المحتوى الرئيسى

«الإعلام الأمني» والحراك الاجتماعي والسياسي .. بقلم: بسّام عليّان*

04/04 20:15

« الإعلام الأمني» والحراك الاجتماعي والسياسي بقلم: بسّام عليّان* ليس جديداً أن نشير الى الإعلام بالبنان في ظل الحراك الاجتماعي والسياسي ؛ وليس غريباً أن يوصف الإعلام ، احياناً ، بـ « الأمني » . فحقيقة ؛ إن الإعلام العربي يعيش مأزق ، فهو بقدر ما ينتشر هنا وهناك ، وبقدر ما يأخذ عناوين جذابة وبراقة – احياناً -- هو بعيد كل البعد عن حركة المجتمع بكافة تفاصيلها الاجتماعية والسياسية . وبما أن الاعلام في مأزق ، فهو مؤشر واضح أن الأمة كلها في مأزق ؛ فكلما تقّدم بها الزمان ردّتها انظمتها الى مزيد من الأمية والعامية ، والسطحية ؛ حتى لا يظل حولها صوت يحتج ، أو حنجرة تُعارض ، أو حلم يراود أحداً بأن شمساً اشرقت ذات ربيع من ثنيات الوداع ، أومن اضرحة الشهداء الأبرار ، وعطر الكتاب الكتاب الباحثون عن الإضاءات وتنوير المجتمع . فلذلك ، أعود وأقول : ليس جديداً أن نظل نشير الى الاعلام بالبنان ، حين نعرف أن بعض فئات المجتمع الذي نعيش في كنفه ما تزال مغيّبة لا تعرف أين وصلت مسيرة التقدم في الإعلام ، وما هي المسافة التي يقطعها عاماً بعد عام ، وعقداً بعد عقد ، وقرناً بعد قرن . وفي مقابل هذا ؛ فإن هناك دولاً نصفها أو ننعتها بالمتقدمة ؛ تتقدم فعلاً - لا قولاً - ضمن معايير رقمية ، ترسم لنفسها برامج واهدافاً ، والمسؤول فيها يُحاسب حسب نجاحه في تحقيق هذه البرامج بمقاييسها الاصلية والمعتمدة ، لا حسبما يدّعي ويصف نفسه ، أو حسبما تشيع عنه البوتقة التي حوله ، أو يروج له اصدقاؤه ومريدوه . فلذلك ؛ لا بدّ من فضح ماهيّة " الاعلام الأمني " الذي يروج الخطط الواهية والاهداف الوهمية ؛ مستغلاً وسائله الخاصة التي يتيحها له النظام المستفيد من ترويج سياساته ! فتجد هذه المؤسسة المبنية على " الاعلام الأمني " تروّج لنجاحات غير مرئية لبعض فئات المجتمع المختلفة ، وتتغاضى عن الفشل تلو الفشل للبرامج والخطط التي كانت قائمة قبل عقود من الزمن ؛ فأصبحت تتآكل وتنهار بسرعة وتعلن افلاسها أو بيعها للغريب . لا شك أن هؤلاء الاعلاميين يسوقون حُكم محدد أو مجموعة سياسية أو حزب أو زعيم سياسي خلال توليه المسؤولية بدون أن يكون هناك قياس لما أُنجز وما لم ينجز . وللأسف ؛ فإن مجتمعنا العربي ، يغلب عليه الاتجاه الإنطباعي والوصفي على تحديد الوقائع وقياسها ، بحيث يتم تغليب الجزء على الكل ، فيكفي المسؤول أن يتحدث بعبارات فضفاضة عن فلسطين أو الاحتلال ؛ أو أي قضية أخرى تهم شريحة كبرى من المجتمع ؛ حتى يتوهم بعضهم بأنه المسؤول العظيم والوطني الكبير أو المؤتمن. ومن هذه النقطة بالذات استطاعت بعض الأنظمة أن تجيّش عددا كبيرا من الاعلاميين للعمل في مطابخها ؛ طبعاً ؛ لا لتصنع شعوباً ومواطنين شرفاء وغيورين على مصلحة الوطن والأمة ؛ بل لتهجن منهم الرعايا والضحايا واللاجئين ، بحيث اجبرت بعض الانظمة القائمة المواطن الشريف على أن يُعلنها صراحة بأنه لا مكان له في هذه الحارات التي سلبوها « حديثو النعمة » منه ، ومن مواطنيها الاصليون الذين بنوها وعمروها واقاموها وشيدوها ... !! والكل يعرف ، أن وسائل الاعلام تُسهم في تغيير موقف الفرد ، وتحديد اتجاهات الجماعات ، والتأثير في الرأي العام ، وبالتالي فهي ذات قدرة هائلة على التأثير والتغيير . وعلى هذا استطاع " الاعلام الأمني " أن يقتنص الفرصة ويكتسب قدرته على جعل الناس يعيشون حالة من الوهن والوهم يخيّم على تفكيرهم ، بل يربك هذا التفكير لأنه يصبح اقرب الى حالة الارهاق والخوف والهلع ، بدل الاستقرار والاطمئنان والنشاط ، وينزع الى الفردية والطمع في تحقيق مصلحته على حساب مصلحة رفاقه وأخوته وجيرانه واصدقائه . وهنا تضمن السلطة المتنفذة دورها في تشكيل لوحات الخطط والأجندات والبرامج دون تنفيذ ، وتستبدل الخطط والبرامج الناجحة بهياكل شبيهة لها في الشكل ، ومفرغة من مضمونها الاجتماعي والسياسي ، ويصبح الفرد في المجتمع مجرد رقم ملحق بالسلطة ، يدور في فلك الخنوع والاذلال والولاء للمجهول ، دون أن ينتبه أنه مخلوق ليكون مواطناً نشيطاً صاحب كرامة وعزة وانتماء يتحمل مسؤولية البناء والمشاركة الفعّالة في مؤسسات بناء الوطن . فلذلك ؛ جاء " الاعلام الأمني " ليكون أداة السلطة في حماية كيانها بمسوغات القانون الوضعي ، وتغليف هيبتها بمنظومة أمنية شمولية يقتصر دورها على الاستجابة والتنفيذ ، ويعوّل عليها في تزيين مظهرية الحكم وواجهته ، وتتداخل هنا ادوات الاعلام مع ادوات القمع الأخرى في حالة النزوع الفردي المصلحي . وبحكم الانسجام المصلحي هذا ، يقوم " الاعلامي " المقصود ؛ بتحسين صورة الاجهزة القمعية عن طريق ماكينة دعائية شاملة ، أول ما تعمل على مصادرة رأي الآخر ، وتقيّد حريته ، بل تشطبه كلياً من قائمة الاعلاميين ، بل وتفتح له اضبارة اتهام عن طريق التزوير والتضليل وافتعال قضية غامضة حتى تصرف نظره الصائب وجهده القويّ البنّاء الى علّة ما يريد الخلاص منها ، تجعله يتلمس العفو من صاحب القرار في تسويغها ، وفي مباشرة هذه الحالة تجد الكثير من عمل مؤسسات " الاعلام الأمني " الممتد بالعسس والمخبرين؛ وسبحان الله تجد في أشكال بعضهم ما هو أقرب لتكون مهنته التجسس و تلفيق الأكاذيب وهم ممن يبحثون عن اقتطاع جزء من كعكة النفوذ ، للتأثير في مسار الحراك الاجتماعي والسياسي لبنية المجتمع الذي أُجبر على العيش في دائرة الشك بهذا وبذاك ، دون ان يجد القدرة على مناقشة الحقائق - هذا في حال وجود حقائق ..!! وحقيقة " الاعلام الأمني " كمؤسسة موجودة في غالبية الدول العربية ؛ لا يختلف عن أي جهاز أمني قمعي آخر ، بل هو اكثر قمعاً وضرراً نظراً لتغلغله في وسط دوائر المجتمع بكافة شرائحها ، ونظراً لقدرته على التعريف بنفسه امام الحضور اذا كان كبيراً أو صغيراً ، ومباهاته بصفة عمله المعروف به ، خاصة وأن الانطباع السائد لدى أوساط المجتمع عن المهنة الاعلامية بشكل عام ما تزال ايجابية ، لكون المعرفة السابقة عن هذه المهنة بأنها تقوم على الجرأة والشفافية والمصارحة بالحقيقة . والحقيقة أن الاعلام كمفردة ؛ هي وسيلة تخضع لمقاييس نوعية وكميّة ورقمية لقياس تقدمها أو تخلفها أو انحدارها ، وأحياناً يقع افراد المجتمع وحتى مؤسساته في وهم كاسح في استبيان علاقته ببعض المهن أو تفسيره لبعض المفردات المرتبطة بالمهن ؛ قد تكون نتائجه كارثية إذا لم يتم تدارك المعطيات ، والتعامل معها على أساس القياس العلمي والمنهاج التربوي السليم . ولكني ؛ اريد أن أؤكد حقيقة أخرى وثابتة ؛ هو أن مصير " الاعلام الأمني " محتوم ، مهما اشتد ساعده وطال زمنه وكثرة مؤسساته ، فمساره الى الهاوية ؛ فهو حكم مؤجل ومؤكد من لحظة صعوده . ولئن كانت بدايته اقتناصاً للفرصة والظهور بمظهر الاصلاح من خلال الاعلان عن نفسه ؛ فإن هاجس المؤامرة يبقى ماثلاً امامه طوال فترة عمله ، ويدفعه دائماً الى الريبة والشك باستمرار ومن داخل مؤسسته ، وسيظل دائماً يشكل عبئاً على الاعلام الوطني النزيه والشريف والخالي من الفساد والمفسدين ، وسيظل عبئاً ثقيلاً على الوطن والمواطن مهما حاول من بناء منظومته من شبكة المصالح بصيغ ايديولوجية أو تنظيمية تدعم " حرفته " أو تجعله يطمئن لتقاريره الملفقة والمؤكسدة ، وذلك لأنه يغفل تماماً عن طبيعة الحراك الاجتماعي والسياسي الحقيقي في المجتمعات المتقدمة ، ويجهل – ايضاً- مقاييس النوع والكم والرقم ، ويجهل مقاييس البقاء والتفوق المرتبط بالتقدم والقدرة والصبر والطموح . لذا ؛ فإن " الاعلام الأمني " سيظل أسير صيغة مؤقتة صبغت نشأته ، وجعلت من سقوطه الحتمي مسألة لا يمكن - في حينها - تداركها ؛ تماماً كالعاصفة الفجائية التي مكنته من الارتزاق في الاعلام ..!! • بسّام عليّان ــ كاتب وباحث عربي/فلسطيني www.nice1net.jeeran.com bassam_elayan@hotmail.com http://nice1net.jeeran.com/Page_2.html

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل