المحتوى الرئيسى

فاروق إبراهيم

04/04 08:20

كان يحتاج فقط إلى جزء من الثانية ليمارس هواية الإبهار الفوتوغرافى، فى خفة الفهد ينقض على الفريسة يشبعها تصويرا، لا يتركها إلا مثخنة باللقطات، لا يعطيها فرصة للتفلت، كانت تستنيم الفريسة لعدسته، لابتسامته الشقية، للطيبة التى يحملها بين جوانحه وتتحدث بها شفتاه. كان ينافس بكاميرته العتيقة أعتى الكاميرات تقنية، كان يضحك بطفولية عذبة، ليس المهم الكاميرا، المهم العين اللى وراء الكاميرا، للإحساس اللى وراء العين اللى وراء الكاميرا، للثقافة البصرية التى تترجم إلى لقطات نافذة، لقطات فاروق إبراهيم كانت تحمل قدرا هائلا من النفاذية، نافذة المفعول، كانت لقطاته ذات أبعاد ثلاثية ليست على طريقة الـ3D، ولكن على طريقة فاروق إبراهيم. كان يتحدى الزمان والمكان، يتفلت من بين الصفوف، ينسل، يصوب الكاميرا، يضبط الناشينكاه الداخلى، تك، كانت اللقطة، كانت الصورة، كانت التحفة الفنية، كان فاروق إبراهيم عمدة التصوير الفوتوغرافى. كان التحدى قاسيا فى زمن توارت فيه الصورة الصحفية خلف الشاشات الفضائية، عندما ينتقل إليك الحدث ثانية بثانية، ما حاجتك لجزء من الثانية، عندما يكون البث حيا، ماذا تنتظر من بعد البث المباشر، ماذا يتبقى لك فى الصباح وفى المساء؟! فقط تحتاج لعدسة الفنان الكبير فاروق إبراهيم، تحتاج إلى عين عم فاروق، يرى ما لا تراه الكاميرات، ويسجل اللحظات، ويوقف عجلة الزمن ليخرج بلقطة ولا أروع. لا تحتاج معرفة فاروق إبراهيم، الإنسان يُعرف من عنوانه، من إبداعه، من فيض موهبته، وعنوان فاروق لقطة هائلة يفاجئك بها ذات صباح، وبعد أن تكون مللت من الحدث وتعددت نشراته وتتابعت لقطاته، وزوايا تصويره ذات الشمال وذات اليمين، وبالجنب، تظل هناك فرصة وحيدة لمصور عبقرى، فرصة وحيدة لفاروق إبراهيم، كان حاذقا يخلق الفرصة، يوسع المساحة، يصوب، يصيب الهدف حتما، من أين لهذا العبقرى بتلك القدرة على اقتناص اللقطات الهائلة؟! المهاجم الخطير خطر داهم على مرمى الخصوم، يسجل من ربع فرصة، من كرة ضالة، من كرة ميتة، المصور الخطير من تلك النوعية الفذة، لا يحتاج كثيرا من الفرص، يخلق لنفسه الفرص، يتجول كصياد أريب حاملا كاميرته على كتفه، باحثا عن لقطة ضالة، ضل عنها الجميع، ليصيب الهدف، عم فاروق لم تكن تشغله الجلسات الرسمية المنشيّة، التى تفوح منها البارفانات، يجول فاروق فى الردهات الخلفية، فى الكواليس، فى فترات الاستراحة، عندما تفك الناس وتستسلم لكاميرا فنان يخلق حالة من البهجة قبل إطلاق فلاشاته، يهل فاروق باسما على المصدر، يهتبله، يضعه فى حالة استسلام كاملة، ينوم المصدر كما يقولون. فاروق للأسف، هكذا كنا نتندر على طريقته العجيبة فى استرضاء المصدر بعد أن يضبطه بكاميرته، يلقط الصور ومعها سيل من الاعتذار، كل لقطة باعتذار، وكل لقطة بحدوتة، الصورة عند فاروق لم تكن بألف كلمة مما يعدون، بل بأكثر كثيراً من العد والحساب بحساب الزمان، فاروق أحرز كثيرا من الأهداف، ولعل ألبوم السادات الخاص الذى أبدع فيه فاروق كثيرا خير شاهد على عبقرية فنان مضى إلى رحاب الله تاركا كاميرا لم تهدأ ولم تنم عن صورة هنا أو هناك. كان التحدى قاسيا، الكاميرا تحال إلى المعاش، الكاميرا جنب صاحبها معتصمة رافضة غاضبة جنب جامع مصطفى محمود، كان الحدث جللا، الكاميرا تحال إلى المعاش، عم فاروق يحال إلى المعاش، أى معاش هذا الذى يهزم كاميرا فاروق إبراهيم! كان خطأ بيروقراطيا فادحا ترك فى نفس فاروق إبراهيم غصة، كان جالسا يحملق فى الكاميرا، يتملّى وجه الكاميرا، الضى لم يفارقه، وينشد أغنية الرائع الراحل عبدالمنعم مدبولى: «زمان زمان وليالى زمان....» ويبكى دمعا، دما على حاله، وهو من هو الأمهر والأشطر، هو الفنان الذى رحل.. ألف رحمة ونور.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل