المحتوى الرئيسى

«يهودية الدولة» في الخطاب والممارسة بقلم:ماجد دياب

04/04 21:19

ماجد دياب اتخذ الكنيست الإسرائيلي بتاريخ 16/7/2003 قراراً بضرورة تعميق فكرة يهودية الدولة وتعميمها على دول العالم، ومحاولة انتزاع موقف فلسطيني إلى جانب القرار المذكور، ودعا القرار إلى مواصلة تعزيز المستوطنات وتطويرها وإلى التمسك بالسيادة على القدس بشقيها الغربي والشرقي والاحتفاظ بالمناطق الأمنية. وأخذ الخطاب السياسي الإسرائيلي يتمحور وينتشر بسرعة حول يهودية الدولة والإلحاح على مضامين الخطاب في الداخل الإسرائيلي وفي المؤتمرات الدولية، وقد تأكد التوجه الإسرائيلي عبر محاولة استصدار وثيقة إسرائيلية- فلسطينية مشتركة في مؤتمر أنابوليس بتاريخ 27 تشرين الثاني 2007 تتضمن موافقة فلسطينية على فكرة يهودية الدولة، الأمر الذي يعتبر محاولة إسرائيلية لكسب ليس فقط مشروعية التطهير العرقي الذي مارسته إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني في السابق بل الذهاب إلى أبعد من ذلك. عبر وضع مخططات إسرائيلية لتنفيذ «ترانسفير» إضافي بحق ما تبقى من الفلسطينيين داخل الخط الأخضر، وإغلاق الباب أمام حق العودة للاجئين الفلسطينيين وتصفية الأساس القانوني لهذا القرار( القرار 194) من أجندة الأمم المتحدة وبداية لشطب الحق الفلسطيني وجذب المزيد من يهود العالم. فالحركة الصهيونية وإسرائيل تعتبران يهود العالم بمثابة المادة البشرية لتحقيق أهداف إسرائيل التوسعية من جهة وركيزة لاستمرار المشروع الصهيوني من جهة أخرى، وتتحدث المصادر الصهيونية عن فقدان التوازن في الهجرة إلى إسرائيل فخلال السنوات الثلاث الأخيرة بلغ المتوسط السنوي للمهاجرين إلى إسرائيل 21630 بينما بلغ المتوسط السنوي للمهاجرين من إسرائيل إلى أوطانهم الأصلية 24800 بعد أن حصلوا على الجنسية الإسرائيلية. أميركا تتبنى الشعار تكررت عبارة «الدولة اليهودية» في وثيقة قيام إسرائيل التي قرأها ديفيد بن غوريون في مقر الجمعية التأسيسية اليهودية ليلة 14/5/1948 خمس مرات، ولم يعد مصطلح الدولة اليهودية مجرد تعريف ذاتي للإسرائيليين حسب القانون الأساسي الذي أصدره الكنيست عام 1992 بل أصبح مسألة دولية بعد خطاب جورج بوش في مؤتمر العقبة (4/3/2003) الذي شدد على هذه المسألة وأصبح شرط الاعتراف بيهودية الدولة سياسة أميركية رسمية في عهد الرئيس الأميركي باراك أوباما وبوضوح لم يسبق أن عبر بمثله أي رئيس أميركي وذلك حين جاء في برقيته التي أرسلت بمناسبة ما يسمى عيد الاستقلال « إن فلسطين التاريخية هي الوطن التاريخي للشعب اليهودي » ثم انتقل شرط الاعتراف بيهودية الدولة إلى شرط لا تستقيم التسوية إلا به. منذ اليوم الأول لبدء نشاطها في فلسطين درست الحركة الصهيونية كل احتمال يقع ما بين ترحيل السكان العرب الأصليين عن وطنهم إلى مناطق أخرى وبين إقامة دولة ثنائية القومية، كما اختبرت كل إمكانيات تقسيم فلسطين. لكنها أجمعت على مبدأ أساسي واحد «أرض أكثر وعرب أقل»، تيار الأقلية المنادي بالدولة ثنائية القومية تراجع في أعقاب هبة البراق عام 1929 وصدور تقرير (لجنة بيل) الملكية البريطانية الذي أيد التقسيم عام 1937 وقرارات مؤتمر الحركة الصهيونية في بلتيمور عام 1942 الذي حدد هدف الحركة الصهيونية بإقامة دولة يهودية في فلسطين. وشكل قرار التقسيم الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947 هزيمة للتيار الصهيوني المطالب بدولة ثنائية القومية فالقرار يعني تجنيد الأسرة الدولية بما في ذلك أميركا وبريطانيا لمصلحة التقسيم وحل الدولتين، ومع الإعلان عن قيام إسرائيل عام 1948 انحاز التيار المطالب بالدولة ثنائية القومية لصالح القبول بفكرة الدولة اليهودية. إرهاب منظم شكلت عمليات الترانسفير والتطهير العرقي والتمييز العنصري المسار الرئيسي للحركة الصهيونية التي رأت أن نجاح مشروعها العنصري في إنشاء (الدولة اليهودية) على أرض فلسطين، يكمن في طرد المواطنين الفلسطينيين من ديارهم وإحلال موجات اليهود القادمين من كافة بقاع الأرض عوضاً عنهم. واستندت فلسفة التهجير القسري إلى توصيات وصفها تيودور هرتزل في كتابه (الدولة اليهودية) الصادر عام 1896 الذي تحدث عن إمكانية تهجير الفلسطينيين من وطنهم إلى الدول المجاورة وتشجيع الاستيطان اليهودي، وسعت الحركة الصهيونية بكل السبل للتخلص من الفلسطينيين عبر الإرهاب المنظم وارتكاب المجازر في عشرات المدن والقرى الفلسطينية قبل وأثناء وبعد نكبة 1948م. بعد قيام إسرائيل توزع ما تبقى من أبناء فلسطين والبالغ عددهم قرابة 160 ألفا على ثلاث مناطق رئيسية، الجليل في الشمال ويضم قرابة 52% منهم والمثلث في الوسط والنقب جنوباً. وبعد أسبوعين من قيامها شكلت إسرائيل لجنة الترانسفير لمنع العرب الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم وتدمير القرى التي هجروها بشكل كامل وإنشاء مستوطنات يهودية مكانها، وسن تشريعات لمنع عودة أي لاجئ، واستتبع تشكيل لجنة الترانسفير بلجنة وزارية إسرائيلية للأملاك المتروكة والمنهوبة عرفت (بدائرة أملاك الغائبين) كما تشكلت لجنة ثالثة لمنع العودة نهائياً لأي لاجئ، وأوصت بتوطين اللاجئين في البلدان المضيفة وفضلت العراق لأنه لا يملك حدوداً مع فلسطين وخلال العقود الستة الماضية صدرت عشرات القوانين العنصرية التي تستهدف التضييق على فلسطيني الداخل، وإحكام الطوق عليهم منها قانون المواطنة الذي يلزم كل مواطن إسرائيلي بالوفاء المطلق للدولة وقوانينها ورموزها والخدمة العسكرية أو المدنية. فشل مخططات الاندماج خلال العقود الماضية فشلت إسرائيل في عملية دمج وأسرلة ما تبقى من الشعب الفلسطيني على أرض وطنه التاريخي، بالرغم من كل الجهود التي بذلت من أجل تحقيق هذا الهدف، ولم يأت انهيار عملية الأسرلة من فراغ أو دون فعل مباشر ومتراكم فقد جاءت نهايتها بعد ثلاث أحداث رئيسية كان أولها وأبرزها محطة يوم الأرض في 30/3/1976، وكانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987 محطتها الثانية، لكن المحطة الأبرز والأهم والتي فتحت فصلاً جديداً في حياة الشعب الفلسطيني في أراضي الــ 1948 تمثلت بالانتفاضة الكبرى الثانية عام 2000 واستخدام آلة القمع الصهيوني ضد مظاهرة تأييد غاضبة للشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، الأمر الذي أدى إلى استشهاد ثلاثة عشر مواطناً فلسطينياً وما يزيد على 1000 جريح. فقد أكد العرب الفلسطينيين المتجذرين فوق تراب وطنهم التاريخي بصمودهم وتفانيهم وإصرارهم على البقاء فوق أرضهم وتركوا بصماتهم على اتجاهات التغير حيث تزايد تأثيرهم كقوة سياسية وديمغرافية مهمة وتطورت على أيديهم البنى الحزبية والمؤسـساتية العربية المستقلة عن تأثيرات الحركة الصهيونية في دولة محكومة بقوانين صهيونية عنصرية. والأحزاب العربية داخل فلسطين المحتلة عام 1948 مدعوة للاتفاق على إستراتيجية سياسية واحدة في مواجهة التحديات الوجودية وفي مقدمتها العمل من أجل تكريس الهوية الفلسطينية بكل أبعادها السياسية والثقافية في مواجهة مخططات التهميش والترحيل ويهودية الدولة. الموقف من يهودية الدولة الاعتراف الذي تريد الحركة الصهيونية والحكومات الإسرائيلية المتعاقبة انتزاعه من الفلسطينيين والعرب والعالم باعتبار إسرائيل دولة للشعب اليهودي ليست مسألة شكلية وليست تثبيتاً لواقع أو امتداداً لوعد بلفور وقرار التقسيم، فنحن الآن أمام إلغاء للشعب الفلسطيني على أرضه وإلغاء لحقوقه التاريخية. فالاعتراف بيهودية الدولة من قبل المفاوض الفلسطيني يعني إلغاء للحقوق الأساسية للفلسطينيين الذين بقوا بعد عام 1948 ومن ثم تعريضهم للتهجير باعتبارهم في دولة هي ( للشعب اليهودي ) وفي مواجهة الخطاب السياسي الإسرائيلي بشأن يهودية إسرائيل ثمة رفض فلسطيني لفكرة يهودية الدولة انطلاقاً من أن الاعتراف بيهودية إسرائيل يغلق الباب أمام حق العودة للاجئين الفلسطينيين ويساعد على تنفيذ سياسة اضطهاد عرقي وتمييز عنصري تجاه الأقلية العربية داخل الخط الأخضر. وسيكون من الخطأ الفادح الاعتقاد أن يهودية الدولة هي موضوع يخص اليمين الإسرائيلي فقط إذ أنه موضوع إجماع داخل المجتمع الإسرائيلي بمختلف تياراته وكتله وأحزابه واتجاهاته السياسية والاجتماعية والثقافية. لا حلاً وشيكاً في الأفق للقضية الفلسطينية وبالتالي لا ضرورة لتقديم التنازلات المجانية والقيادة الفلسطينية مطالبة بالتمسك بموقف الإجماع الوطني برفض الاعتراف بيهودية الدولة ورفض استئناف المفاوضات ما لم تلتزم إسرائيل بالوقف التام للنشاطات الاستيطانية كافة، بما في ذلك في القدس الشرقية وباحترام قرارات الشرعية الدولية كمرجعية ملزمة لعملية السلام، بما يعني العودة إلى حدود الرابع من حزيران 1967 وضمان حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم وفق القرار 194 ورفض مشروع الدولة ذات الحدود المؤقتة وتبادل الأراضي والسكان وسائر الحلول الجزئية والانتقالية.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل