المحتوى الرئيسى

الدبلوماسية الناعمة والسياسة الهجومية بقلم:د.مصطفى غريب

04/04 19:48

الدبلوماسية الناعمة والسياسة الهجومية عندما اندلعت الثورات العربية بدءاً من تونس ومروراً بمصر بدأت الدبلوماسية الأمريكية تصدر بيانات تكاد تكون يومية بشأن التدخلات في أنظمة الدول العربية بلا استثناء وكأنها وصية على تلك الدول بما لديها من قوة وما لدى العرب من ثروات تريد أمريكا وقوات التحالف أن يكون لها نصيب الأسد منها . والسؤال المطروح الآن على الساحة السياسية هو: هل ستكتفي أمريكيا في توجيه النصح عبر القنوات الدبلوماسية التي توصف بالناعمة أم ستقوم بالسياسة الهجومية بضرب ليبيا أو سوريا أو غيرها من الدول العربية والإسلامية ؟ . إن ما قامت به الدبلوماسية الأمريكية هو استصدار قرار من مجلس الأمن بمباركة الجامعة العربية يحمل الرقم 1973 بحجة حماية المدنيين لتقوم بعمل عدواني ضد ليبيا ومعها دول التحالف التي انضمت إليها لتصل إلى أكثر من 40 دولة وهل صحيح أن أمة الكفر حريصة على حماية المدنيين في الدول العربية والإسلامية أم هي الفرصة لتنفيذ سياسة التقسيم وهي ماعرفت بتقسيم المقسم وتجزئة المجزأ . هذا السؤال يحتاج إلى إجابة منطقية من خلال دروس وعبر من التاريخ الحديث الذي أثبتت أن أمريكا ودول التحالف التي لم تتوقف عن احتلال الدول سواء في العراق أو في أفغانستان وضرب الدول الأخرى من خلال تصدير ثورات ضد الأنظمة سواء المتحالفة معها أو المختلفة معها بحجة تسويق الديموقراطية الزائفة أو ربما ذات الصبغة الغربية غير القابلة للتطبيق في معظم الدول العربية . البعض شاهد فرط القوة الأنجلو أمريكية والمتحالفة معها في الحرب على العراق وكذلك قوات الناتو التي مازالت تضرب أفغانستان واليوم تضرب ليبيا بكل قوة حتى أنها لم تستثن الجماعات المسلحة المؤيدة لها في ليبيا وقصفت أرتال عرباتهم وهو ما سمي بنيران صديقة . ونريد أن نقول أن الديموقراطية والحرب لا تجتمعان لأن خيار الحرب من سمات الدول الاستعمارية ، أما السلم فربما انتفخت بالونته بالديموقراطية الذي يأتي عن طريق الحوار والمفاوضات أو الثورات أو الاحتجاجات بالطرق السلمية المعروفة كما حصل في بعض الدول العربية. على أية حال إن الحرب والسلم وجهان لعملة الهيمنة ، ومن أخذ العراق وأفغانستان بالقوة فلن يتردد بأن يأخذ ليبيا وسوريا وغيرها من الدول بالمجان عبر مايسمى بالثورات والاحتجاجات السلمية وحماية المدنيين ودعم الجماعات المسلحة ليقتل المسلم أخيه المسلم . وعندما يتم الانتهاء من دولة يتم تنفيذ خطة إستراتيجية ضد دولة أخرى وهكذا والأنظار ستتجه إلى إيران والسودان والبحرين وعمان والأردن والجزائر إلى آخر دولة عربية وكأنها أحجار الدومينو من هنا ستنطلق اللعبة السياسية بقص الشريط إيذاناً بفرض شروط على كل الدول الممانعة والحاضنة للمقاومة أو المطالبة بشعارات وحدوية وستمر هذه اللعبة على محطة الحصار الاقتصادي وتجميد الأموال والعقوبات وتتوقف عند محطة الحرب إلى أن يتحقق مراد الهيمنة. هذه الطبخة الأمريكية ذات البهارات الصهيونية وقد شاهدنا عبر الفضائيات أحد زعماءها في بنغازي اليهودي الصهيوني الفرنسي المُتطرف بيرنارد هنري ليفي الذي يُعتبر من أشد المناصرين لإسرائيل في فرنسا وهو أيضاً من أشد العنصريين ضد العرب والمُسلمين والذي قام بزيارة بنغازي وقام بإنزال العلم الليبي وداس عليه بأقدامه وسط تهليل وتصفيق الجماعات المسلحة ليرفع العلم الصهيوني الذي يؤكد على أن حدود دولة إسرائيل من النيل إلى الفرات . هذه الطبخة التي نضجت على نار هادئة من الجمر الذي لازال مشتعلا في العراق والتي لا يزال ينبعث دخانها بلا توقف في أفغانستان ليلتقي في الفضاء بدخان الحرائق في ليبيا جراء قصف قوات حلف الناتو وللأسف يشارك فيها دول عربية وإسلامية. إن من يقود العالم الآن لا يحتاج إلى أي ذريعة ليقوم بعمل عسكري ضد بلد ما وإذا كان ولا بد فالذريعة المنسوبة إلى سوريا وإيران والسودان أنها دول ما زالت على القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب أو الذريعة التي لايمكن أن يصدقها عقل إنسان أن الجيش الشعبي الليبي يقتل شعبه . إن سيناريو أسلحة الدمار الشامل الذي ثبت أنه كذبة بعد احتلال العراق ولكن في حينها صدقه مغفلوا العرب ما زال يتكرر ضد إيران الإسلامية فالطاقة النووية السلمية فيها يقال إنها لأغراض عسكرية أما إسرائيل ومفاعلها النووي فيغض الطرف عنه أما في ليبيا السيناريو اختلف تماماً فالكذبة أكبر وصدقها مغفلوا العرب أيضاً . وتواجه الآن الأنظمة في سوريا وليبيا نفس مصير نظام صدام حسين وبنفس السيناريو وهو المباركة العربية بل وزاد عليها بالدعم المادي والعسكري واللوجستي والتأييد من جامعة الدول العربية. ولكنها أي الجامعة العربية هي التي تنسق لحرمان الفلسطينيين من أبسط حقوقهم في الدول العربية متذرعين بالقرار ذي الرقم 1547 الصادر عام 1959م الذي طالب بالحفاظ على الهوية الفلسطينية مع مساواتهم بنفس حقوق المواطن العربي في كل بلد يتواجدون فيه وهو القرار الذي ينفذ ناقصاً ويجري الالتفاف عليه بين الحين والآخر حيث أصبح غير ذي جدوى بعدما نسفت قرارات الجامعة العربية كلها من أولها إلى آخرها والمتعلقة بالقضية الفلسطينية أما باقي القرارات فلا ينفذ منه إلا الذي يتناسب مع المصالح الشخصية وأصبحت تكيل بمكيالين أيضاً . وعوضاً عن اتهامات واشنطن وحدها أصبحت الاتهامات من كل حدب وصوب مما يثبت أن ملة الكفر واحدة وهم يقاتلونا كافة ولا نقاتلهم كافة وهم يطمعون في ثرواتنا وهذا مصداقاً لقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم : " يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها . فقال قائل: ومن قلة نحن يومئذ ؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن الله في قلوبكم الوهن. فقال قائل: يا رسول الله ! وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية الموت " سنن أبي داود الرقم 4297 ومهما تحاول الدول المتهمة ظلماً وبهتاناً من النفي أو الإثبات بأدلة واقعية إلا أن طبق النفي والإثبات لا يشبع معدة العملاق الأمريكي أو دول تحالف الشر والعدوان على المدنيين في كل مكان يوجد به مسلمين ومهما حاول حلف الناتو أن يلبس ثوب الوداعة ويطرزه بخيوط الديموقراطية الكاذبة لحماية المدنيين ونهضة الأمة الإسلامية وهم أعداء الأمة . وينبغي لنا في هذا المقام أن نقول إن الحرب على أفغانستان هو الذي نشر الجماعات المسلحة في كل مكان وأن الحرب على العراق نشر الجماعات المسلحة أيضاً في كل مكان ولهذا حتمية دروس التاريخ تقول أن الحرب على ليبيا سينشر الجماعات المسلحة في كل مكان وبالتالي استكمال للسيناريو أن الدول الغربية ستأخذ الإحتياطات اللازمة ضد الإرهاب الذي تعتبر واشنطن مصدر تفريخه هو بعض الدول العربية وإيران أو الدول والمنظمات والأحزاب التي تقف في وجه رغبات إسرائيل هذا الفطر الذي يسترزق قوته ويأكل من دافع الضرائب الأمريكية التي تبحث عن الأموال اللازمة من ثروات الأمة العربية والإسلامية . كما لا يخفى على الباحث المطلع أن الدول الغربية تعاقب أي دولة أو شخص يظهر سوء النية وهذا الكلام ليس بجديد وإنما من تصريحات لوزراء خارجية حاليين أو سابقين أمثال كولن باول الذي حذر فيه سوريا من أنها ستتحمل ما أسماه عواقب تصرفها إذا أظهرت سوء نية - على حد تعبيره - حيال عملية السلام الفلسطينية الإسرائيلية والمسألة العراقية ، إنها لعبة السياسة العالمية التي تعاقب على سوء النية قبل التنفيذ. مازلت أكرر إنها الهيمنة المشبعة بالغطرسة والاستعلاء والفوقية التي تستعمل العصا بدون أي جزرة على أجساد العرب ومن سار على دربهم حتى لا تواجه هذه الهيمنة بمقاومة أو مناهضة دولية. وكثراً مانسمع تصريحات من زعمائهم : أن هناك أوراق عديدة يمكن أن نلعب بها وهو التصريح الأخير الذي أدلى به الرئيس أوباما في معرض حديثه عن ليبيا عندما طلب من حلف الناتو تولي العمليات العسكرية ضد ليبيا. أما ماهية تلك الخيارات الجديدة فهي مجهولة وستبقى كذلك طبقاً للمتغيرات الدولية على الساحة السياسية والعسكرية على الأرض وهنا نحذر من الحوارات أو المفاوضات العبثية مع الغرب لأن هذا الحوار سيكون فيه خديعة كبرى . وكما سمعنا من وزير خارجية قطر قبل سنوات أنه ينبغي على العرب أن يستجدوا أمريكا حول قضاياهم وسنسمع من وزراء خارجية عرب آخرين بفتح حوار مع الولايات الأمريكية أو الدول الغربية الأخرى حول الشرق الوسط أو حول قضايا بعينها كما قال وزير الخارجية السوري فاروق الشرع أثناء الحرب الأنجلوأمريكية على العراق بالقول : أن سوريا تريد من واشنطن حوارا معها وليس تقديم المطالب والإنذارات ونحن نقول أين هي الحوارات البناءة والتي تصب في مصلحة العرب . وكما أثبت التاريخ والدروس والعبر أين هي نتائج مفاوضات السلام مع العدو الصهيوني بمباركة أمريكية أو اللجنة الرباعية إنها مفاوضات عبثية وماهي إلا لذر الرماد في العيون ونحن نرى كل يوم مباركة لمشاريع الاستيطان الإسرائيلية في الأراضي العربية. كما لن ننسى الدرس من المحاولات المتكررة بالضغط على سوريا من الانسحاب من لبنان لتهيئة المناخ أمام سوريا والدعوة لإسرائيل للموافقة على استئناف المفاوضات بهدف إعادة المفاوضات إلى مسارها الطبيعي تمهيداً للانسحاب من هضبة الجولان التي لم ولن تنسحب منها إسرائيل بأي شكل من أشكال المفاوضات وإنما ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة فهو المنطق الوحيد الذي يعرفه الغرب عموماً وإسرائيل خصوصاً . وعودة إلى الشأن الليبي وهي الأحداث الأكثر سخونة هذه الأيام ورغبتي كانت منذ البداية التزام الصمت والابتعاد عن الفتنة ولكن الساكت عن الحق شيطان أخرس لذلك قررت أن أكتب بتحفظ شديد حتى لا أدخل في أتون الفتنة أو أكون طرف فيها بأي شكل من الأشكال فالدماء الليبية هي دماء عربية مسلمة ينبغي أن نحرص عليها ولا نحرض على سفك الدماء بين الليبيين أو أساهم في مشروع تدمير وتقسيم ليبيا. ولكن عمق المؤامرة الدولية الكبيرة تجعل الإنسان المسلم الواعي في حيرة من أمره ولابد أن يدلي بدلوه ليسلط الضوء على بعض خيوط المؤامرة التي حيكت لتقسيم وتدمير ليبيا كما حدث في العراق تماماً أو كما يحدث في أفغانستان الآن فلا مجال إذن للسكوت أو الحيادية وسأتحرى الدقة والموضوعية والحقيقة وإن كانت مرة ومؤلمة . فالثورة الليبية لم تكن سلمية من بدايتها كثورتي تونس ومصر وإنما هي مخطط جهنمي أقرب في البداية منه إلى الانقلاب المسلح من الثورة وهناك فرق كبير بين الانقلاب وبين الثورة وإن كانت في بدايتها قد وجدت قبولاً وتعاطفاً من البعض إلا أن الصورة أصبحت أوضح الآن . ورغم اعتراف الجميع بوجود أخطاء ومعاناة من إخواننا الليبيين خصوصاً فيما يتعلق بحرية الرأي وقلة دخل الفرد الليبي مُقارنة بالفرد التونسي بالرغم من حجم الثروات النفطية الهائلة في ليبيا وانشغال العقيد القذافي في مشاريع الوحدة الأفريقية وتحسين علاقاته مع جيرانه عبر المتوسط كالإيطاليين والفرنسيين الطامعين أصلاً في أرضه ونفطه وطموحاته بالوحدة واعترافه بأن أصدقاءه خذلوه . وعلى الرغم من إغفال القذافي لتطلعات وهموم شعبه وترك زمام الأمور بيد اللجان الشعبية الأمر الذي أدى إلى حالة من الفساد وحالات من الفقر والبطالة بين المواطنين وظهر الفساد بين أولئك الذين كانوا يتمتعون بالملايين من خيرات ليبيا سواء كانوا سفراء أو وزراء أو غيرهم من انتهازيين ووصوليين تمتعوا بأموال وخيرات البلد ثم تحولوا إلى الجانب الآخر ليحصدوا مزيداً من الأموال والثروات , إلا أننا ينبغي أن نؤكد على أن وجود القائد معمر القذافي أفضل بكثير من أولئك الذين يقودون الجماعات المسلحة أو مايسمى بالمجلس الوطني . إن أعضاء هذا المجلس أو من يدور في فلكهم والذين يمكن نعتهم بالانتهازيين والمتآمرين على الوطن بل والخونة ناهيك عن محاولتهم الانقلابية على النظام أو ولي الأمر وأصبحوا أبواق للقنوات الفضائية المأجورة أو التي تأتمر بأمر العدو اللدود للأمة العربية ممثلاً في الصهيونية والإمبريالية الأمر الذي يعرقل عجلة النمو بل وأوقف مشروع الإصلاح السياسي والاقتصادي في البلاد. كل تلك التداعيات الخطيرة شجعت الطامعين في البلاد وحمست الطامحين لاقتسام الكعكة الليبية التي أسالت لعاب الجميع فتكالب الأعداء ومعهم الإمعات للانقضاض على ثروات ليبيا من النفط والغاز والثروات الطبيعية . وكان بالإمكان مُعالجتها في وقتها لو أن وزير الداخلية الليبي الذي كان محل ثقة الزعيم كان متجاوباً مع مُعاناة أهالي السجناء وقام بتخفيف الضغوط الأمنية عن المواطنين وتحقيق مطالبهم المشروعة ولكن الفشل المُتعمد في معالجة الأزمة سارع في اندلاع شرارة الحرب وبدأت تنتقل إلى بقية أطراف بنغازي حتى عمت مدن أخرى في ليبيا . إن أمثال ابن علقمة هم كثر في هذا الزمان وتأبى الخيانة أن تفارق أهلها ولو كانوا هؤلاء ثوار حقيقيون لما نشروا غسيلهم الوسخ على حبال القنوات الفضائية المأجورة لأن الثوار لابد أن يكونوا وطنيون وأصحاب مبادئ وقيم سامية ومواقف عربية راسخة وثوابت إسلامية أصيلة ووحدويون ومتواجدون على تراب الوطن من المواطنين المخلصين . د.مصطفى غريب حرر في 03/04/2011م

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل