المحتوى الرئيسى

جراحات لتفادي الإنهيارات

04/04 11:17

غسان شربل المَشاهد التي نراها على الشاشات او في الساحات ليست بسيطة. لا نستطيع التكهن بنتائجها، بسبب غياب السوابق التي يمكن القياس عليها. قبل أسابيع أو شهور، لم يكن العربي يجرؤ على ذكر اسم الحاكم إلاّ مُرفَقاً بعبارات التبجيل، كان يخشى ان ينتقده حتى داخل منزله وفي غرفة مسدلة الستائر. فجأة، رأينا شباناً في الساحات يخاطبون الرئيس بكلمة «ارحل». لم يكن زعماء المعارضة في الداخل والخارج يغامرون باستخدام كلمة من هذا النوع. أوقحُ مطالبِهم كانت الدعوة الى الإفراج عن سجناء، أو تخفيف القيود التي تفرضها الأجهزة الأمنية على الأقلام والعقول، وكانت المطالب تأتي غالباً في صورة مناشدات، او التماسات، هاجسها أن المقصود إقناع الحاكم بإطلاق مبادرة، وليس تحدِّيه أو هزّ صورته او طرح مصير نظامه. فجأة، وجدنا أنفسنا في عالم مختلف. كَسَرَ الناس حاجز الخوف، أحالوا أسلوبَ الاستعارات والتوريات الى التقاعد، وبدأ الكلام المباشر، الذي كان ممنوعاً. يكفي الجلوس امام الشاشة لبعض الوقت، في الساحات مطالباتٌ بالإصلاح والتغيير وبالشفافية وتداوُل السلطة ودولة القانون. ولا نبالغ إنْ قلنا إنّ السلطات لم تَعتدْ على سماع مثل هذا الهدير في ساحاتها، وهي تعتقد أن التظاهرات يجب ان تكون موالية أو لا تكون على الإطلاق، وأن الناس ينزلون الى الشارع بتكليف رسمي حتى ولم تم إخفاؤه. السلطات نفسُها تعرف خطورة ان ينزل الناس الى الشارع بمبادرة منهم، او للتذكير بحقوقهم. تبدو الشعارات التي يرفعها الشبان في الساحات بديهية في عصرنا، لكن علينا ان نتذكر طبيعةَ المسرح الذي تطرح فيه، والجمودَ المزمن الذي أدى الى تكلُّس مفاصل النظام وحرمه من أي قدرة على التكيف، والخوفَ الذي يثيره أيُّ تشكيك بشرعية ما هو قائم، وشعورَ حراس القلعة ان نزع حجر من الجدار يعني بالضرورة انهيار الجدار برمته. لهذا، يكون الخوف هو الرد الاول، ومع الخوف يأتي غضب الشرطة ورصاصها، وهكذا يحصل التحرك السلمي على ضحاياه وشهدائه، فتبدأ دورة من تبادل التحديات والضربات، وتغتني حركة الاحتجاج بالمنضمِّين الجدد، وتزداد صلابتها وتتضاعف مطالبها وتنتقل من السعي الى إصلاح النظام الى المطالبة بإسقاطه. لبعض الشعارات التي تُرفع في الساحات جاذبية غير عادية وخطورة استثنائية، خصوصاً في مجتمعات يعاني شبانها من الفقر والبطالة والتهميش وانسداد الآفاق. لكن آثار هذه العواصف التي تضرب الدول تتفاوت من مكان الى آخر، تبعاً لأسلوب الرد عليها وطبيعة البلد ودرجة التماسك في تركيبته السكانية والاجتماعية. لهذا، يتسارع التغيير في مكان، وينذر بحرب أهلية في مكان آخر، ويؤدي إلى ما يشبه التقسيم في مكان ثالث، وقد يخالطه تدخّلٌ خارجي اذا ولغ النظام في دماء المدنيين. معالجة هذا النوع من العواصف تستلزم قرارات صعبة وجراحات جريئة. تبدأ المعالجة بالاعتراف بوجود مشكلة حقيقية. إنكار وجود المشكلة يفاقمها، والرهان على الحل الأمني يعني الخسارة حتى ولو أظهرت الجولات الاولى من حملات التأديب ان النجاحات الآنية ممكنة. لا يمكن معالجة هذا النوع من العواصف باعتبارها أمراضاً غريبة وافدة تسللت الى الجسم الوطني. هذه العواصف ليست وليدة مؤامرات، ولا تحركها السفارات، حتى ولو حاولت جهات خارجية الإفادة من حصولها. إن مسبِّبات العواصف موجودة في الداخل، والحلول الممكنة موجودة في الداخل ايضاً. ان انقاذ البلاد من الغرق في الدم وتبعاته يستحق خطوات كبرى، وإنْ تضمنت شيئاً من المخاطرة يستحق إقالة حكومة، وتفكيك أجهزة، وإنهاء احتكار حزب، وتبديل قاموس تَخاطُب. إن التردد في إجراء الجراحات أخطر بكثير من إجرائها. والمقصود بالجراحات الذهاب مباشرة الى الناس وإشراكهم في ورشة اصلاح شاملة. إن الأزمات الكبرى تعالَج بالجراحات وليس بالطلقات. وحدها الجراحات الجريئة يمكن أن توقف الانزلاق نحو الانهيارات. نقلا عن (الحياة) اللندنية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل