المحتوى الرئيسى

الحوار الاقتصادي الوطني بعد الثورة المصرية

04/05 01:17

بعد ما أتاحته ثورة‏25‏ يناير من فرص للحوار الوطني الجاد‏,‏ أتمني عدم إهداره باقتصار الحوار علي قضايا الانتقال علي حساب المستقبل‏,‏ ينبغي للحوار الاقتصادي الوطني أن يتعلم إيجابيا سواء من دروس إخفاقات إدارة الاقتصاد بالأوامر المركزية الإشتراكية‏. كما جسدها انهيار المنظومة الاشتراكية السوفيتية من قبل, أو من إخفاقات إدارة الاقتصاد الحر باليد الرأسمالية الخفية, كما تجلت في كارثة الأزمة المالية الأمريكية, من بعد. وفي أي حوار وطني, ينطلق من التفكير الاستراتيجي في المصلحة الوطنية, ينبغي أن تشغل قضية حماية وتعزيز الأمن الاقتصادي موقعا مركزيا, جنبا الي جنب مع الذي تناولته بشأن قضايا كفاءة وعدالة النظام الاقتصادي, واستراتيجية تنمية وتصنيع مصر. وليس في الحديث عن الأمن الاقتصادي ردة إلي شعار التنمية المستقلة أو إنكار لمعطي العولمة الاقتصادية. إذ تبرز أسبقية حماية وتعزيز الأمن الاقتصادي في قلب الخطاب الاقتصادي العلمي, وعلي رأس التوجه السياسي العملي علي امتداد الساحة العالمية, من اقتصاد السوق الاشتراكية في جمهورية الصين الشعبية الي اقتصاد السوق الحرة في الولايات المتحدة الأمريكية, ومرورا باقتصاد السوق الاجتماعية المهيمن في غالبية الدول الأوروبية! وفي ضوء التعلم الإيجابي من هذه الخبرات العالمية أتصور أنه لا بد للأمن الاقتصادي المصري, القومي والإنساني, أن يرتكز الي قدمين ثابتتين, هما: حماية السيادة الاقتصادية, من جهة, ومضاعفة التنافسية الاقتصادية, من جهة أخري. والأمر أن التحسين المطرد لمستوي معيشة المواطنين إذا أردنا أن يستند الي القرار الاقتصادي الوطني يتوقف قبل أي شيء علي تعظيم تنافسية الاقتصاد الوطني, ومن ثم نصيبه في الثروة العالمية عبر تدفقات ومبادلات التجارة والاستثمار والمعرفة. ويمثل الجمع بين هدف تقليص الانكشاف أو التهديد الاقتصادي وهدف تعظيم التنافسية أو القدرة الاقتصادية, شرط تحقيق المصالح الاقتصادية المصرية العليا, ووقاية الاقتصاد المصري من التهديدات والصدمات الاقتصادية الخارجية. وإذا أرادت مصر أن تواجه مصادر التهديد الخارجي والداخلي للأمن الاقتصادي, فإن عليها أن تنطلق من التسليم بأن كلا من هدفي السيادة الاقتصادية وتعظيم التنافسية يعزز أحدهما الآخر, طالما يراعي الحفاظ علي التوازن الدقيق بينهما, ولا يجور أحدهما علي الآخر! وتتمثل السيادة الاقتصادية في مقدار سيطرة الدولة علي معدل واتجاه التنمية الاقتصادية وقدرتها علي مقاومة العواقب السلبية للتهديدات والصدمات الخارجية. وكما يقول الصينيون ـ أصحاب الخبرة الأهم في الانفتاح الاقتصادي وجذب الاستثمار ومضاعفة الصادرات ـ فان ثمة سلطة اقتصادية غير قابلة للتوزيع; لا ينبغي بحال من الأحوال تتقاسمها الدولة مع دول أخري, ويتوجب أن تنفرد بها الدولة الوطنية. وهنا تبرز في المقدمة حرية اختيار النظام الاقتصادي, وملكية الموارد الطبيعية, والسيطرة في السوق الوطنية, والمشروعات الإستراتيجية الحاكمة, والتكنولوجيات والمعارف الحرجة. بيد أنه ينبغي إدراك أن الانتقاص من السيادة الاقتصادية يتباين حسب القوة الاقتصادية لهذه الدولة أو تلك! ويمثل تعظيم القوة الاقتصادية الوطنية, رافعة رئيسية لمجابهة نزعات التعدي علي السيادة الاقتصادية من جانب حكومات وشركات القوي الاقتصادية الكبري. وقد عانت مصر من إخفاقات هيمنة القبضة القوية للدولة الأبوية, التي هيمنت تحت شعار عدالة التوزيع, وتجاهلت اعتبارات الكفاءة في إدارة الاقتصاد, وعجزت عن تحقيق الاستقلال الاقتصادي المنشود. ثم عانت من إخفاقات إطلاق اليد الخفية للسوق الحرة, التي روجت لوهم أن تغليب المصلحة الفردية الأنانية من شأنه تحقيق المصلحة العامة للمجتمع, وتجاهلت عدالة التوزيع, وقوضت كفاءة تخصيص الموارد, وأهدرت ما تحقق من استقلال اقتصادي. وانطلاقا من الإخفاق في تحقيق الكفاءة والعدالة, وإهدار الأمن الاقتصادي القومي متمثلا في تنافسية ومناعة الاقتصاد, والأمن الاقتصادي الإنساني متمثلا في تحسين مستويات المعيشة, يتوجب علي مصر أن تعيد الاعتبار لأولوية الأمن الاقتصادي القومي والانساني, علي أن تعيد صياغته في ضوء التعلم الإيجابي من الخبرة الوطنية والعالمية. وفي حوارنا الوطني من منظور المستقبل يجب أن نسلم بأنه لا يوجد مفهوم موحد ثابت للأمن الاقتصادي القومي, لأن ثمة فروقا جوهرية في تحديد مرتكزاته بين بلد وآخر, ولأن مصادر تهديد هذا الأمن ترتبط أحيانا بالتصورات والإدراكات أكثر مما ترتبط بالحقائق والوقائع. لكن الفروق في تحديد الأبعاد الاقتصادية للأمن القومي تتصل من حيث الأساس بالأولوية المعطاة لهذا البعد أو ذاك أكثر مما تتصل بالاعتراف بترابطها رغم تشعبها وتداخلها وتعقدها. كما ينبغي أن نسلم بأنه لا توجد وصفة جاهزة لاستراتيجية الأمن الاقتصادي القومي, تصلح لكل وقت وآن, وأن ندرك حقيقة تباين أولويات وإدراكات التهديد, ومن ثم سياسات وبرامج تعزيز هذا الأمن. وانطلاقا من تحديد السبب والنتيجة في تشخيص أهم مصادر تهديد ووسائل حماية الأمن الاقتصادي, القومي والإنساني, أتصور أن التحدي والاستجابة يتمثلان في: أولا, تحدي الأمن الاقتصادي القومي المرتبط بالتأخر الصناعي التكنولوجي, وما يترتب عليه من انخفاض لمستوي التنمية الاقتصادية, وضعف نسبي للقوة الاقتصادية, وتكريس أسباب الفقر. وتفرض الاستجابة لهذا التحدي أن يدور الحوار الاقتصادي الوطني حول خيارات الارتقاء بالتصنيع واللحاق باقتصاد المعرفة لمضاعفة انتاج السلع والخدمات, ذات القيمة المضافة المرتفعة والمحتوي المعرفي الأرقي. فبهذا فقط, يمكن: تعظيم الوزن النسبي للاقتصاد المصري, إقليميا وعالميا, ومن ثم تعزيز دورها في وضع قواعد إدارة العولمة, ومضاعفة نصيب مصر من فرص العولمة الاقتصادية; وتحسين الأداء الاقتصادي الوطني لتحقيق معدل نمو اقتصادي مرتفع ومستدام بالاعتماد علي قطاعات الاقتصاد الحقيقي وتقليص الاعتماد علي مصادر الدخل الريعية; وثانيا, تحدي الأمن الاقتصادي الإنساني المرتبط بفقر الدخل وفقر القدرة, وعدم عدالة توزيع الدخل والثروة. وتفرض الاستجابة لهذا التحدي أن يدور الحوار الاقتصادي الوطني حول آليات تعزيز تكافؤ الفرص, خاصة بالارتقاء بمؤشرات التنمية البشرية, للتحرر من الفقر برفع انتاجية العمل ومضاعفة الدخل; ونهوض موازنة الدولة بدورها في تحقيق أهدافها المالية والاقتصادية والاجتماعية, وخاصة بمكافحة التهرب الضريبي, ورفع سقف ضريبة الأرباح التجارية والصناعية الي المستويات العالمية, وترشيد الدعم بوقف دعم الشركات التي تبيع منتجاتها بأسعار السوق, وتوفير الحوافز الضريبية للمشروعات الإنتاجية ذات الأولوية من المنظور القومي. وثالثا, تحدي الأمن الاقتصادي القومي المرتبط بالانكشاف الخارجي للاقتصاد المصري. وتفرض الاستجابة لهذا التحدي أن يدور الحوار الاقتصادي الوطني حول آليات: ضبط سياسات التحرير الاقتصادي علي نحو يجمع بين مضاعفة مكاسب تعظيم التنافسية لتحقيق وفورات النطاق اللازمة للتقدم الصناعي التكنولوجي, وحماية السيادة الاقتصادية الوطنية لتقليل مخاطر الصدمات والضغوط الاقتصادية الخارجية; وتوسيع فرص المشاركة مع القوي الاقتصادية الكبري, مع تعميق التكامل الاقتصادي العربي والإفريقي لبناء أسس تكافؤ الاندماج في الاقتصاد العالمي, الذي وضعت القوي الاقتصادية الكبري قواعد إدارته بما يعزز هيمنتها, استنادا الي اختلال توازن القوي لصالحها. ورابعا, تحدي الأمن الاقتصادي, القومي والإنساني, المرتبط بفجوات الموارد الغذائية والمائية. وتفرض الاستجابة لهذا التحدي ضرورات: تعزيز الأمن الغذائي بتعظيم الإكتفاء الذاتي من السلع الغذائية, وخاصة القمح عيش المصريين, بتطوير البحوث الزراعية لرفع انتاجية وحدة الأرض المزروعة, واستصلاح كل شبر من الموارد الأرضية المتاحة للاستزراع, ووقف أي شكل للاعتداء علي الأرض الزراعية; وتعزيز الأمن المائي وتقليص فجوة الموارد المائية, بترشيد وتعظيم استخدام الموارد المائية المتاحة, وتنمية المصادر الجديدة, وخاصة بمواصلة نهج الكسب المتبادل مع دولتي شمال وجنوب السودان ودول منابع النيل. وخامسا, تحدي الأمن الاقتصادي, القومي والإنساني, المرتبط بفجوات الموارد المعرفية والتكنولوجية والبشرية. وتفرض الاستجابة لهذا التحدي ضرورات: وقف التسرب من التعليم الأساسي, وتحسين التعليم الفني, والتوسع في التعليم العالي خاصة العلمي والهندسي, وإتاحة فرص التعليم علي أساس معياري العدالة والكفاءة, وضمان الارتقاء بجودة التعليم, واستجابة التعليم والتدريب للطلب القائم والمستهدف علي العمل; وخفض معدل نمو السكان, وتوفير فرص التدريب والتدريب التحويلي; وتقليص مخاطر الفجوة المعرفية والتكنولوجية بتطوير قاعدة البحوث العلمية الأساسية, وتوفير حوافز البحث والتطوير التكنولوجي. وأخيرا, تحدي الأمن الاقتصادي, القومي والإنساني, المرتبط بالتهديدات الجديدة لتدهور البيئة والجريمة الاقتصادية والإرهاب والفساد والاتجار بالبشر, والاتجار غير المشروع للمخدرات والسلاح, حيث تبرز ضرورات: حماية البيئة بوقف هدر الأرض المزروعة وتقليص تلوث التربة والماء والهواء, والمشاركة في مجابهة مخاطر المتغيرات المناخية العالمية, ومكافحة الجريمة الاقتصادية. كما تبقي ضرورة ردع الفساد المنظم والمحاسبة علي جرائمه مع تشجيع الرأسمالية الوطنية المنتجة.taleem@ahram.org.eg المزيد من مقالات د‏.‏ طه عبد العليم

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل