المحتوى الرئيسى

دفاعا عن ليبيا .. الشعب والوطن بقلم:عبد العال الباقوري

04/05 18:45

عبد العال الباقوري العودة إلى التاريخ عملية مفيدة وغير ضارة على الأقل ضررها أقل من نفعها بشرط ألا تعني هذه العودة تهرباً من واقع نعيشه ولا اجتراراً للماضي من حيث هو كذلك. هذه العودة إلى التاريخ وأحداثه مفيدة غالباً لاستخلاص الدروس المستفادة وللمقارنة بين ما كان وما هو كائن اليوم بين ما مضى وانقضى وطويت صفحته وبين ما نعيشه ونحياه بشرط أن نعي جيداً أن التاريخ لا يكرر نفسه إلا إذا أخذنا العبارة المعروفة عن تكرار التاريخ مرتين إحداهما هزلية. واليوم وبينما تتوالى الأحداث ثقيلة ومريرة في ليبيا فإن من له أدنى دراية بالتاريخ العربي في العصر الحديث لابد أن يعود إلى ما قبل قرن كامل من الزمان ويتذكر أحداث الغزو الإيطالي لليبيا في 1911 وهي تحت حكم الإمبراطورية العثمانية التي كانت قد دخلت عندئذ في دائرة الانحدار فلم تستطع أن تقاوم الغزو الخارجي لجزء من «أراضيها» كان هذا الغزو جزءاً من عملية تصفية الإمبراطورية العثمانية من ناحية، وكان في الوقت نفسه تعويضاً لايطاليا عن خروجها دون مكاسب كبيرة في عملية تقسيم إفريقيا بين قوى الاستعمار الأوروبي خاصة بريطانيا وفرنسا اللتين خرجت كل منهما بنصيب الأسد من المستعمرات الإفريقية منذ أواخر القرن التاسع عشر، وأمام تخاذل العثمانيين فان الغزو الإيطالي لليبيا فجر حركة تعاطف واسعة في الوطن العربي كله مع نضال الشعب الليبي وامتد هذا إلى بعض الدول الإسلامية وتوافد المتطوعون من العرب على ليبيا وكان هذا جزءا من اليقظة والصحوة العربية عندئذ، وهي الصحوة التي أطاحت بها في سنوات الحرب العالمية الأولى وما بعدها المطامع الاستعمارية البريطانية والفرنسية بشكل خاص، وعامئذ أي في 1911 خاض المناضلون الليبيون مواجهة عنيفة ضد الغزاة الذين قاموا بأعمال وحشية ضد الشعب الليبي الأعزل إلا من إيمانه بحقه في تطهير أرضه ووقف الزحف الأجنبي. كان هذا قبل قرن كامل من الزمان.. واليوم وبعد مائة سنة كاملة يتعرض الشعب الليبي لغزوة جديدة إذا كانت لا تقل وحشية عن الغزو الإيطالي في 2011، إلا أنها استطاعت أن تغطي ما تقوم به بأحداث داخلية في ليبيا نفسها بين سلطات الحكم والشعب الثائر، وضد هذا الحكم الذي وضع البلاد في أتون حرب أهلية حيث استخدم طيرانه وأسلحته الثقيلة الأخرى ضد الثوار الذين خرجوا يطالبونه بترك مقعد الحكم فإذا به يتمسك بكرسيه ويخوض معارك طاحنة ضد الثائرين ويبرر كل هذا بترهات ليس لها في قاموس السياسة والحكم من نصيب، كما راح يصف أبناء الشعب المنتفضين والثائرين بأوصاف لا تليق بالبشر فهم مرة جرذان ومرة «مقملون» ومتعاطون لحبوب الهلوسة.. ولم يكن هذا ـ وغيره كثيرـ إلا تعبيرا عن حالة الشذوذ السياسي الذي عرفته ليبيا في ظل حكم «الأخ العقيد قائد الثورة ملك ملوك إفريقيا» معمر القذافي الذي راح يطارد الثائرين بقوات يقودها أبناؤه بعد أن تخلى عنه كثيرون من أقرب المقربين إليه من أعضاء مجلس قيادة الثورة وهنا يجب أن ندرك أن هناك فارقا بل فوارق بين الثورة الشعبية في كل من تونس ومصر وبين الانتفاضة في ليبيا، في تونس ومصر كانت الثورتان سلميتين بشكل خالص. أما في ليبيا فقد كانت الانتفاضة مسلحة ورفع المتظاهرون منذ اليوم الأول أعلام ليبيا في ظل حكم السنوسية ولم يأت هذا من فراغ، كان أبناء الشعب الليبي يعرفون ـ من خلال خبرتهم الطويلة مع نظام القذافي ـ أنه لن يسلم بسهولة من ناحية، كما أن سنوات حكم هذا النظام أدت ومنذ وقت مبكر إلى وجود معارضة قوية في خارج ليبيا وهي معارضة متعددة الاتجاهات والولاءات ولم يكن فريق منها عازفا عن الاستعانة منذ البداية بقوى أجنبية في الثورة ضد القذافي إلى أن يتم خلعه وطرده أو التخلص منه بوسيلة أو أخرى، ولعل هذا ما جعل فريقا أو آخر من الشعب الليبي يؤازر القذافي وحكمه وينظر إلى الثورة على أنها مجرد تدخل أجنبي من قوى متعددة، وفي الوقت نفسه فإن القوى والمنظمات الإقليمية أي الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية ظلت في حالة شلل تجاه الأحداث الليبية ولم يقدم أي منهما على اتخاذ خطوة جادة لوقف الأعمال التي كانت تتطور بسرعة نحو حرب أهلية وظل ذلك قائما لمدة شهر تقريبا. الأحداث والاشتباكات والعمليات العسكرية المختلفة وأعداد القتلى والجرحى من أبناء الشعب الليبي لم تصل فيما يبدو إلى آذان القائمين على الاتحاد الإفريقي والجامعة العربية إلا في منتصف (آذار) مارس الماضي مع أن رحى المعارك بدأت في 17 (شباط) فبراير الماضي.. وكان هذا هو موقف الاتحاد الأوروبي ومنظمات البحر المتوسط بل وموقف الأمم المتحدة نفسها التي اتخذت قرارا في الخميس 15 آذار (مارس) الماضي بفرض حظر جوي على ليبيا، ودعا القرار إلى وقف فوري لإطلاق النار ـ وكانت فكرة الحظر الجوي قد نشأت من قرار اتخذته أصلا الجامعة العربية مما يعني منع الطيران في المجال الجوي الليبي ـ، ومن الملاحظ أن خمس دول هي الصين وروسيا وألمانيا والبرازيل والهند قد امتنعت عن التصويت على مشروع القرار الذي أدى عملا عسكريا ضد ليبيا عن طريق الصواريخ والطائرات أساسا، وشاركت في الأعمال العسكرية كل من أميركا وبريطانيا وفرنسا ومعها دول أخرى مثل إيطاليا وكندا، وشاركت دول عربية في ذلك منها قطر التي قدمت 4 طائرات إف 16 في حين سارعت روسيا إلى الدعوة لوقف الأعمال العسكرية ضد ليبيا وعقد مجلس الأمن (24/3) جلسة مغلقة لبحث الوضع الليبي الذي أثار خلافات وحزازات بين أركان الحلف الدولي المشارك في الأعمال العسكرية. وخلال ذلك أوضح وزير الدفاع الأميركي أن الأعمال العسكرية »ستتقلص قريبا« بينما قال مسؤول أميركي آخر إن هذه الأعمال ليس هدفها إسقاط القذافي الذي واصلت قواته عملياتها ضد عدد من المدن الليبية في وسط ليبيا وفي شرقها، وفي داخل أميركا بدأت وبسرعة تطفو على السطح مآخذ عديدة على موقف الرئيس باراك أوباما الذي ذهب إلى الحرب دون أن يحصل على موافقة الكونجرس، كما أن هيئات أميركية رفيعة المستوى أعربت عن خشيتها من أن يؤدي قرار ضرب ليبيا جوا إلى تورط أميركي يفتح جبهة أخرى إلى جانب الجبهات المعروفة التي تخوض فيها القوات الأميركية حروبا ومعارك حيث لا يزال العراق درسا يؤرق الأميركيين الذين يخشون تكرار التجربة، خاصة وأن الرئيس الأميركي وأركان حكمه لم يحددوا بالضبط الهدف الذي يجب أن تحققه هذه الأعمال العسكرية مما أثار شكوك أوساط كثيرة أميركية وغير أميركية من أن تنقلب العمليات الجوية إلى عمليات برية خاصة وأن هذه العمليات لم توقف اعتداءات القذافي وقواته ضد المدنيين ولم توقف العمل العسكري الليبي ككل، وتحت شعار إنقاذ «المدنيين من كارثة» ضربت الصواريخ الأميركية أهدافا مدنية في العاصمة طرابلس وقتلت وأصابت مدنيين، فضلا عن ذلك فإن أوباما أصبح في نظر الرأي العام الدولي يتعامل مع ربيع الديمقراطية العربي تعاملا مزدوجا ففي حين يناصر ثوار ليبيا فإنه لم يحتج بالقوة نفسها على ما جرى في البحرين وما يجري في اليمن. ومن الملاحظ أن موقف أوباما ضد القذافي قد شابه تردد كثير لدرجة يقال معها إن ثلاثا من النساء هن اللاتي دفعنه إلى استخدام القوة ضد طرابلس، وهن سوزان رايس المندوبة الأميركية في الأمم المتحدة، وسمانتا باور مستشارته السياسية، والثالثة هي هيلاري كلينتون وزيرة الخارجية التي أفلحت خلال جولة قامت بها في كسب التأييد العربي والأوروبي لعمل عسكري ضد القذافي ومع ذلك تحدث أوباما عن عملية لأيام وليس لأسابيع ودون قوات برية!! ومن الواضح اليوم وفي ضوء ما سبق أنه لا توجد مؤشرات إلى انتهاء الاشتباكات والمعارك في ليبيا في وقت قريب، فقوى الثوار الليبيين لا تزال بادية في عافيتها والتدخل العسكري الثلاثي الأميركي ـ الفرنسي ـ البريطاني لن يحسم الموقف كما أن القذافي وقواته أعجز من أن يقضوا على الثورة التي لا تريد أقل من الخلاص منه ومن أسرته ومن مساعديه، ومن ثم فإن هذا الوضع أصبح يحتاج إلى موقف عربي مبدئي لا يراعي إلا مصلحة ليبيا أولا وأخيرا وصالح أمنها والمقصود هنا ليبيا الشعب والوطن وهذا الموقف يرتكز إلى ما يلي: أولا: وقف العدوان الأطلسي ـ الأميركي ضد ليبيا. ثانيا: دعم الثورة الليبية بشكل وبقدر إبقاء ليبيا وطنا موحدا. ثالثا: المقاومة العلنية والصريحة ضد أي محاولة لتقسيم ليبيا أو احتلال أي جزء من أراضيها. رابعا: ضمان حق الشعب الليبي في اختيار نظام الحكم الذي يريده. ودون أي أحاسيس أو مشاعر إقليمية شفاني الله منها فإن تحقيق هذه الخطوات لصالح ليبيا وأمنها لا يكتمل ولا يتحقق إلا بوجود مصري في الساحة العربية وبدور مصري فاعل وقد بشرتنا صحيفة يومية قبل اسبوع بأن الأيام القليلة المقبلة ستشهد تطورات مهمة على صعيد السياسة الخارجية المصرية، وهذا هو المنتظر والمأمول من وزير خارجية في وزن السيد نبيل العربي الذي يدرك بيقين أن أمتنا طال انتظارها لمصرها ولعل خير تعبير عن هذا ما كتبه الكاتب اللبناني عصام نعمان: «ما جرى في تونس هو ثورة في قطر بينما ما حدث ويحدث في مصر هو ثورة في أمة»، ذلك أن مصر هي قلب الأمة وربع عديدها البشري البالغ 85 مليونا من مجموع 340 مليونا ومركزها الاستراتيجي الحاكم بين قارات ثلاث وقاعدة تراثها الحضاري الأغنى على مر العصور وهذه مصر حقا كانت وستكون، وللذكرى فإن أول أمين عام للجامعة العربية السيد عبد الرحمن عزام ذهب إلى ليبيا في 1911 واسلمي يا مصر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل