المحتوى الرئيسى

في تونس:حزب لكلّ أسرة !!بقلم:محمّد صالح مجيّد

04/04 21:51

في تونس:حزب لكلّ أسرة !!! إلى حدود تاريخ كتابة هذه الأسطر الذي يُوافق يوم الجمعة25مارس2011، بلغ عدد الأحزاب المرخّص لها في تونس 49 موزّعة على ألوان سياسيّة، وأطباق أيديولوجيّة متنوّعة تنوّع ألوان الرّبيع الذي زحف نضالا على تونس الجديدة فتداعت له الأرض بالإغراء والتبرّج، سعادة بالآتي.و يبدو أنّ العدد مرشّح للارتفاع مع ارتفاع متوقّع لحرارة الطقس والأحوال السياسيّة بالبلاد.ومَنْ يدري لعلّ العدد يصل إلى الستّين عند وصولي إلى خاتمة هذا المقال !!؟؟ . إنّ الإسهال الحزبي على أشدّه هذه الأيام في تونس المحرّرة من نظام الحزب الواحد ،والزعيم الأوحد.ويبدو أنّ عدد الأحزاب سيتجاوز عدد الأحزاب في عديد الدول الأوروبيّة مجتمعة !!.وكأنّ الأمر قد تحوّل إلى سباق محموم للفوز بمكان في صفحات كتاب"غينيتس" للأرقام القياسيّة.إذ بعد أن احتفل العرب طويلا بإنتاج أكبر طبق"تبّولة" في العالم،وبأكبر طبق"كسكسيّ" جلب لهم احترام الدول الغربيّة ومكّنهم من تحطيم كلّ الأرقام القياسيّة في إعداد الأطباق الشهيّة باستحقاق ، جاء دور سباق الأحزاب بعد سنوات عجاف سيطر عليها حزب واحد ذو رأس أوحد يعنّ له أن يصدر مواقف متعدّدة يسبّح بحمدها الأنصار، ويهضمها بصمت ووجل، بعض الأخيار. إنّ عمليّة حسابيّة بسيطة تكشف أنّنا وصلنا في تونس إلى إنجاز عظيم لم تسبقنا إليه دول عربيّة وبعض الدول الغربيّة.وسيسعد بلا شكّ هواة الإحصائيات التّي تساقطت علينا زمن النظام السابق بمناسبة وبدونها بشعار مُغْر "حزب لكلّ 200ألف مواطن". وفي انتظار تحقيق الاكتفاء الذاتي من الأحزاب، والقطع مع سياسة الاستيراد والاقتراض، يمضي رجال السياسية في تونس في تقديم برامجهم لناخب أصيب بعمى الألوان بعد أن تعوّد على لون الدّم يغطّي كلّ الصناديق .ففي هذه الانتخابات العجيبة يتفنّن السّحرة في خطف الأبصار ،وتغيير الألوان التي تدخل صندوق الانتخابات العجيب خضراء أو صفراء تسرّ الناظرين لتخرج منه بقدرة قادر حمراء ناصعة !!..وإنّ ظهور هذا الكمّ الهائل من أسماء الأحزاب يبشّر التونسيّ في قادم الأيّام "بتُخمة حزبيّة" جاءت لتعوّض التصحّر الحزبي المفروض، والجوع السياسي الذي عرفته البلاد على مدى 23 سنة من حكم الجنرال. ولئن كان من السابق لأوانه أن ندرك إن كانت معدتنا السياسيّة قادرة على هضم هذه الأطباق الحزبية التي تعدّدت ألوانها وتنوّعت بهاراتها ، فإنّه مِنْ غير المقبول أن يصل السباق على تكوين الأحزاب السياسيّة إلى حدّ رفع شعار"حزب لكلّ مواطن" أو بقليل من التواضع"حزب لكلّ أسرة".و لم يعد غريبا،في زمن العجائب هذا، أن نجد حزبا سياسيا يقوم باجتماع عام في منزل رئيس الحزب لأنّ أعضاء مكتبه التنفيذي ليسوا في النهاية إلّا أفراد الأسرة المصغّرة والموسّعة لرئيس هذا الحزب !! فهل أصبح إنشاء حزب دعوة إلى "مجلس أحباب" تعدّه الزوجة وبعض الأبناء ،ويحضره الأقارب والأصهار وما جاورهم مِنْ سكان؟؟.وهل سيرتقي مستوى الأداء السياسيّ إلى مرتبة يصبح فيها الحزب الواحد متكوّنا من زوج رئيس وزوجة نائب يخشيان مِن تحوّل الأبناء إلى جبهة معارضة من الداخل؟؟ وما قد يُخشى حدوثه في تونس الجديدة أن يعجز حزب ناشئ على أن يضمن منخرطين يتجاوز عددهم عدد المسافرين في سيّارة أجرة !!.فهل يأتي يوم لا يستطيع فيه منخرطو حزب من الأحزاب اكتراء سيارة أجرة لعدم اكتمال التصاب؟؟وهل سنعيش إلى زمن نرى فيه حزبا معترفا به يتنقّل بكامل أنصاره في سيارة ربحا للوقت واقتصادا في الطاقة !!؟؟. إنّ الناظر إلى بعض البرامج السياسيّة التي تقترحها هذه الأحزاب المتساقطة حديثا يتبيّن غياب الخصوصيّة والتميّز.وقد يقف المتابع على خواء البرنامج السياسيّ ،وغياب إستراتيجية واضحة للعمل السياسيّ المقترح .فهل يكفي أن يعلن أحد الأحزاب مثلا أنّ "تونس" دولة عربية دينها الإسلام ،تحدّها من الجنوب ليبيا ومن الغرب الجزائر ،ومن الشمال والشرق البحر حتى يحصل على تأشيرة ويبحث عن مقرّ !!؟؟وهل يعقل أن يصبح تكوين الحزب أشبه بطلب إنشاء جمعيّة مدنيّة أو منظّمة؟؟ وإذا كانت بعض الأحزاب تعمل على قاعدة القرابة والمصاهرة فاتحة أبوابا جديدا في الاجتهاد السياسيّ الذي قتله التحنيط والتنميط في الممارسة طيلة سنوات حكم الديكتاتور الأوّل والثاني، فإنّ أحزابا أخرى اختارت التنويع على أصل واحد.إذ بعد أن وحّد صفوفها "زين العابدين بن علي" في سجونه ومنافيه ، وحوّلها إلى جبهة معارضة قويّة، انفرط عقدها بعد غيابه .فعادت إلى الساحة السياسيّة تحمل الأيديولوجيا نفسها مع اختلاف لونيّ فرضته ظروف مستجدّة ،وحتّمه تعدّد الزعامات داخل الاتجاه الواحد.وممّا يزيد الأمر قتامة وغموضا أنّ المتابع للفسيفساء الحزبية الجديدة لا يكاد يظفر بما يجعله يقتنع باختلاف هذا الحزب عن الآخر بل في الغالب يحصل لديه انطباع بأنّ هذه الكثرة لا تعني تعدّدا في البرامج السياسية وتنوّعا في رسم الاستراتيجيات ومن الأكيد أنّ الاستحقاق الانتخابي الذي ستقدم عليه تونس سيفرز القوى السياسيّة التي ستتمكّن من الصمود والعيش ،وسيحكم على أحزاب أخرى بأن تظلّ مجرّد لافتات إشهاريّة شاهدة على أحلام أصحابها التي لم تتحقّق. فالأحزاب لا تتكوّن بالنوايا الطيّبة فحسب ،ولا بكاريزما رئيس الحزب-وإن كانت عاملا مؤثّرا-.بل ببرامج واضحة يتآلف فيها السياسيّ والاقتصاديّ ويتعاضد فيها الثقافيّ والاجتماعيّ وفق تصوّر متكامل يخضع إلى أيديولوجيا واضحة في منطلقاتها وغاياتها وآلياتها، تستثمر الماضي نبراسا والحاضر أساسا ،وتستشرف المستقبل. على أنّ "تونس" التي ضحّت بشبابها وأجيالها من أجل رفض الحزب الواحد والزعيم الأوحد لجديرة بحياة سياسيّة تعدّديّة. ويظلّ الخوف -كلّ الخوف- من أن يتحوّل التدفّق الحزبي الذي تشهده البلاد إلى طعام يعسر هضمه على معدة ألفت الخواء على مدى أكثر من نصف قرن. محمّد صالح مجيّد

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل