المحتوى الرئيسى

الأهمية الثورية لـ "الاعتصام"!بقلم: جواد البشيتي

04/05 19:56

الأهمية الثورية لـ "الاعتصام"! جواد البشيتي الاعتصام (أقول "الاعتصام"، ولا أقول شيئاً آخر) الشبابي الشعبي الثوري الدائم في مكان "إستراتيجي" من العاصمة هو، على ما أثبتت تجارب الثورات (الشعبية الديمقراطية) العربية، ما يؤسِّس لحراك شعبي يَشُقُّ الطريق إلى ثورة ظافرة، فالشباب، الذين اتَّحدوا (إذ تحاوروا، في حرية، في قاعات "الواقع الافتراضي") على اختلاف ميولهم واتِّجاهاتهم ووجهات نظرهم من أجل إنجاز "المهمَّة المركزية"، يمكنهم أنْ ينزلوا جميعاً إلى ذلك المكان، في وقت يتَّفِقون عليه، فيقيمون فيه، من خلال الاعتصام الدائم، "مجتمعاً ثورياً"، مرئياً ومسموعاً عالمياً، بفضل وسائل وأدوات الاتِّصال الحديثة، يجتذب إليه، كـ "ثقب أسود"، مزيداً من المواطنين الناقمين على نظام الحكم الاستبدادي، ويُنمِّي فيهم شعور "الاتِّحاد قوَّة"، ويحرِّرهم، من ثمَّ، من قيود الخوف، التي لولاها لحَدَثَ قبل عشرات السنين هذا الذي يحدث الآن، أي التحرُّر الديمقراطي. في "قاعة" من قاعات "الواقع الافتراضي"، وما أكثرها، وحيث يتعذَّر على "عيون" و"آذان" جهاز الأمن تأدية عملها، وعلى "قوى مكافحة الشغب (أي الشعب)" تفريق المتجمِّعين ثورياً، يلتقي ويجتمع شباب واعٍ، صلب الإرادة، فيتحاورون، فيتَّفِقون على أهمية وضرورة إحداث تغيير ما، في الصراع، وبالصراع، ضدَّ "السلطة"، والمتفرِّعين منها، فينزلون جميعاً، وعلى حين غرة، إلى الموضع الذي تواضعوا عليه، وفي الوقت الذي يعتقدون بصلاحيته لحراكهم؛ وليس ممكناً، من الآن وصاعداً، تجريد الشباب من هذا السلاح الثوري الجديد، والفتَّاك. وإذا أردتم دليلاً على أهمية هذا "الاكتشاف" أو "الاختراع" الثوري فها هو "قذَّافي صنعاء" يأتيكم بالدليل؛ فلقد اقترح، وكأنَّه يخطب في قوم من الأغبياء، أنْ يغادِر المعتصمون الثائرون عليه "ساحة التغيير" قبل، ومن أجل، أنْ يبحث مع المعارضة في أمر تخلِّيه عن السلطة، وكأنَّ "اقتراحه" هذا كان يمكن أن يظهر إلى حيِّز الوجود لو كانت تلك الساحة خالية من هؤلاء المعتصمين الدائمين! إنَّه يريد أنْ يجرِّدهم أوَّلاً من هذا السلاح الذي لولا حيازتهم واستعمالهم له لَمَا أقْدَم على هذا "التنازل"، الذي هو أقرب إلى الخديعة منه إلى التنازل. ومن سورية، يأتينا دليل آخر على الأهمية الثورية لـ "الاعتصام (الشبابي الشعبي) الدائم"، فـ "المسيرة"، أو "المظاهرة"، ما أنْ تنتهي، ويذهب المتظاهرون إلى بيوتهم، حتى ينقض عليهم رجال الأمن، ويذهبون بهم إلى السجون. "الأمنيون" من نظام الحكم، وفي أثناء المظاهرة، يؤدُّون عملاً آخر، هو "التصوير"؛ ثم ينتظرون تفرُّق المتظاهرين "المصوَّرين"، وعودتهم إلى منازلهم، من أجل إلقاء القبض عليهم واعتقالهم. وهذا إنَّما يشدِّد الحاجة الأمنية الثورية للشباب نواة الحراك الثوري (على وجه الخصوص) إلى أنْ يتَّفقوا جميعاً على إخفاء وجوههم في أثناء المسيرة أو المظاهرة؛ ولن تضعف هذه الحاجة، أو تنتفي، إلاَّ مع اتِّخاذ الحراك الشعبي شكل "اعتصام شعبي دائم". وفي هذا "الاعتصام (الشبابي الشعبي الثوري الدائم في مكان "إستراتيجي" من العاصمة ومن كل مدينة)"، وبه، يمكن، ويجب، التغلُّب على ظاهرة الانقسام (في الشعارات والمطالب والرؤى..) بين جماعات الشباب الثوري؛ فإنَّ "الاعتصام"، بنمطه هذا، يطرد كثيراً من الخوف من نفوس الشباب؛ وهذا الخوف (من بطش الأجهزة الأمنية) هو سبب من أهم الأسباب التي تَحْمِل بعض الشباب الثائر على الاعتصام بسقف مطالب أوطأ، وكأنَّه يريد أن يقول لنظام الحكم وأجهزته الأمنية إنَّ "اعتدالي" في الشعار والمطلب يجب أن يقيني من شرور القمع الحكومي. وهذا الشباب لن يتمكَّن من رفع سقف مطالبه، ومغادرة "المنطقة الرمادية"، إلاَّ إذا شعر بـ "القوَّة"؛ ولن يشعر بها إلاَّ بـ "الاتِّحاد" مع غيره؛ وليس من طريق إلى "الاتِّحاد المولِّد للشعور بالقوَّة" إلاَّ هذا النمط من الاعتصام (المسلَّطة عليه أضواء إعلامية قوية، أصبحت "مفاتيحها" الآن في أيدي المعتصمين أنفسهم). "العدد" مهم؛ لكن ليس على وجه الإطلاق، وعلى أنْ نفهم "العدد" بصفة كونه "الكم المتَّحِد بالنوع اتِّحاداً لا انفصام فيه". إنَّ علاقة "تناسب عكسي" هي التي تقوم بين "درجة القمع الحكومي" وبين "عدد المعتصمين"، فقمع العشرات منهم أصعب من قمع بضعة أفراد، وقمع المئات أصعب من قمع العشرات، وقمع الآلاف أصعب من قمع المئات؛ وهذا إنَّما يدعو الشباب إلى أن يكون (أو يبدأ) تجمُّعهم الاعتصامي بأكبر عدد ممكن. وعلى هؤلاء الشباب أنْ يُحْسِنوا فهم "الأكثرية (الشعبية) الصامتة"؛ فنظام الحكم يُشْهِر دائماً ضدَّهم حُجَّة "الأكثرية الصامتة"، قائلاً لهم إنَّكم نزر يسير من شعبٍ، غالبيته في البيوت ولم تنزل إلى الشوارع. هذه حُجَّة باطلة، منطقاً وواقعاً؛ فأوَّلاً، وجود "أكثرية شعبية صامتة"، لا تشارِك مباشَرةً في الحراك الثوري، لا يعني، ويجب ألاَّ يعني، أنَّ هذه الأكثرية هي شعب لنظام الحكم، أي تؤيِّده، وتقف إلى جانبه؛ وهذه "الأكثرية"، ثانياً، تضمُّ عائلات أبناؤها يشاركون في الحراك الشعبي الثوري؛ وثالثاً، ينبغي لنا ألاَّ نضرب صفحاً عن حقيقة تاريخية ثورية (يبسطها دائماً عِلْم الثورات) هي أنَّ "الأكثرية الصامتة" لا تعدو كونها (في العالم الواقعي للسياسة) كتلة (شعبية) ميتة، فالثورات تُصْنَع في "الشوارع" لا في البيوت والمنازل. ومع ذلك، لا مانع يمنع "المعتصمين الدائمين" من ضمِّ "الأكثرية (الشعبية) الصامتة" إلى الثورة في طريقة ما؛ فـ "المعتصمون الدائمون"، أو الهيئة المنسِّقة (أو القائدة) للاعتصام، يمكنهم استطلاع رأي الشعب في "مطالب التغيير" مطلباً مطلباً، فَيَدْعون (مثلاً) المواطنين الملازمين منازلهم إلى الإعراب عن تأييدهم لمطلب معيَّن من خلال إطفاء الأضواء في منازلهم بين الساعتين التاسعة والعاشرة مساءً، فيرى نظام الحكم، ومعه العالم، حجم التأييد الشعبي لهذا المطلب. الحراك الشعبي الثوري يمكنه وينبغي له أنْ يتَّخِذ من "الاعتصام الدائم" عاصمةً ومركزاً له؛ لكنَّ هذا وحده لا يكفي للنجاح، فلا بدَّ من رفده وتعزيزه بنشر وإشاعة "التنظيم الذاتي المستقل" لكل فئة وجماعة من المواطنين الذين لهم مصلحة في إحداث تغيير ما، أو تحقيق مطلب ما. إنَّ كل جماعة، أكانت صغيرة أم كبيرة، يمكنها أنْ تُنظِّم نفسها بنفسها، وأنْ تَنْتَخِب لها لجنة تدير أمورها، وتنظِّم حراكها وعملها؛ فهذا "الضغط الشعبي المنظَّم" هو سلاح آخر لا بدَّ من حيازته واستعماله في الصراع. إحياء "المجتمع" عندنا، أو النفخ في جسده من روح الديمقراطية، لن يبدأ، ويجب ألاَّ يبدأ، من "الأحزاب" التي لدينا الآن، فالموتى، وإنْ ظلَّ لهم سلطان (وسلطان قوي) على الأحياء، لن يتمكَّنوا أبداً من الإتيان بمعجزة "الإحياء". البداية إنَّما تكون من المجتمع نفسه، فأوَّل حقٍّ ينبغي للمجتمع التمتُّع به، وممارسته، هو "الحق في التنظيم الذاتي المستقل"، والذي (أي هذا التنظيم) يتَّخِذ من "المهنة" مبتدءاً له، ومنطلقاً وأساسا. و"المصلحة المشترَكة" هي التي يجب أن تكون قوام "التنظيم الذاتي المستقل"، فالعاملون في أي مكان، في أي شركة أو مؤسسة.. عامة أو خاصة، ينبغي لهم، ويحق، أن ينظِّموا أنفسهم بأنفسهم، ومن أجل أنفسهم (أي من أجل مصالحهم المشترَكة) في المقام الأوَّل، فـ "أهل مكة أدرى بشعابها"، و"الاتحاد قوَّة"، وسياسة "فرِّق تَسُدْ" يجب أن تُنْبَذ وتُحارَب. إنَّ "الطوباوية" بعينها أنْ ندعو إلى غرس "الجماعية" في مجتمعنا في غير تربة "المصلحة (الحقيقية الواقعية لا الوهمية)"، فعالمنا وتاريخنا محكوم بـ "نزاع المصالح"؛ ولقد حان لضحايا الأوهام المثالية، وهم الغالبية العظمى من البشر، أن يتمثَّلوا تجربتهم المرَّة، في درسها التاريخي الأوَّل، وهو "مَنْ يجهل مصلحته لا يمكنه أبداً الدفاع عنها". وهذا "التنظيم الذاتي (المهني) المستقل" لا يمتُّ بصلة لا إلى "الأحزاب السياسية"، ولا إلى "النقابات المهنية"، فـ "الحزبية" و"النقابية" عندنا ما عادتا، منذ زمن طويل، بأداة صالحة للتغيير، وغدتا جزءاً لا يتجزأ من قوى الإعاقة والتعطيل والفساد. الأخذ بـ "الجماعية"، ثقافةً وعملاً ونشاطاً، سيُنْتِج أوَّل ما يُنْتِج تلك الظاهرة التي تعرفها المجتمعات في الغرب.. ظاهرة "جماعات الضغط"، و"جماعات المصالح الخاصة". إنَّ كل جماعة يجمع أفرادها مصلحة أو مصالح معيَّنة، ينبغي لها، ويحق، أن تنتظم ذاتياً وديمقراطياً، من أجل الدفاع عن مصالحها المشترَكة، وفي مقدَّمها "المصلحة المهنية"، التي يكمن فيها "الحق في الدفاع عن الوجود المعيشي". "المصالح (المهنية والمعيشية) المشترَكة" يمكن ويجب أن تكون، بدايةً، في نطاقها أو حيِّزها الاجتماعي الأضيق، أي في شركة أو مؤسسة ما؛ لكنها ستسير حتماً في مسار صاعد، فهذا النطاق أو الحيِّز سيتَّسع في استمرار، وسنرى، من ثمَّ، عشرات، فمئات، فآلاف، الأفراد ممَّن تجمعهم مصالح مشترَكة ينظِّمون أنفسهم بأنفسهم، ومن أجل أنفسهم في المقام الأوَّل. وأحسب أنَّ "الجماعية"، التي تقوم على المصالح المشترَكة لأفراد معيَّنين، ستكتسب مزيداً من الوزن والأهمية والتأثير بفضل تقدُّم وارتقاء وسائل الاتِّصال، فكل جماعة منظَّمة تنظيماً ذاتياً مستقلاً تستطيع أن تؤسِّس لها موقعاً إلكترونياً تدافع عبره عن ذاتها ومصالحها ومطالبها وقضاياها.. إعلامياً. ويكفي أن تزدهر هذه "الجماعية" في مجتمعنا، وتكثر وتتكاثر "جماعات الضغط" و"جماعات المصالح الخاصة"، حتى تتهيَّأ "بنية تحتية" حقيقية لحياة حزبية سياسية جديدة، فالأحزاب السياسية (والفكرية) الجديدة يمكن، عندئذٍ، أن تنشأ، وأن تضرب لها جذوراً عميقة في تلك الجماعات، وأن تصبح، من ثمَّ، كهيئة أركان أصبح لها جيش. إنَّ إحياء المجتمع مع التأسيس لحياة حزبية سياسية حقيقية، يمكن ويجب أن يبدأ من إقرار وضمان حق كل جماعة في أن تنظِّم نفسها بنفسها، دفاعاً عمِّا يجمع أفرادها من مصالح حقيقية واقعية ملموسة. الحراك الشبابي الشعبي الثوري لا بدَّ له من أنْ يبدأ بجملة من الشعارات والمطالب التي تُعبِّر عن "السلبي" من الإرادة، قبل، ومن أجل، الوصول إلى "الإيجابي" منها؛ فالشباب الثائرون يتَّفِقون، أوَّلاً، على "ما لا يريدون"، أي على الأشياء والأمور والأوضاع والأحوال التي يجب ألاَّ تظل موجودة؛ فإنَّ الإرادة (الشبابية الثورية) المعبَّر عنها بـ "لا" هي التي منها يمكن، ويجب، أنْ تنبثق الإرادة المعبَّر عنها بـ "نعم". إنَّهم، في مصر، مثلاً، اتَّفقوا على "لا" لبقاء نظام حكم حسني مبارك؛ ولقد عبَّروا عن ذلك بالشعار الشهير "الشعب يريد إسقاط النظام". وهذا الاتِّفاق (المهم والضروري) أسهل كثيراً من اتِّفاقهم على طبيعة وخواص نظام الحكم الجديد الذي سيحل محله؛ وربَّما تعذَّر عليهم، واستعصى، التوصُّل إلى مثل هذا الاتِّفاق؛ لكونهم من منابت وأصول فكرية مختلفة. "الهدم"، أو "النفي"، المعبَّر عنه بـ "لا"، هو المبتدأ في اتِّفاقهم وتوافقهم؛ أمَّا "البناء"، أو "الإيجاب"، المعبَّر عنه بـ "نعم"، فيُتْرَك أمره إلى ما بعد إرساء دعائم الحياة الديمقراطية، التي فيها، وبها، تُفْرز الألوان السياسية والفكرية، فالمُتَّحِدون في "الأبيض" من الضوء ما أنْ يدخلوا "منشور الديمقراطية الزجاجي الشفَّاف" حتى يخرجوا منه بألوان عدة. ولا شكَّ في أنَّ هذا "التمايُز"، أو "الفرز"، الضروري يشقُّ الطريق إلى أنماط من الوحدة أكثر رقياً وتقدُّماً. وفي مجتمعاتنا العربية التي تعاني قحطاً وتصحُّراً في الحياة الحزبية، لا بدَّ لـ "فترة الانتقال" من نظام الحكم الاستبدادي القديم إلى نظام الحكم الديمقراطي الجديد من أنْ تطول بما يكفي للتأسيس لحياة حزبية، تملأ بمزيدٍ من "الهواء الحزبي" هذا "البالون" من الحياة الديمقراطية، فالنظام الديمقراطي يَلِدُ أحزاباً، فتنمو الديمقراطية أكثر. الحراك الشعبي الثوري يحتاج في مستهله إلى أوسع اتِّفاق ممكن بين فئات الشعب المتضرِّرة من بقاء نظام الحكم الاستبدادي؛ وتوصُّلاً إلى هذا الاتِّفاق ينبغي لتلك الفئات من أنْ تجيب دائماً عن سؤال "ما الذي حان له أن يزول، ولا بدَّ له من أنْ يزول؟"؛ وهذا إنَّما يعني، وعلى سبيل المثال، أنْ يتَّفقوا جميعاً على "لا" لبقاء هذا الحاكم في الحكم، و"لا" لبقاء "حالة الطوارئ"، و"لا" لبقاء هذا البرلمان، و"لا" لبقاء جهاز "الأمن المركزي"، و"لا" لبقاء هذا الدستور. وإنَّ نُظُم الحكم الاستبدادية هي التي تؤسِّس لاتِّفاق شعبي واسع على هذا "الجانب السلبي" من "الإرادة الشعبية"؛ وهذا إنَّما يرتِّب على قوى الحراك الشعبي الثوري مسؤولية استنفاد "السلبي" من "الإرادة الشعبية" في إنتاج، وزيادة إنتاج، الاتِّفاق والتوافق بين كل فئات الشعب التي لها مصلحة في إطاحة نظام الحكم الاستبدادي؛ فالاختلاف المفيد والضروري ليس الآن، وإنَّما بعد إنجاز هذه المهمَّة المركزية، وإرساء دعائم الحياة الديمقراطية بأوجهها كافة، فـ "الديمقراطية" هي "التغيير" الذي بتحقُّقه نمتلك "الأداة" لكل تغيير آخر ولاحق (في السياسة والاقتصاد والاجتماع والقلم..).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل