المحتوى الرئيسى

مقهى الجفرا

04/04 12:15

أكتب لكم من مقهى «جفرا»، أشهر المقاهى بمنطقة عمّان القديمة بالأردن. هذه سفرتى الأولى فى العهد الجديد، بعدما استردّت مصرُ حريتها وامتلكتْ قرارَها. كعادتى كلما غادرتُ بلادى، أشبكُ فى صدرى بروش علم مصر. له الآن معنى مختلف. لم يعد مجرد رمز يميز بلدًا عن بلد، أو شارةً تشير ألوانُها إلى بقعة فوق الأرض، بل هو اليومَ أيقونةٌ هائلة تقول إن أبناء مصرَ قادرون على الحلم، ثم هم قادرون على تحقيق ما يحلمون به. فى أسفارى السابقة، كان الناس، خاصةً من الغرب الأوروبى، يحدثوننى عن حضارة مصر، ويحكون لى من قراءاتهم الواسعة المعمّقة فى علم المصريات Egyptology، ما يجعلك تندهش من غزارة ما يعرفون، مقابلَ القليل جدًّا مما نعرف نحن عن كنوز أمّنا مصر. قد تغضب من نفسك لأنك لم تقرأ موروثك جيدًا، لكنك بالتأكيد ستحنقُ على وزارات التعليم التى مررت بها فى رحلة تعليمك إذْ قصّرت فى حقك وحق مصر، ولم تعطك ما يليق من معرفة تخصُّ تاريخ أسلافك العظام، واختصرتْ كتبُ التاريخ المدرسّى، عن عمدٍ، أكثرَ الحقب ثراءً، لكى تشكّل وعيَك على النحو الذى يجعل منك مواطنًا فاقدَ الانتماء لوطنك، كاملَ الولاء لحاكميك! الآن أصبح للناس حديثٌ آخر غير حديث الحضارة والماضى.  لمصرَ مجدٌ جديد تكتبه اليوم، غير ذاك الذى ظللنا نستهلكه ونفاخر به قرونًا، حتى ضجِر المجدُ ذاتُه، منا، ولسانُ حاله يقول: «اتركونى وشأنى! لقد صنعنى أجدادُكم، فماذا صنعتم أنتم؟ هل ستظلون إلى نهاية الزمان تفاخرون بما لم تصنع أياديكم؟ وما لم تستطيعوا حتى أن تحافظوا عليه؟» وها نحن نصنعُ. والآن، لابد أن للمجد خطابًا مختلفًا يليق بيناير وثورته. كنتُ على موعد مع صديقتى الشاعرة الأردنية جمانة مصطفى. سألتُها فى الهاتف: «أجيب لك إيه معايا من مصر؟» عادةً أحملُ لأصدقائى أيقوناتٍ فرعونيةً من خان الخليلى. لكن جمانة طلبت هديةً بحجم شاعريتها. «بدّى شى جريدة مصرية صدرت غداة التنحّى». هذا هو تاريخ مصر الجديد وتأريخ إرادة شعبها العظيم. مَن كان يصدق أن يأتى يومٌ نفخر فيه بشىء خارج إرثنا القديم الزاهر! فى المقهى، التقيتُ صديقتى الشاعرة التونسية «يسرا فراوس». فى تونس يكتبونها بالألف المقصورة: «يسرى»، لكننى سأكتبها على الطريقة المصرية. شكرتُها. فابتسمت، وقد أدركت أننى أمتنُّ لتونس أن صدّرت لنا ثورتَها. رغم أن كلَّ ثورة تحمل أسبابَ اندلاعها كامنةً فى صدور شعبها، تنتظر اللحظة. أنا هنا ضمن تسعة شعراء يمثّلون تسعةَ بلدان عربية عدا الأردن، للمشاركة فى أمسيات «شعر فى مسرح» ضمن مهرجان أيام عمّان المسرحية فى دورته السابعة عشرة. على بطاقة الدعوة، تحت عنوان «الشعب يريد»، كتب مدير المهرجان: «قالوا إن بوعزيزى مات منتحرًا، فلن يدخل الجنة! رفعوا صورة سالى زهران بلا حجاب عن صور الشهداء، فإن لم تكن محجبة، لن تدخل الجنة! ونحن لا ندرى شيئًا عن نوايا سالى وبوعزيزى بخصوص الجنة، لكننا نثق أنهما أرادا لبلديهما أن تكونا جنّة». أما «جفرا» - لو سمحت عطّش الجيم وأنت تنطقها هكذا: Jafra - فمعناها معجميًّا: أنثى الغزال أو الشاة الصغيرة قبل بلوغها العام. وهو الاسم الذى أطلقه أحدُ الشعراء العشّاق فى عكا على الفتاة التى جُنَّ بها هيامًا، لكى يكتب فيها الشعرَ دون تشبيب بسمعتها. ولم يتزوج الحبيبان. فتحول اسمُها رمزًا لكل حلم مستحيل. وبعد نكبة العرب فى ميلاد الطفلة إسرائيل عام 48، صارت الجفرا، فى معجم الشعراء، رمزًا لأرض فلسطين السليبة، حلم العرب الأبدى العسير. غنّى لها مارسيل خليفة، من كلمات قصائد الشاعر الفلسطينىّ عزّالدين المناصرة: «مَن لم يعشق جفرا فليدفن رأسَه فى الرمضاء. وترنّمت بها صبايا الشام. عادت لنا «جفرتنا» مصرُ الجميلة. والعُقبى عند بقية «الجفرات» العربية السليبة. يا مصر وحشتينى! fatma_naoot@hotmail.com  

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل