المحتوى الرئيسى

الإخوان.. وعباقرة آخر الزمان!

04/05 15:50

بقلم: جمال عبد الغفار بدوي من المبادئ الأساسية التي يلتزم بها الإخوان ويشيعونها بين أفرادهم هي عدم التجريح للأشخاص والهيئات، والاكتفاء بالمنهج النبوي الكريم (ما بال أقوام..)، والعمل بكل ما أُوتينا من قوة لتوحيد الصفوف والطاقات، والبعد عن مواطن الخلاف ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً.   هذا بالطبع غير مواجهتهم للظالمين والمفسدين؛ ما جعلهم زوارًا دائمين للسجون والمعتقلات.وهذه المبادئ ليست تفضلاً أو منّةً، ولكنها خلق الإسلام كما يفهمه الإخوان، ويدينون به لرب العالمين.   يعرف ذلك عن الإخوان أعداؤهم قبل أصدقائهم.   وكم تحمَّل الإخوان افتراءات كثيرة، لم يلتزم مروجوها أخلاقًا أو مهنية أو احترامًا لأنفسهم؟؛ غير أن الإخوان لم يتورطوا في الانزلاق إلى الثأر المشروع لأنفسهم.   ولعل جميع مَن يعيش في بر مصر يتذكر الحملة الشرسة التي تعرَّض لها الإخوان حين قرروا خوض انتخابات مجلس الشعب الأخيرة في عهد المخلوع مبارك.   لقد كان موقف الإخوان واضحًا ناصعًا لا يحتمل مزايدةً أو تأويلاً.   فقد أعلنوا التزامهم بما تتفق عليه القوى الوطنية.   فلم تتفق هذه القوى، وقرر حزب الوفد وغيره خوض الانتخابات، فكان من المنطقي والطبيعي والمشروع والبديهي.. و.. و.. و.. و.. أن يتخذ الإخوان موقفهم الخاص كما سبق أن أعلنوا وبيَّنوا ودعوا.   ولكن أبَى البعض أن يسلّم للإخوان بحقهم في اتخاذ قرارهم السياسي الذي يتحملون هم- وليس غيرهم- نتائجه وتبعاته.   ولعلكم تتذكرون ما وصف به الإخوان من غباء سياسي وحرص وضيع على مصلحة التنظيم دون مراعاة لمصلحة الوطن، لدرجة أن تابع أحد الكتاب نداءاته المتكررة لمرشد الإخوان حتى يتراجع عن هذا القرار الخطير، وكان آخر ما سطره تحت عنوان (الصندوق فيه سم قاتل!).   استهزأ المعترضون بحجة الإخوان ومبررهم الذي أعلنوه من ضرورة فضح النظام وتعريته وتضييق الخناق عليه، وإرغامه وإلجائه إلى تمزيق ورقة التوت المهترئة التي يداري بها سوءاته.   وقالوا ضاحكين مستخفين.. إنكم أيها الإخوان تضفون عليه الشرعية؛ لأنه مفضوح مفضوح مفضوح، لم يعد مهتمًا بورقة التوت؛ فقد مزَّقها منذ زمن بعيد دون أدنى خجل.   هكذا قالوا.. وغيره كثير وكثير وكثير.. حتى أثبتت الأحداث أن المفضوح كان في حاجة إلى مزيد من الفضح والقبض عليه متلبسًا وهو يمارس دعارته السياسية؛ ليزفه الشعب وهو يحاول أن يستر عورته القبيحة بورق صحيفة (الأهرام) الذي ملأها أحمد عز بترهات وأكاذيب، أو باستخفاف مرير مثل (سيبوهم يتسلوا..)، كما قال المخلوع.. إلخ ما يعرفه الجميع.   لست هنا في موقف عرض تاريخي، أو استعراض احتفالي لمواقف الإخوان ومدى صوابها أو صدقها؛ ولكن أحاول أن أذكّر الجميع بأن مشاركة الإخوان في الانتخابات، التي اعترض عليها كثير من المخلصين الصادقين، وكثير من هواة المخالفة، وكثير من هواة الطعن والتجريح.. أقول إن هذه المشاركة الإخوانية كانت هي السبب المباشر في ثورة 25 يناير العظيمة.. نعم كانت السبب المباشر.   لا أقول هي مَن أشعل الثورة، فالجميع يعلم أن مَن أشعلها هم شباب مصر وبناتها الذين ضربوا أعظم مثال ما زال العالم يقف- وسيظل- أمامه مبهورًا مشدوهًا محاولاً التعلم والاستلهام.   لا أعتقد أن هناك مَن ينكر أن مشاركة الإخوان هي التي أرغمت النظام على ما حدث من تزوير مروّع بالغ الفجاجة، أدّى إلى التوابع السياسية المتلاحقة التي عضدتها ثورة الياسمين في تونس الشامخة، فانفجر البركان سريعًا سريعًا بعد أن اكتملت أسبابه، وتيَّقن الشعب من إمكانية تحقيق النصر بعد تحققه على أرض تونس.   فالجميع يعلم ما كانت ستؤول إليه الأحداث لو لم يشارك الإخوان، إذ كنَّا على موعد مع انتخابات غاية في النزاهة والشفافية، لا يخشى النظام المجرم نتائجها؛ ما يعني تبييض وجهه، وإعطاءه قبلة الحياة إلى أمد جديد، قد يطول أو يقصر، غير أن المؤكد أن الأحداث كانت ستأخذ اتجاهًا آخر بلا ريب أو شك أو ظن، لا نرجم بالغيب؛ فالله سبحانه وتعالى عنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو؛ ولكننا نقرأ الأحداث بما تيسر لنا من معطيات وأدوات للفهم والتحليل.   لم أستطرد فيما سبق رغبةً في الإطالة، فإنها مكروهة عندي كما هي مُبغضة عندك أخي القارئ الحبيب.. ولكني أريد أن أذكّر الموافقين والمعترضين على الرؤى والأفكار والسياسات للآخرين والمتنافسين أو المتحالفين والمتعاونين، إنه ليس ثمَّة حقيقة مطلقة هي الصواب الأصوب، وما دونها خطأ محض.   ومن العجب العجاب أن ما سبق هو بعينه ما يردِّده منتقدو الإخوان ويعيرونهم به!!.   إنهم يقولون ليس هناك عصمة للمرشد أو لمكتب الإرشاد أو لمجلس الشورى أو.. أو.. أو إلخ.   ورغم أن المرشد أو مكتب الإرشاد أو مجلس الشورى أو.. أو.. أو إلخ لم ينسبوا لأنفسهم أو لغيرهم عصمةً أو احتكارًا للصواب المطلق، فإن هواة المخالفة يزيدون ويعيدون في هذا اللجج والهراء، ويتناسون أنهم هم مَن يريدون أن يرغموا الآخرين وينزلوهم قسرًا على آرائهم، بدعوى صوابهم ورؤيتهم السديدة التي تتقاطر منها الحكمة.   نعم.. لم يقل الناقدون إنهم أهل الحكمة وأربابها، ولكنَّ تصرفاتهم وأقوالهم واستهزاءهم بآراء الآخرين تنطق بهذا دون مواربة أو لبس مهما أُلبست رداء التواضع المصطنع، والنصيحة المزيفة.   وإلا ماذا يعني أن يتجاهل الناصح كون الجماعة لها مؤسسات هرمية البناء، سواء اتفق معها أو اختلف إلا أنه يجب اعتبار هذه المؤسسات وعدم تجاهلها أو القفز فوقها بدعوى الشفافية أو المهلبية أو حتى الملوخية!!.   يزايد المجرّحون والمتربصون على موقف الإخوان من الديمقراطية وعدم ممارستهم الفعلية لها، وقد قدَّم الإخوان أنموذجًا غير مسبوق، بإصرار الأستاذ مهدي عاكف على عدم التجديد له مرشدًا عامًّا لفترة أخرى كما تتيح له اللائحة.   إلا أن تعمُّد التشويه واللمز والغمز لم يسلم منه هذا المشهد الديمقراطي النزيه، فانبرى المخالفون ليثنوا الأستاذ عاكف عما انتواه، بدعوى حرصهم على وحدة الصف والظروف الحساسة التي تمر بها الجماعة.. إلخ، هذه المثبطات التي لم يلتفت إليها الرجل، ومضى شامخًا فيما عزم عليه.   فلما خاب سعيهم راحوا يرددون التشنيعات والبلبلات والتخرصات عن مخالفة اللائحة وإقصاء الإصلاحيين مما يعرفه المتابع وما زالوا يكررونه دون ملل إلى يومنا هذا.   ورغم تبيان الأمور، وشرح الغموض، وتوضيح المجهول؛ فإنه من طبيعة الأمور أن يكون هنا أو هناك اجتهادات تحتمل الخطأ، ويجانبها الصواب، ما دمنا نتحدث عن أمور يمكن وصفها بالفنية تحتمل التأويل.   غير أن المثير للعجب أن موقف الإخوان الرسمي هو الخطأ الفادح على طول الخط عند أولئك الإخوة من الناقدين والناقدات، عزَّ أن تجد قرارًا يروق لهم أو يسلم من مذمتهم وسخريتهم، اللهم إلا في القليل النادر، أو الشاذ الذي يبرهن على صحة القاعدة.   ولقد كانوا إلى عهد قريب جدًّا يتعجبون من عدم تأسيس حزب للإخوان يمارسون من خلاله نشاطهم السياسي، بل فارق البعض الإخوان بسبب هذا الموضوع أو العنوان.   وحينما شرع الإخوان بعد الثورة بالإعلان عن تأسيس حزبهم بعد انتفاء المعوقات التي كانت تعوقهم- كما كانوا يعلنون صراحة دون لبس أو غموض- انتفض المخالفون معترضين محتجين، بدعوى أن الإخوان يجب أن تكون أكبر من الحزب لأنها هيئة إسلامية جامعة، ودعاوى أخرى تثير الضحك والاشمئزاز السياسي، مثل تلك التي تنتقد منع أفراد الإخوان من الانضمام إلى حزب غير حزبهم المزمع تأسيسه.   وكأن المطلوب من الإخوان إنشاء حزب لهم؛ لكي يدعوا أفرادهم وكوادرهم إلى الانضمام إلى حزب التجمع اليساري أو الوفد الليبرالي أو الحزب الفلاني الإسلامي على سبيل المثال، مع بالغ التقدير للتجمع والوفد وجميع الأحزاب، إذ لا نقصد إلا ضرب المثال فقط لا غير، ونقسم على ذلك؛ فلربما نسلم من تصيد المتصيدين وخلط المزايدين.   وإني لمنتظر- إن أطال الله في العمر- أن أرى هؤلاء حين يؤسسون أحزابهم وكياناتهم أن يتركوا الحبل على الغارب أو على الشارق أو على أي شيء يرتؤونه لأتباعهم وكوادرهم؛ ليذهبوا حيث شاءوا إلى أحزاب أو جماعات أخرى، دون أن ينتقص ذلك من ولائهم الحزبي أو انتمائهم الفكري.   ما سبق ليس استهزاءً؛ ولكنها أمنية أرجو أن تتحقق ليقر بصري برؤية هذه المعجزة التنظيمية الحزبية، فكما أرانا الله معجزته في خلع المخلوع، فليس هناك ما يمنع أن نرى هذه الافتكاسات السياسية وقد أخذ الناس بها، فنجد لدينا مواطنًا صالحًا يعرفه الناس أو يعرِّفونه بأنه إخواني وفدي، أو وفدي يؤمن بالماركسية كمرجعية فكرية، أو نجد مثلاً إخوانيًّا وفديًّا تجمعيًّا يحمل عضوية ثلاثة أحزاب وجماعتين إحداهما سلفية والأخرى تنويرية.. وما ذلك ببعيد ما دمنا في مواجهة جمود قيادات الإخوان وعدم استيعابهم للثورة والمجتمع والباذنجان المحشي والمخلل وحسن الإدارة والعبارة في الدوبارة.   ***** من العجائب ما دار في محاورة فضائية، ادَّعى فيها أحد المتخصصين في الحركات الإسلامية تسلق الإخوان، وهو ما ألف فيه كتابًا مفصلاً، يوضح فكرته ويبرهن على ما ذهب إليه، وما أثار تعجبي هو قوله ما معناه إن "الإخوان" تتبنى منهجًا يدعو إلى توحيد الصفوف والتقريب بين الفرقاء، وإن الإمام الشهيد المؤسس حسن البنا كان أول مَن عقد مؤتمرات التقريب بين السنة والشيعة في مصر مع شيخ الأزهر آنذاك عبد المجيد سليم، هذا فضلاً عن تعريف جماعة الإخوان بأنها سلفية وحقيقة صوفية إلى غير ذلك مما هو معروف.   وقد رأى هذا الباحث أن هذا المنهج منهج متسلق يتسم بعدم الحسم، وهو ما لم يعد مقبولاً بعد الثورة.   وحتى تتضح الصورة، فقد جاء هذا الكلام اعتراضًا منه على عدم صدور بيان من الإخوان يندِّد بمواقف السلفيين، خاصةً فيما أُثير أخيرًا حول هدم الأضرحة.   ولا يجد المرء أمام هذا التعسف في الطرح والاستنتاج، إلا أن يتساءل في اقتضاب، كما فعل ممثل الإخوان في هذا البرنامج: هل هذا الموقف الداعي إلى الوحدة ونبذ الخلاف يستحق الإشادة أم الذم والتشهير؟   نعم.. نتفق مع الباحثين والمعلقين والصحفيين وأصحاب المآرب أن الإخوان مادة ثرية، ولكن ألا يوجد لديكم قليل من الإنصاف والحياد؟   إن الإخوان كجماعة وتنظيم وهيئة ومؤسسات وهياكل وفعاليات وأشخاص وبرامج فيها الكثير مما يحتاج إلى التطوير والتجديد كسنة الله في كونه، وهو ما دعا فضيلة المرشد إلى تكليف المهندس خيرت الشاطر بالقيام بهذا الملف الخطير الذي جعلته الثورة من أولويات المرحلة، ليس عند الإخوان فقط؛ ولكن عند جميع القوى السياسية إن أرادت الاستمرار واللحاق بالمستقبل.   وعليه فإن الإخوان بحاجة ماسة- ليس تواضعًا أو إظهارًا للتواضع- لكل ناقد وناصح، والحكمة كما قال سيد البشر وخاتم المرسلين- صلى الله وسلم عليه وعلى آله أجمعين- ضالة المؤمن.   غير أن النقد والنصح شيء والتجريح والتهريج والتشهير شيء آخر.   كذلك الذي كان يتعجب من إغلاق أبواب الإخوان في وجوه الشباب، فقال له محدثه: إن الدكتور بديع أجرى ثلاث مقابلات مع أكثر من 600 شاب من شباب الجماعة، واللقاءات مستمرة بإذن الله.   فانبرى الناقد متسائلاً: على أي أسس تم اختيار هؤلاء الشباب؟!.   فأمسكت بصاحبي الذي أراد أن يجيبه، وقلت له: إن هذا السؤال هو المفتاح الذي يريد به ألا يتفق معك مهما قلت، إنه لا يريد أن يناقش ضرورة توسعة اللقاءات أو كيفية تعميمها أو البحث عن سبل تطويرها، أو السؤال عن إيجابياتها أو سلبياتها، ولكنه يبحث عن موطن لا يمكن الاتفاق عليه؛ لأنه ما دام هناك محدودية للعدد؛ فلا بدَّ أن يكون ثمَّة اختيار، الاختيار يستلزم أسسًا أو ضوابط، ولا يمكن أن يتفق الجميع على هذه الأسس أو لا يمكن أن يرضى الجميع عنها، والأفضل من كل ذلك والأولى بالاهتمام هو تصريح فضيلة المرشد باستمرار هذه اللقاءات حتى تشمل جميع شباب الجماعة؛ لأن ذلك هو الحل العملي لِمَن كان يرجو خيرًا وإصلاحًا.   أما استغراق الوقت للتشكيك في النوايا وسوء الظن، فلن يلتفت إليه مَن يعلم أن واجباته أكثر من أوقاته، ناهيك عن أنه لا يجوز شرعًا.   هدانا الله ووفقنا جميعًا لما يحب ويرضى، وحمى مصر وأهلها من كل سوء وجهل.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل