربية، وجدير بأن يكون للملك من الحقوق ما يكبح جماح الأهواء الحزبية، وكان «ثروت» باشا يعضد الرأي الأول، بينما عمل الملك «فؤاد» علي إرجاء موافقته علي كثير من المواد التي اقترحتها اللجنة، فنشأ خلاف بينه وبين الوزارة، أشارت إليه صحيفة الأهرام فيما نشرته بتاريخ 8 أغسطس سنة 1922 ضمن مقالها الافتتاحي بعنوان «اوصلونا إلي الدستور لنرتاح»! جاء في المقال: إن الإبطاء في إصدار الدستور يسيء إلي الجميع دون استثناء أحد، كبيرًا كان أم صغيرًا، حاكمًا أم محكومًا». وقد أمر الملك بتعطيل «الأهرام» ولكن ثروت باشا رفض الاستجابة لهذا الأمر، وسانده المندوب السامي «اللورد اللنبي» إذ اقترح حلا وسطًا بوقف الجريدة ثلاثة أيام فقط». وحسب شهادة المؤرخ «عبدالرحمن الرافعي» قوله: كان ثروت باشا جادًا في وضع الدستور واستصدار المرسوم الملكي به، وكان يستحث لجنة الدستور علي انجازه حتي يصدر وهو لا يزال في الوزارة، وقد أتمت اللجنة وضعه وقدمه ثروت فعلا إلي السراي كما وضعته اللجنة ولكن الملك فؤاد لم يكن يميل إلي إصداره، لأنه رآه كما يقول يغل سلطته ويجعل الحكم مرجعه إلي الشعب وهذا ما لا يبغيه الملك. وكان أثناء انعقاد لجنة وضع الدستور متتبعًا أعمالها ومداولاتها ناقما علي ما أسماه انتقاص سلطة الملك، مع أنه قبل إعلان الاستقلال لم يكن يملك سلطة ما، بل كان سلطانًا تحت الحماية، لا يصدر عنه إلا ما يأمره به عمال الحماية، ولكن هكذا شأن الملوك الحاكمين بأمرهم يتناسون الحقائق إذا كان في ذكرها ما يتعارض مع أهوائهم، ولا يفكرون إلا في الاستزادة من سلطتهم علي حساب سلطة الشعب. كان الملك فؤاد إذن غير راض عن الدستور وقد أفضي إلي «عدلي باشا - يكن - باستنكاره للنصوص التي أسماها انتقاصًا لسلطته وطلب إليه التدخل لتعديلها، ولكن «عدلي باشا» لم يتدخل ولم يجد سندًا ولا مسوغًا لملاحظات الملك وترك الأمور تجري في مجراها الطبيعي». وأكمل ملامح الصورة بالعودة إلي مذكرات حسن يوسف باشا عن «القصر ودوره في السياسة المصرية 1922 - 1952 - حيث يقول: «أتمت اللجنة عملها في 15 أكتوبر 1922 واقترحت في المادة 29 من مشروع الدستور أن الملك «يلقب بملك مصر والسودان» وكذلك جاء في المادة 145 من المشروع «تجري أحكام هذا الدستور علي المملكة المصرية جميعها عدا السودان فمع أنه جزء منها، يقرر نظام الحكم فيه بقانون خاص». وقد احتجت الحكومة البريطانية علي هذه النصوص، واضطرت وزارة «ثروت» باشا إزاء هذا الاحتجاج، وإزاء العراقيل التي كان الملك يقيمها في طريق الوزارة إلي تقديم استقالتها في 30 نوفمبر 1922 وعهد الملك إلي «محمد توفيق نسيم باشا» بتأليف الوزارة، وهو بدوره لم يستطع التوصل إلي التفاهم مع المندوب السامي حول هاتين النقطتين فقدم استقالته وخلفه «يحيي باشا إبراهيم» في رياسة الوزارة يوم 15 مارس سنة 1923». << لكن أخطر ما يكشف عنه «حسن يوسف باشا» هو ذلك الإنذار الشديد اللهجة الذي وجهته إنجلترا إلي الملك «فؤاد» حيث يقول: قدم المندوب السامي عدة مقترحات بديلة غير أن الملك تشبث بموقفه فقدمت له الحكومة البريطانية في 2 فبراير 1923 إنذارًا عنيفًا مستندا إلي عرض قوات عسكرية برية وبحرية - بأنها لن تعترف بلقب ملك مصر والسودان وأنها تعتبر هذا العمل من جانب الملك عملاً عدائيا يتعارض مع اتفاقية سنة 1899 ويتنكر لتصريح 28 فبراير 1922 وجاوز الإنذار مشكلة النصوص الخاصة بالسودان إلي ما عداها من التصرفات المنسوبة للملك فؤاد والتي طالما رددها المندوب السامي في تقاريره إلي حكومته إذ قال: «إنني مفوض من حكومة حضرة صاحب الجلالة البريطانية أن أعرب بصفة خاصة عن مقدار القلق الذي سببه لهم رغبة جلالتكم في انتحال سلطات استبدادية في مصر». لقد كانت المساوئ الناجمة عن الأوتوقراطية المطلقة من أسباب تدخل الدول الأوروبية في شئون مصر الداخلية، وأدت في النهاية إلي الاحتلال البريطاني لمصر. وإذا كانت حكومة حضرة صاحب الجلالة البريطانية قد ارتأت بعد سنوات عديدة ما يبرر منح مصر الاستقلال، بعد أن أعطت عرشها لجلالتكم، فإنها لم تفعل ذلك لكي تهيئ لكم الفرصة لمحاولة اكتساب امتيازات تتعارض مع النظم الملكية الدستورية، بل لإقامة نظام دستوري وطيد وأن يتم ذلك في حدود أقل تأخير ممكن. «ربما لم تكونوا جلالتكم مقدرين مدي التنازلات الشخصية، أو حتي انكار الذات التي تطلب من ملك دستوري عند ممارسة الأعمال السياسية، ولو إنني أذكر تأكيدكم لي في مناسبات عديدة إنكم تريدون أن تقوموا بهذا الدور بإخلاص. وقد راقبت الحكومة البريطانية باهتمام بالغ عدة تصرفات صادرة عن جلالتكم ولعلي أذكر من بينها، تعويق الأعمال الإدارية برفضكم عقد مجلس الوزراء عدة أسابيع خلال الصيف الماضي، والعزوف بنفسك جهارًا عن حزب سياسي معين «الأحرار الدستوريين» والتقرب إلي حزب آخر «الوفد» ومراجعتك لتشريعات القوانين المصرية «يقصد مشروع لجنة الدستور» لكي تحفظ السلطة في يدك ما استطعت كأنها منحة شخصية، وتدخلك في أعمال الدولة الإدارية واهتمامك الشخصي بالمظاهر السياسية في ميدان الصحافة. وإذ أتقدم إلي جلالتكم بهذا التحذير، أنبه مخلصًا إلي المخاطر الجسيمة التي تنطوي علي موقفكم هذا كما أؤكد لك ما تشعر به حكومتي - التي طالما عاونتكم بإخلاص في الأوقات العصيبة - من الأسي والأسف، إذا ما اضطرت إلي التخلي عن تلك المعاونة». ويختتم «حسن يوسف» شهادته قائلا: إزاء هذا العنف والتهديد باستعمال القوة عدل الملك عن موقفه وصدر الدستور في 19 أبريل سنة 1923 . << وتؤكد الدكتورة «عفاف لطفي السيد» في كتابها القيم والخطير «تجربة مصر الليبرالية 1922 - 1936» علي بعض النقاط اللافتة للانتباه فتقول: «كان الدستور الذي صدر مختلفًا اختلافًا شاسعًا عن الدستور الأول الذي وضعت اللجنة مسودته وكان في الواقع «وفاقًا» قبلته اللجنة فقط اعتقادًا منها أن دستورًا معيبًا خير من لا دستور، ولعلمها بأن «فؤاد» من المحتمل أن تسانده الحكومة البريطانية كان علي استعداد لأن يكافح بالباع والذراع للحفاظ علي امتيازاته، كان الدستور الجديد أكثر تسلطًا.. وكانت كل مادة يستخدمها الملك فيما بعد لتقويض الوزارة والبرلمان. وبالرغم من عيوب هذا الدستور، إلا أن كل الهيئات رحبت به باستثناء حزب الوفد. ويكمل ملامح الصورة العجيبة المؤرخ د. «عبدالعظيم رمضان» ففي كتابه «تطور الحركة الوطنية في مصر» يقول: «إن الدستور تعرض لتعديل حقيقي علي ضوء ملحوظات اللجنة الاستشارية التشريعية وكانت مؤلفة من عناصر أجنبية خالصة عدا عضو مصري واحد، فقد عمدت إلي حذف المادة 23 من المشروع والتي نصت علي أن «جميع السلطات مصدرها الأمة»، واضافة مادة جديدة تقول «لا يخل تطبيق هذا الدستور بالحقوق التي يباشرها الملك بنفسه بصفته سيد البلاد». وهكذا فيما بين حذف المادة 23 الخاصة بسيادة الأمة واضافة المادة الجديدة الخاصة بسيادة الملك، ثبتت - كما قال «عبدالعزيز فهمي باشا» وزير الحقانية في تعليقه علي هذا التعديل: «أصالة السيادة الدينية والدنيوية لملوك مصر دستوريا، وقتلت أصالة سيادة الأمة دستوريا وساغ جعل الدستور منحة من الملك الأصيل السيادة إلي الأمة الأصيلة العبودية». وبعيدًا عما كتبه د. «عبدالعظيم رمضان»، فقد كان الملك «فؤاد» - رغم كل ذلك مصممًا علي اغتيال دستور سنة 1923 سواء بعد شهر أو سنة أو أكثر ولم يتحقق حلمه إلا بعد سبع سنوات وعلي يد «إسماعيل صدقي باشا» ولم تسكت مصر علي هذه الجريمة! << كانت مصر كلها غاضبة من إلغاء دستور 23!! كل مصر بجميع طوائفها وأطيافها ملأها السخط والغضب من إلغاء دستور الأمة «وفرض دستور سنة 30 تفصيل وإعداد «إسماعيل صدقي باشا»، حتي تلامذة مصر في جميع المدارس رفضوا هذا الدستور وتظاهروا ضده. كان أحد هؤلاء التلامذة هو «مصطفي أمين» - الذي أصبح فيما بعد هو وشقيقه التوءم علي أمين من أعمدة الصحافة المصرية والعربية في القرن العشرين. يقول مصطفي أمين: «عرفت صدقي باشا معرفة عائلية منذ زمن طويل، فقد رأيته كثيرًا في بيت الأمة عندما كان يتردد عليه ليجتمع «بسعد زغلول» كما أنني كنت أتردد علي داره فكان موضع احترامي، لأنه رجل عبقري وكنت أحاربه بوصفه خصما من خصوم الوفد الألداء، وكنت أنا - وفديا متطرفًا، وكان «صدقي» يعلم ذلك فيداعبني ويناقشني والابتسامة لا تفارق شفتيه. وذات يوم في سنة 1930 ألغي «دستور سنة 1923 وأعلن دستور سنة 1930 واجتمع الوفد برئاسة «النحاس باشا» وأعلن الجهاد.. وقرر أن ننظم اضرابا في المدارس وأن نحرق المدرسة الخديوية التي كنا طلابًا فيها. وذهبنا - أنا وأخي - إلي النادي السعدي، فتلقينا أمر «النحاس» باشا القائد العام بالهجوم، ولما كنا جنديين مخلصين فقد نظمنا الاضراب في اليوم التالي وأحرقنا المدرسة وأحاطت بها قوات البوليس برئاسة اللواء «رسل باشا» حكمدار القاهرة وقتئذ وأرادت أن تقبض علينا وتعاون طلبة المدرسة الخديوية علي إفلاتنا من البوليس!! وما كدنا نصل إلي دارنا حتي جاء ضابط بوليس يحمل أمرًا بالقبض علينا وخطر ببالي أن أتصل «بصدقي باشا» في مكتبه بوزارة الداخلية وأشكو من هذا الإجراء التعسفي ضد الحرية!! واتصلت بسكرتيره وأبلغته بما حدث وطلبت إليه أن يقول «لصدقي باشا» إن البوليس يريد القبض علينا لأننا أدينا ما نعتقده واجبا وطنيا. وطلب مني السكرتير أن أنتظر دقيقة وبعد دقيقتين عاد إلي التليفون يقول: إن دولة الباشا يريد أن يتحدث إلي الضابط. ويعترف الأستاذ «مصطفي أمين» قائلاً: وانتفخت وأنا أقول للضابط: ألم أقل لك؟ إن دولة رئيس الوزراء يريد أن يحادثك! وأمسك ضابط البوليس التليفون وأخذ يكرر: حاضر يا أفندم .. أمرك يا أفندم حاضر يا أفندم!! وكنت وأخي مزهوين بهذا الانتصار علي البوليس، فها هو ذا رئيس الوزراء يصدر أمره بعدم اعتقالنا ووضع الضابط سماعة التليفون قال لنا في أدب جم: أرجو أن تنتظراني خمس دقائق! وبعد خمس دقائق عاد ومعه خمس جنود وإذا به يضع «الكلبش» في ايدينا وكانت مفاجأة مروعة وابتسم الضابط وقال: هذه أوامر دولة الباشا!! واقتادنا الجنود إلي السجن مكبلين بالحديد، وأصدر مجلس الوزراء برئاسة¬ «صدقي باشا» قرارًا بفصلنا من جميع المدارس وحرماننا من جميع الامتحانات». ولعل الأخطر والأهم وربما دلالة الواقعة هو ما جري بعد ذلك حيث يرويه الأستاذ «مصطفي أمين» علي النحو التالي فيقول: حدث بعد ذلك بأسابيع أن ألتقينا بدولة صدقي باشا وأردت أنا أن ابتعد عنه، ولكنه استدعاني وحياني مبتسما كأن شيئًا لم يحدث علي الإطلاق وفجأة قال لي: لماذا أضربتم وأحرقتم المدرسة؟ قلت: احتجاجًا علي إلغاء دستور سنة 1923 وإصدار دستور سنة 1930 . فقال: هل قرأت الدستورين؟ قلت: كلا! قال: وكيف تضرب وتحرق المدرسة احتجاجاً علي شيء لا تعرفه؟ قلت له : إن النحاس باشا زعيم الأمة قرأ الدستورين وأنا اكتفي بذلك! قال: وهذا هو السبب الذي من أجله فصلتك من جميع المدارس وحرمتك من جميع الامتحانات، إن النحاس زعيم الأمة يحمل شهادة ليسانس الحقوق فما حاجتك، أنت بعد هذا للامتحانات والمدارس. ثم ضحك صدقي باشا وأخذ يلاطفني ويضحك معي كأنه لم يفعل شيئًا علي الإطلاق. والحكاية بكاملها تستحق التوقف أمام مغزاها وربما دلالته أيضًا! بطبيعة الحال وكما هو متوقع تماما كان حزب الوفد «بزعامة مصطفي النحاس باشا علي رأس الأحزاب التي حاربت وهاجمت دستور صدقي باشا، ولقد دفع «الوفد» وزعيمه مصطفي النحاس باشا ثمن هذا الموقف عن طيب خاطر. مصطفي النحاس في مذكراته التي أعدها وحققها الأستاذ «أحمد عز الدين» يروي ما جري وقتها فيقول: «صدر أمر ملكي لإسماعيل صدقي باشا بتأليف الوزارة الجديدة، فلما قرأت الخبر قلت بدأنا جهادًا جديدًا أشق وأمر مما مضي، بدأت الوزارة الجديدة بأن حلت البرلمان ثم ثنت بأن ألفت الدستور وأعلنت أنها ستضع دستورًا جديدًا غير دستور عام 1923 الذي قال عنه «عبد العزيز فهمي باشا» إنه ثوب فضفاض واهتزت البلاد لهذا النبأ الخطير وعلم الكل أن البلد سيحكم بالحديد والنار حكمًا يطغي علي اليد الحديدية التي حكم بها «محمد محمود» ولم نشأ أن نقف مكتوفي الأيدي، وعمد صدقي إلي مطاردة الوفديين في كل مكان وأخذ يفصل الموظفين المنتمين إلي الوفد ويعين مكانهم من يطمئن إلي أنهم سينفذون سياسته». واجتمعت الهيئة الوفدية بكامل هيئتها، وأعلن الجميع استعدادهم للجهاد حتي آخر لحظة والتضحية بكل ما يملكون.. و.. وقد عرض عليهم قرارات الوفد التي جاء فيها: إن حل البرلمان عمل غير قانوني ولا دستوري وإنه اعتداء صارخ علي حقوق البلاد وأن إلغاء الدستور جريمة تجب محاربتها، وإننا لا نعترف بحل البرلمان ونعتبره قائما، ونعتبر الدستور لا يزال ساريا، وأن البرلمان سيجتمع في الموعد المقرر له في الدستور وهو الأسبوع الثالث من شهر نوفمبر إن شاء الله. ويكمل النحاس باشا شهادته بقوله: «لم تكد تنشر قرارات الهيئة الوفدية في الصحف حتي قامت قيامة الحكومة وأخذت تحارب الصحف التي نشرت هذه القرارات، ونبهت علي الصحف المحايدة كالأهرام ألا تنشر قرارات الوفد كما نبهت علي بقية الصحف كذلك وإلا تعرضت للتعطيل . وظلت الوزارة بالمرصاد لكل صحيفة تصدر حتي بلغ ما عطلته في شهر واحد أكثر من خمس عشرة صحيفة ولكن هذا كله لم يفت في عضد الوفديين ولا نال من حماستهم وقد أبوا إلا أن يخرجوا الصحيفة وهم يعلمون إنها لن تمكث أكثر من يومين أو علي الأكثر أسبوعًا واحدًا». ويمضي النحاس باشا في سرد صنوف العذاب والقسوة التي لاقاها شرفاء مصر علي يد حكومة صدقي باشا ومنها اطلاق الرصاص علي النواب إذا حاولوا الاجتماع. وتصل قمة اضطهاد «الحكومة الصدقية» إلي شخص النحاس باشا نفسه إذ يقول: «فوجئت مفاجأة تتعلق هذه المرة بشخصي وهي محاربتي في رزقي فقد أخبرت أن صدقي باشا أصدر قرارًا بتخفيض معاشي من 125 جنيهًا إلي 67 جنيهًا وهذا المعاش هو كل ما أحصل عليه وليس عندي سواه فلقد أنفقت كل مدخراتي من المحاماة أيام كنت أستغل بها في شئوني وشئون عائلتي المكونة من تسعة أشخاص هم شقيقتي الأرمل وأولادها الثمانية أربعة منهم ذكور وأربعة إناث أتولي شئونهم من تعليم وكل مطالب الحياة»! ويعترف النحاس باشا حسبما ورد في مذكراته بأنه رفض فكرة سكرتيره الصحفي بأنه يلجأ إلي أعضاء الوفد الأغنياء مثل حفني باشا أو محمد الوكيل باشا أو بولس حنا باشا أو سينوت حنا باشا ثم خطر له أن يطلب سلفة من بنك مصر ويقول: وصلت إلي بنك مصر فاستقبلني «فؤاد سلطان بك» وكيل البنك، وقابلني طلعت باشا حرب» علي الفور وتحدثت معه في الموضوع وفي أني أفكر في حالة موافقتك علي السلطة أن آتي لك بشخص من الموسرين ليضمنني طبقا لقانون البنك، فابتسم طلعت باشا وقال: يا باشا هذا كلام لا يصح.. إذا كانت مصر كلها ونحن من أبنائها أئتمناك علي قضيتنا، أفلا أئتمنك علي عدة آلاف من الجنيهات!! ثم نادي علي سكرتيرة وقال له: حول الآن خمسة آلاف جنيه إلي حساب الباشا الجاري في البنك ليكون تحت تصرفه، فإذا أوشك هذا المبلغ علي الانتهاء فحول له مبلغا آخر حتي تنتهي هذه المحنة بسلام والتفت إلي وقال: يا باشا البنك ورئيسه ومجلس ادارته في خدمتك! وودعنا حتي السلم الخارجي وخرجت مسرورًا شاكرًا الله أنعمه أن وفق ويسر حل هذه الأزمة التي ظن «صدقي» إنها ستنال مني أو ستلهيني عن الجهاد في سبيل تحقيق آمال البلاد». ولعل أغرب وأخطر ما يكشف عنه النحاس باشا في مذكراته هو حكاية الاستاذ الكبير عباس محمود العقاد وقصة محاكمته وسجنه لمدة عام مع الشغل. يقول النحاس باشا: «مررت علي الأستاذ العقاد لتهنئته بالخروج من السجن والاستفسار عن صحته ووجدته متعبًا، فأرسلت إليه بعض الزملاء الأطباء لعيادته ووصف الدواء اللازم له... و.... جاءني الأستاذ «حسن صبري» وبعد أن تحدثنا عن جرائم الوزارة وبطشها وإمعانها في التنكيل بدون رقيب ولا حسيب ولا وازع من ضمير قال لي: - والله يا باشا عندي مسألة أعرضها لعلك لو وافقت عليها يكون فرج من هذه الأزمة الطاحنة التي أضرت بجميع طبقات الأمة ولم ينجح منها إلا أنصار الوزارة والمطبلون لها!! قلت له وماهي؟! قال: إن جلالة الملك متأثر جدًا من الوفد ومنك علي وجه الخصوص لأنك زرت العقاد في داره مهنئًا بالخروج من السجن، مع إنه أهان الملك وعرض به، وحكم القضاء بإدانته! فقلت له: يا حسن بك أنت محام وتعرف مبلغ التلفيقات، ولعلك لم تنس بعد ما فعلته السراي معي وأنا وويصا واصف بك وجعفر بك، وقد كنت أحد المحامين المترافعين فيها «والعقاد» لم يقل شيئًا يمس الملك إلا إذا كان الملك يعلن صراحة أنه ليس ملكاً دستوريا ولا يحب الدستور الذي وقعه باسمه، وكان السبب في أن رفعه من لقب عظمة السلطان إلي جلالة الملك. فقال: يا باشا أنت سيد العارفين وسأصارحك بما جئت من أجله اليوم إن الملك صرح لبعض خاصته بل بصراحة كلفني أن أقابلك وأعرض عليك إنه مستعد لأن يعيد دستور 23 ويشكل وزارة محايدة تجري انتخابات حرة، وطبيعي سيكون الوفد صاحب الأغلبية فتشكل الوزارة وتعود الحياة إلي مجاريها وتنتهي مهزلة الانتخابات التي يعد لها «صدقي باشا» والبرلمان الذي ينوي أن يفتحه باسم دستور الجديد، كل هذا في مقابل مطلب واحد يريده الملك منك!! وعندما سأله النحاس باشا عن هذا الطلب قال له: أن تفصل عباس العقاد من الهيئة الوفدية ومن الصحف الوفدية لأنه أهان الملك من غير داع وتطاول عليه بلا سبب!! فأجبته كاظمًا غيظي لأنه صديق وقلت له: يا حسن بك أنت زميل ولك علي حق ولولا هذا لغضبت منك إذ تحمل إلي مثل هذا الخبر، بّلغ الملك أن «مصطفي النحاس» لا يقبل بحال من الأحوال أن يفرط في فراش من فراشي بيت الأمة أو النادي السعدي فضلا عن الكاتب الأستاذ «عباس العقاد» الذي سُجن وعُذب وحُوكم ولم يجن ذنبًا أكثر من أنه قال: إننا مستعدون لأنه نحطم أكبر رأس تحاول أن تعبث بالدستور أو تعطل الحياة النيابة. وما أظن الملك الدستوري يحمل هذا القول علي نفسه إلا إذا كان يكره البرلمان، وأنت تقول إنه مستعد أن يعيد الدستور فكيف ذلك علي إنني أحب أن أضع لك النقط فوق الحروف، فأقول لك بكل صراحة لن أفرط في «العقاد» ولا في أقل من «العقاد» لأن هذه سابقة خطيرة لها نتائجها وآثارها علي الوفد، وعلي الأخلاق وعلي الكرامة الوطنية وجاءت مهزلة الانتخابات الصدقية علي أساس الدستور المزيف الذي وضعه فكانت انتخابات مطبوخة طبخًا مكشوفًا إذا كانت نتيجتها في جميع الدوائر 67.3% ماعدا دائرة بورسعيد التي لم يرض محافظها الشجاع الكفء «حسن رفعت» أن يتدخل فيها بحال من الأحوال فجاءت نتيجتها ثلاثة في المائة». << ولا تزال في فصول قصة دستور صدقي باشا كواليس ودهاليز وأسرار وحكايات!!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل