المحتوى الرئيسى

الاستقواء بالشعر..!

04/05 08:15

فى كل مرة كان الشعر حاضراً خلف قراره، تعوّد أن يفر إليه كلما واجه أزمة فى حياته المليئة بالعثرات، يكتبه بنفسه مترجماً واقعه، أو يستحضره لآخرين، يسقطه على نفسه، وأحياناً يلوى عنق الكلمات لتبدو منسحبة على حزنه أو فرحه أو عشقه أو غضبه. خلف كل قرار فى حياته تجد قصيدة شعر تأتيه وكأنها الوحى الذى يفصل فى قضيته بحكم نافذ، لا فرق هنا إن كانت بنت أفكاره أو من مخزون قراءاته. تعلمت منه الاستقواء بالشعر، وأخذت هذا الإحساس الخالد بالقوة والجبروت، رغم الوهن الظاهر، لكن الشحن الشعرى الذى علمنى استرجاعه عند الشدة كان من السحر ليهزم هذا الضعف ويعيد صياغة واقعه الهابط ويفتح فى جدرانه ثغرات ينفذ منها ضوء كاشف يبدد كل الظلمات. حين اتخذ قرار الهجرة كانت قصيدة «نشيد الخبب» - لحسن طلب - حاضرة خلف قراره، كان يردد منها: «إن البلد الآن يخرب/ ما عاد من الوادى غير فيافيه/ وحقول الدلتا تجدب/ لكن مازال الأجلاف على الأكتاف/ يسوسون الشعب الجائع / (إن يسوس تساوى يسلب.. يحكم تعنى ينتهب) ». ورغم أن قصيدة «طلب» خارج سياق الأزمة، إلا أنه كان يقول: «الشعر بوقعه عليك وليس بما يقصده الشاعر»، لكن قرار رحيله بقى قراراً مأزوماً لا يجد الحسم حتى عاد الشاعر يغزوه بالقول: «ما دمت عزمت/ فكل بعيد الشوط سيقرب/ إن أقدمت»، «أنا ما شاهدت هنا إلا السجن الواسع/ لا ينقصه غير النطغ مع السياف/ لا رادع يدفع عنى الضيم اليوم.. ولا شافع». المؤكد أن قراره بالرحيل لم يكن يستحق كل هذا الشحن الشعرى، لأن مبررات الواقع أقوى فى الأغلب، لكن ما يؤلمه فى الوطن يؤلم غيره مئات غيره.. آلافاً.. ملايين، ماذا لو فكر كل منهم فى هذا الواقع بتلك القسوة دون استقواء بالصبر؟ لا شىء سيبقى من هذا الوطن بالطبع سوى بعض المرتزقين من إحباط الناس والكيد لهم وحفر الأفخاخ.. وبعض الفسدة حول السلطان.. والسلطان.. ومتاريس كانت تستخدم فى قطع الطرق على قوافل تحمل أملاً ما.. ويعود إليه الوحى: «ما أسعد هذا الشعرور الخانع/ لاذ بخيمته فى التيه/ وأيقن أنى لابد ــ سأخسر/ وهو سيكسب» تدفعه هذه الكلمات لتفكير مختلف: هل أرحل وأترك للفسدة وطنى؟ هل نرحل ونترك هذا الوطن العاق بأبنائه يسقط كمسيح سلمه «يهوذا» للصلب؟! يعود ليجد بين سطور الشاعر ما يدعم: «ما أتعس من يبدأ أمراً لا يستوفيه/ بل يقنع بالأرباع وبالأنصاف/ ويرجع لا هاجم فى الحرب.. ولا دافع»، ومن بين تلك السطور أيضاً شاهد حجم إنجازه الذى كان سيخلفه وراءه لو رحل مضحياً بنضال من صدق القول ووضوح الموقف فيقول مع الشاعر: «أولم ترنى كيف طفقت.. أجد وأنصب/ كى أصنع هذا النص الناصع؟!». فوجئ بالقصيدة تلخص حياته فى كلمات يراها ــ بعد لى عنقها طبعاً ــ معبرة عن تاريخه القصير فى وطن لا يعطى إلا الغرباء أو الأنصاف، فيقول وكأنه يلخص هذا التاريخ: «لم أتفلسف/ لم أضف القول إلى القول ولم أحذف/ فتحريت الصدق ولكن لم أتحر النحو الشائع/ لم أعبأ بأوامره ونواهيه». عندما يقرأ: «يا نكرات الشعر ويا معروفيه : كم أوغلتم فى الإسفاف»، يعترف بأنه لايزال أمامه الكثير لقوله وفعله وإنجازه واستكماله، لم يسقط خيار الهجرة، قل إن شئت استبدل مسارها.. والهجرة داخل الوطن لم تكن نهاية مطافه وقرارها كسابقه لم يصمد أمام وساوس نفسه، التى حدثته بأن شعارات تدعو لصمود يجلب أملاً هى أوهام وسرابات، أو هى للدقة حل العاجز يخدع نفسه بالآمال المنفتحة فى أفق واسع، يستند إلى كلمات الشاعر فى رفض حلول الوسط المائع: «ما أجرأ هذا الخبب الخادع!/ ما أطمعه/ أيظن سيخدع إياى/ يغرينى بالإيقاع لأنسى الواقع/ هيهات أنا لست الإمعة الخاشع/ حاشاى فأخدع غيرى يا خبب وأغر سواى». تنتهى به الحال إلى السقوط بين إغراءين، كلاهما يستهويه، الأول: أن يبقى فى ميدانه يستكمل معركته حتى نهايتها والثانى يعتبر خروجه نهاية لا تحمل اسماً آخر، ويطمئن نفسه: «إن النصر جنين خروج والأمل هناك على شاطئ آخر»، لكنه يحتاج الشعر، يستقوى بأبياته ويفر إليه فيسقط فى دوامة إغوائه وتظل غواية هذه الكلمات تحركه، ينتظر الوحى القاطع لا يأتى فيؤجل موقفه الحاسم.. منتظراً دعم الشعراء!! sawyelsawy@yahoo.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل