المحتوى الرئيسى

"الدِّين" و"الثورة" في ميزان "الوسطية"بقلم: جواد البشيتي

04/04 20:47

"الدِّين" و"الثورة" في ميزان "الوسطية" جواد البشيتي "الوسطية"، في الفكر والمعتقَد، قديمةٌ قِدَمِهما؛ وكثيرٌ من أهل الفكر، أكان دينياً أم دنيوياً، قالوا بها، ودعوا إليها، وفضَّلوها، وامتدحوها؛ وليس من فكر عَرَفَه، أو أنشأهُ وطوَّرهُ، البشر، خلا من "التطرُّف (والمغالاة)"، بوجهيه، أي "الإفراط" و"التفريط"، ومن "الوسطية"، من ثمَّ. على أنَّ الأهم من كل ذلك أنْ تُفْهَم "الوسطية" فَهْماً "نسبياً"، وفَهْماً يقوم على تحديد "المحتوى الواقعي التاريخي" للمفاهيم والأفكار. القول بـ "الوسطية (في الإسلام)"، أو بـ "الإسلام الوسطي"، إنَّما هو قول "مُسْتَغْلَقٌ" ليس بالنسبة إلى عامَّة الناس من المسلمين فحسب، وإنَّما بالنسبة إلى أصحابه، فهذه "الوسطية"، التي يكفي أنْ نقول بها حتى نظن أنَّنا حَلَلْنا "المشكلة" مِنْ ألِفِها حتى يائها، ليست بـ "ذات محتوى" ثابت، لا يختلف (حتى التناقض) باختلاف الأمكنة والأزمنة، وباختلاف المصالح والاحتياجات "الواقعية" للناس، أكانوا من القائلين بها أم من المدعوُّين إلى التزامها (فكراً وممارَسة). أنا "وسطيٌ" بحسب صورتي التي أراها في مرآتي، ففكري وممارستي كما يراهما بصري وبصيرتي (اللذان لا يحيدان قَيْد أٌنْملة عن مصالحي واحتياجاتي الواقعية) إنَّما ينبعان من "الوسطية"، ويجريان في مجراها، ويصُبَّان في مصبِّها. لكنَّ صورتي في مرآة غيري (من معاصريَّ وأسلافي) ليست بصورة "الوسطي"، وإنَّما بصورة "المُفْرِط" أو "المُفَرِّط". "الوسطية" التي يعنيني أمرها إنَّما هي تلك التي يجتهد أصحابها ودعاتها، فيقيمون الدليل (النظري) لعامَّة المسلمين على أنْ لا تعارُضَ بين الإسلام وبين قيم ومبادئ الحياة الديمقراطية (العالمية) التي نَعْرِفَ ونَنْشُدَ، فهمِّيَ الأعظم ليس أنْ يأتوني باجتهاد يُحلِّل لي، أو يُحرِّم عليَّ، توافه الأمور، وإنَّما أنْ يأتوني باجتهاد يُحلِّل، ولا يُحرِّمَ، الديمقراطية بكل أوجهها وصورها. أقول "اجتهاد"، ولا أقول "آية"، فـ "الوسطية" التي إليها نحتاج لا بدَّ من أنْ تكون "ثورة" في "التفاسير"، التي "شاخ" كثيرٌ منها، فـ "شِخْنا" أفراداً ومجتمعات. يهمُّني كثيراً أنْ يجتهد دعاة "الوسطية"، فيَمْنعون (فكرياً وقانونياً) تكفير المسلم لمسلم، أي تكفير كل من يَحْسب نفسه مسلماً؛ لكن يهمُّني أكثر أنْ تنأى "الوسطية" بالإسلام عن كل تطاول على "حقوق الآخر غير المسلم"، فهذا التطاول جريمة تَعْدل جريمة تكفير المسلم لمسلم. يهمُّني أنْ أعرف رأي "الوسطية" في العلاقة بين "الدين" و"الدولة"، فبعض دعاة نَبْذ "العلمانية" إنَّما هُمْ من أشدِّ أنصار إخضاع "الدين" لـ "الدولة"، وكأنَّهم يفهمون "العلمانية" على أنَّها دعوة إلى إنهاء هذا الإخضاع، فيعارضونها؛ لأنَّ مصلحتهم تقضي بإبقاء "الدين" في قبضة "الدولة"، وبإحكام قبضتها عليه. نريد "وسطية" تُفسِّر، وتعلِّل ظاهرة "الإرهاب"، فـ "الإرهاب" ليس بـ "مُنْتَجٍ" من منتجات "النفس الأمَّارة بالسوء". إنَّه مُنْتَج من منتجات "واقع تاريخي" أمَّار بالسوء. وهذا "المُنْتَج" ليس من إنتاج "آية" أو "حديث نبوي"، وإنْ تلفَّع، كغيره، بـ "آية" أو "حديث نبوي". على دعاة "الوسطية" أنْ يغادروا "الرؤوس" و"العقول" و"النفوس" إلى حيث يَضْرِب "الإرهاب" جذوره الحقيقية عميقاً، أي إلى "الواقع التاريخي"، فـ "الوسطية" تظلُّ عاجزة قاصرة ما ظلَّ دعاتها لا يملكون من "الأجوبة" عن "الأسئلة الحقيقية والكبرى" إلا ما يمدُّ "التطرُّف" بمزيدٍ من أسباب الحياة والبقاء. لقد عقدوا لـ "الوسطية" مؤتمرات كثيرة، سعوا من خلالها إلى رد "التهمة"، تهمة "التطرف" و"الغلو" و"الإرهاب"، عن "الإسلام"، لعل القوة الإمبريالية العظمى في العالم ترعوي عن الإيمان بصراع الحضارات، الذي تخوضه بالحديد والنار، وتجنح للسلم، وللحوار بين الحضارات، فالمجتهدون بذلوا من الجهد الفكري ما يكفي لإظهار "الإسلام" (فكرا وممارسة) على أنَّه "الوسطية"، التي لا تعيش إلاَّ في الحرب، وبالحرب، على كل ما تتهمنا به الولايات المتحدة من تهم، كان يمكن أنْ نتهمها بها لو كنَّا أقل ضعفا! "المؤتمرون" عادوا، سرَّاً، إلى أرسطو، الذي كان أوَّل من قال: "خير الأمور الوسط.. لا إفراط ولا تفريط"؛ لكنَّهم لم يهتدوا إلى "طريقة فكرية" تسمح لهم بإظهار "الوسطية" على أنَّها "الإسلام"، الذي هو الدين عند الله، فغادروا "المدينة" من دون أنْ يصلوا إلى "مكة"، أي أنَّهم ضاعوا فكريا ما بين "الإسلام في مرحلته المكية" و"الإسلام في مرحلته المدنية"، وكان حريِّاً بهم أنْ ينبذوا "الانتقائية" في سعيهم إلى إنشاء وتطوير مفهوم "الوسطية"! "الانتقائية" ضارة؛ لأنَّها تسمح لمن يريد مهادنة الولايات المتحدة في طريقة تضرنا ولا تنفعنا بأنْ ينتقي من "الإسلام المكي" ما يستنسب؛ كما تسمح لمن يريد معاداتها في طريقة تضرنا ولا تنفعنا بأنْ ينتقي من "الإسلام المدني" ما يستنسب! في "انتقائية أولى" يجدون ضالتهم في الآيات: ".. فاعفُ عنهم واصفح.. " (سورة المائدة). "لستَ عليهم بمصيطر" (سورة الغاشية). ".. وأعرض عن المشركين" (سورة الأنعام). ".. وإنْ تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإنّ الله غفور رحيم" (سورة التغابن). ".. فإنْ اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السَّلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا" (سورة النساء). "وإنْ جنحوا للسَّلم فاجنح لها وتوكّل على الله.. " (سورة الأنفال). وفي "انتقائية ثانية مضادة"، يجدون ضالتهم في الآيات: ".. وقاتلوا المشركين كافة.. " (سورة التوبة). ".. فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم.. " (سورة التوبة). "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرِّمون ما حرَّم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أُوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (سورة التوبة). "فلا تهنوا وتدعوا إلى السَّلم وأنتم الأعلون.. " (سورة محمد). في "الانتقائية الأولى"، نشق الطريق إلى "وسطية" قد ترضى عنها القوة الإمبريالية العظمى في العالم التي تتلفع بمحاربة "التطرف" و"الغلو" و"الإرهاب" في سعيها إلى فرض هيمنتها الإمبريالية علينا؛ أمَّا في "الانتقائية الثانية" فإننا نشق الطريق إلى "إسلاميين" يحاربون الولايات المتحدة ويعادونها في طريقة تؤذينا أكثر مما تؤذيها! نحن العرب لا نحتاج إلى "الانتقائية"؛ وإنَّما إلى أنْ نتخذ "الديمقراطية" سبيلا إلى أنْ ندرأ عن أنفسنا مخاطر الهيمنة الإمبريالية للولايات المتحدة، فرايتنا يجب ألا تكون في أيدي أناس يجب ألاَّ تكون في أيديهم؛ كما ينبغي لنا ألاَّ ننتزعها من أيديهم لنضعها في أيدي من يسعون إلى "إصلاح الإسلام" في طريقة تجعلنا نسبِّح بحمد الولايات المتحدة وهي تغزونا في عقر دارنا. إذا هم أرادوا "الاجتهاد الديني" فليجتهدوا اجتهاداً يقوِّي فينا روح المقاومة القومية للهيمنة الإمبريالية للولايات المتحدة ولحليفها الإستراتيجي إسرائيل، ويذلل كل "عقبة عقائدية" من طريقنا إلى "الديمقراطية" كما هي في المجتمعات الغربية، وليكفُّوا عن نشر وهم أنَّ العلَّة تكمن في "النفوس" و"النصوص"، فالعلَّة لا تكمن إلاَّ في واقع "الاغتراب السياسي" الذي تعيشه مجتمعاتنا، والذي جعلها، قبل أنْ تَكْتِشَف خلاصها في الثورات، في انتظار "مخلِّص" لن يأتي أبدا! بمزيد من "الاجتهاد الديني" (ذي البعد السياسي) لا بد من التوصُّل إلى "حلول فكرية"، تمنع كل مسلم من النظر إلى القيم والمبادئ الديمقراطية على أنَّها كفر ومروق من الدين، فنظرة كهذه لا تعود بالنفع والفائدة إلاَّ على كل حاكم يؤلِّه الاستبداد! وتوصُّلا إلى ما يسمُّونه "الحُكم الرشيد"، لا بد من تخليص "الإسلام" من قبضة "السلطة"، فهذه "التوأمة" لم تفضِ، بحسب شهادة تاريخها المديد، إلى إخضاع الدولة للدين؛ وإنَّما أفضت إلى إخضاع الدين للدولة، فنحن قَلَّما عاينَّا "سلطة الدين"، وطالما عانينا "دين السلطة"! إنَّني لم أرَ توظيفاً للدين في خدمة المآرب السياسية للحاكم أسوأ من هذا الذي يُرينا إيَّاه الحاكم العربي عندما تُحْدِق به مخاطر ثورة المحكوم، أو الشعب، عليه؛ فهذا الحاكم، الذي نُكِبْنا به، والذي يحكمنا، ويستمر في حكمنا، بكل ما يَفْرِضه عليه اغتصابه السلطة اغتصاباً من وسائل وأساليب، يَرْفُض الزَّج بالدين في السياسة، ويَرْفُض على وجه الخصوص وجود أحزاب سياسية تتَّخِذ من الدين أساساً لها، أو تتلفَّع به؛ لكنَّه يغدو في رُبْع الساعة الأخير من عُمْرِه السياسي، أي قبيل سقوطه، "وليَّ الأمر" الذي ينبغي لـ "الرعية" طاعته، وكأنَّ طاعته من طاعة الله؛ فَمَن يشقُّ عصا الطاعة عليه إنَّما يعصي الخالق، ويتمرَّد عليه؛ ويستطيع شيوخ السلاطين الإتيان بألف دليل شرعي على أنَّ وليِّ الأمر هذا لم يأتِ بما يجعل طاعته طاعةً في معصية الله. القذافي (أو السلطان معمر القذافي) كان له شيخه وهو يسفح دم الشعب الليبي الذي شقَّ عصا الطاعة عليه، فلم يتورَّع هذا الشيخ عن تكفير كل ليبي يعصي وليَّ الأمر المعتصم بجحره في باب العزيزية. ولمَّا سُئِل أحد شيوخ السلاطين عن حكم خروج المسيرات (الشعبية) وما يسمَّى بالمظاهرات للمطالبة بالحقوق أجاب قائلاً: إنَّ المظاهرات نوع من الخروج عن طاعة وليِّ الأمر الذي أمرنا الله بطاعته في غير معصية؛ وهي (أي المظاهرات) طريقة من طرائق الكفَّار في الحصول على الحقوق "وقد نهينا عن التشبُّه بهم". وقال أيضاً: "ومن تلك الدعوات الجاهلية ظهر ما يُسمَّى بالمظاهرات، وأوَّل من أسس هذه المظاهرات هم الكفرة، الذين لا يحكمهم نقل ولا عقل، ثم انتقلت هذه الفتنة إلى بعض بلاد المسلمين على أيدي تلامذة الغرب.. إنَّ المتظاهرين يعيثون في الأرض فساداً، فيقتلون وينهبون ويحرقون ويتعدون على الأنفس والممتلكات حتى قال أحد اللصوص إنَّه ليفرح إذا حصلت مظاهرات لكثرة ما يسرقه وينهبه من خلال مسيره معهم". وتمادى في التحصين الديني للحاكم إذ شبَّه طاعته بطاعة رسول الله، مُذكِّراً بقول عبادة بن الصامت "بايعنا رسول الله على السمع والطاعة، في المعسر واليسر، والمنشط والمكره، وعلى أثرة علينا، وعلى أن لا ننازع الأمر أهله". أمَّا الثورات الشعبية الديمقراطية العربية فرأى فيها "فضيلة" الشيخ "سفكاً للدماء، وانتهاكاً للأعراض". في بعض البلاد العربية، والتي يمكن وصف نظام الحكم فيها بأنَّه "أُوتوقراطي ثيوقراطي"، نرى مغتصبي السلطة (من أصحابها الشرعيين، أي مِمَّن يحق لهم حيازتها، وهُمْ الشعب) يُلفِّعون هذا الاغتصاب بالدين، أو بـ "شرع الله"، ويُنْكِرون، من ثمَّ، أو في الوقت نفسه، "الوجود السياسي" للشعب، فالشعب الذي يحكمونه بـ "شرع الله"، على ما يزعمون، ليس بـ "مصْدَر للسلطات جميعاً"، ولا بـ "مَصْدَر الشرعية (السياسية)" في ممارستهم الحكم. ويكفي أنْ يَزْعُم كل حاكم مغتصِب للسلطة أنَّه يحكم بـ "شرع الله (كما يفهمه ويفسِّره ويؤوِّله هو)" حتى تصبح طاعة الشعب له واجبة شرعاً، لا يَخْرُج عنها إلاَّ كل عاصٍ لله، متمرِّد على أمره. "السلطة" إنَّما هي ظاهرة دنيوية خالصة مهما حرص أصحابها على إلباسها اللبوس الديني؛ وتأسيسا على هذه "الحقيقة التاريخية العظمى" لا بد من ردِّ "الشرعية" في الحكم إلى "الأرض"، أي إلى "الشعب" أو "الأمَّة"؛ وليس من سبيل إلى ذلك غير "الديمقراطية"، بقيمها ومبادئها المعروفة عالميا؛ وكل من تلفَّع بالدين في محاربته للشرعية الديمقراطية إنَّما يحامي عن مصلحة له في اتخاذ "الاستبداد" طريقة في الحُكم. و"الاجتهاد" يجب أنْ يفضي إلى موقف جديد (إنساني وديمقراطي وحضاري) من "الآخر"، أي ممن يختلف عنا ويخالفنا، فالمواطن، مع حقوقه كاملة، لا يتحدَّد، ويجب ألاَّ يتحدَّد، بالدين أو العقيدة أو الجنس أو العرق، فالوطن لكل أبنائه، للمسلم ولغير المسلم، للمؤمن ولغير المؤمن، للرجل والمرأة.. "الآخر" يحق له الوجود، ويتمتع بحقوق المواطنة كاملة، وبالحقوق والحرِّيات الديمقراطية والمدنية كاملة، وبكل ما للإنسان من حقوق. وله الحق في أنْ يظل مختلفا، وفي أنْ يعبِّر، في حرية تامة، عن اختلافه عن المسلم، الذي لا يحق له إلاَّ "مجادلته"، على أنْ تكون بالتي هي أحسن، فلا إكراه في الدين أو العقيدة، ولا حقوق نمنعها عن "الآخر"، ولا "امتيازات" ذات منشأ ديني. "والدولة" مثل "الوطن"، أي يجب أنْ تكون للمواطنين كافة، فلا "المرشَّح" ولا "الناخب" يتحدَّد بالدين أو العقيدة أو الجنس أو العرق، فالذي يقود، ويحق له القيادة، إنَّما هو الذي يتمتع بالشرعية الدستورية، أي الذي يتمتع بصفة "التمثيل الديمقراطي". و"المجتمع الديمقراطي" هو بالضرورة "المجتمع التعددي"، الذي فيه من الديمقراطية ما يحظر كل شكل من أشكال الإكراه الديني والعقائدي، وما يقلل حتى الإلغاء الحاجة إلى اتخاذ "العنف" وسيلة للتغيير، أو وسيلة لإحراز "الغلبة الفكرية". "الأرض والسماء كانتا رتقا ففتقناهما"؛ فلماذا نعيد رتق ما فتقه الله؟!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل