المحتوى الرئيسى

المصالحة الفلسطينية بين الوساطة والعامل الذاتي: بقلم د. خالد محمد صافي

04/03 20:22

المصالحة الفلسطينية بين الوساطة والعامل الذاتي: بقلم د. خالد محمد صافي يعد التراث العربي والذي نحن جزءاً لا يتجزء منه غنياً بتجارب الخلافات والصراع، ودور الوساطة في حلها وتجاوزها، مع وجود تجارب أخرى ليست بالقليلة عن حل الخلافات من خلال حوار المتخاصمين، وقيامهما بتجاوز المشكلة دون أي تدخلات من أحد. وعندما نتحدث عن الخلاف الفتحاوي الحمساوي فإننا نجد أن العامل الذاتي قد حاول في البداية أن يلعب دوراً هاماً في رأب الصدع من خلال وثيقة الوفاق الوطني التي صاغها الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال والتي تضمنت بنوداً هامة كان يمكن أن يبنى عليها خروجاً من مأزق الانقسام الفلسطيني. ثم دخل الطرفان في جولات حوار متعددة كانت ثنائية أحياناً وتضم فصائل أخرى أحياناً أخرى وذلك برعاية جمهورية مصر العربية. وكان أطراف الحوار يقتربون من المصالحة حيناً بحيث تبدو الأجواء إيجابية والمصالحة قاب قوسين أو أدنى لاسيما على الصعيد الإعلامي من خلال تصريحات قيادات الحوار، ثم تعود عجلة الدولاب إلى الخلف مرة أخرى، وندخل في حملات هجوم إعلامية، وتعود سحب التشاؤم تغطي سماء المنطقة. وبين الاقتراب والابتعاد، التفاؤل والتشاؤم قضينا السنوات الخمس الماضية التي استنزفت من الشعب الفلسطيني الكثير من وقته وجهده وإمكانياته، كل ذلك وسط نشاط إسرائيلي استيطاني غير مسبوق، ووسط إجراءات غير مسبوقة من تهويد القدس، وفوق ذلك التسارع في إقرار قوانين في الكنيست لتأكيد هوية الدولة الإسرائيلية كدولة يهودية. ويستمر الحصار على غزة، وتزداد نقاط التفتيش في الضفة التي تحول الحياة اليومية للشعب الفلسطيني هنا وهناك إلى جحيم. وأمام هذا الواقع تاه المشروع الوطني، وتشظت الهوية، تقوضت عوامل الصمود، وانتشرت بين الشباب ثقافة الهجرة للخارج. وأمام ذلك كله كان لابد من الدعوة إلى وقفة تقييمية من طرفي الصراع، وأن يحسبا بدقة الإنجازات والإخفاقات خلال الفترة السابقة، مع ضرورة الوقوف بأمانة وموضوعية أمام الذات، ومحاسبتها عما اقترفته بحق الوطن والقضية والشعب. ويعني ذلك البحث عن معالجة موضوع الخلاف والانقسام، والسعي الدؤوب نحو عناصر الاقتراب لا الفرقة، عناصر الوحدة لا الانقسام. والابتعاد عن البحث عن مبررات الانقسام وترويجها. وعدم تعليق مشاكلنا وانقسامنا على الشماعات من خلال ترديد عبارات "أن إنهاء الانقسام ليس شأناً فلسطينياً بل عربياً وإقليمياً ودولياً". ونحن هنا لا ندفن رأسنا في التراب حيث ندرك حجم المؤثرات التي تؤثر في الشأن الفلسطيني ومع ذلك لابد من التأكيد أن المصالحة الفلسطينية شأناً فلسطينياً يجب التركيز عليه وتحقيقه من خلال إضعاف المؤثرات الأخرى. وهنا يجب أن نؤكد أن التآمر سمة من سمات الدول كونها تتكون من مجموعات بشرية، فتتصف الدول هنا بصفات البشر. وأن السياسة كما يمكن أن تعرف بأنها فن الممكن، يمكن النظر إليها على أنها فن تحقيق المصالح. وأن مبدأ الغاية تبرر الوسيلة هو مبدأ شائع على صعيد السلوك الفردي والسلوك الدولي. وهنا لابد من التساؤل هل يمكن أن نتوقع عدم تآمر الجانب الإسرائيلي علينا شعباً وأرضاً وقضية؟ ألم نسمع ونقرأ بوضوح تصريحات بنيامين نتانياهو ، رئيس الوزراء الإسرائيلي "بأن على الرئيس محمود عباس أن يختار بين السلام مع إسرائيل أو المصالحة مع حركة حماس". إن التآمر الإسرائيلي على وحدتنا واضحاً وضوح الشمس ولا يمكن إنكار تأثيره ودوره كوننا عملياً تحت الاحتلال الإسرائيلي ومع ذلك يجب ألا ننكر أن إرادة الشعوب تعد عاملاً رئيساً في السياسة. وعندما نقول أن التآمر هي إحدى سمات ممارسة السياسة قديماً وحديثاً فإننا في الوقت ذاته نقول إن رد الصاع صاعين هو أيضاً سمة من السياسة الممارسة عبر التاريخ. وإذا كان الآخر يتآمر لأنه عدو فمن حقنا أيضاً أن نفشل التآمر ونرد الصاع صاعين. وأن نعلن أيضاً أننا لن نفرط بوحدتنا حتى لو كان ثمن ذلك سلام حقيقي مع الجانب الإسرائيلي فما بالكم لو كان هذا السلام القائم هو سلام هزيل وهش ولا وجود له على أرض الواقع، وأنه قائم على مبدأ الاستسلام والخنوع وليس العدل والمساواة والندية، وإحقاق الحقوق. ولتكن رسالتنا لنتنياهو بأن يذهب هو وسلامه إلى الجحيم مقابل وحدة شعبنا وتوحد إرادته لأن التاريخ أعلمنا أن الشعوب لا تنتصر بانقسامها وتشرذمها بل بوحدتها وقوة إرادتها. وأن السلام لا يقدم على طبق من ذهب بل ينتزع انتزاعاً من العدو عندما يحترمك ويدرك قوتك ونديتك له. وهنا لابد من القول أن من يبحث عن مبررات الانقسام فإنه سوف يستمر بذلك إلى مالا نهاية، ومن يبحث عن عوامل التقاطع والتلاقي فسوف يجدها. ومن يرغب بتحمل المسؤولية عليه أن يدرك حجم الصعب والمعوقات لأن تحمل المسؤولية يعني العمل الدؤوب من أجل النجاح. وهنا نستطيع القول الواقع القائم الآن يفرض علينا تعزيز العامل الذاتي في تحقيق المصالحة الفلسطينية. فمن الواضح أن مصر التي حملت ملف المصالحة للسنوات السابقة هي منشغلة الآن بقضاياها الداخلية، وأنها تعيد الآن ترتيب أولوياتها. ولذلك يجب عدم الانتظار حتى تنتهي من تحدياتها الداخلية حتى تتفرغ للمصالحة الفلسطينية. صحيح أن القيادة المصرية الحالية قد أعلنت في أكثر من تصريح اهتمامها بالمصالحة الفلسطينية، وأنها تعمل على هذا الملف، ولكن علينا أن ندرك أن القيادة المصرية ترسل رسائل تطمينات ولكن على أرض الواقع هي منشغلة بإعادة ترتيب البيت المصري، ومحاولة رسم خريطة النظام السياسي المصري، وأحزابه أكثر من اهتمامها بالشأن الفلسطيني حتى لو كانت تصريحاتها الإعلامية غير ذلك. وهذا يدفعنا إلى ضرورة العمل على التركيز على العامل الذاتي. فهناك الحراك الشبابي، وهناك مبادرة الأخ دولة رئيس الوزراء إسماعيل هنية، وهناك مبادرة الأخ الرئيس محمود عباس. أي هناك مبادرات طيبة وجهود حثيثة علينا أن نعمل على إنجاحها، وأن يتم التشهير بالأصوات النشاز التي تحاول أن تضع العصا في الدولاب. ولا مانع أن يتم التعاون هنا مع الإخوة المصريين، ولكن علينا أن نمسك نحن زمام أمورنا، وعلينا نحن أن نقلع شوكنا بأيدينا. وأن نعمل على جعل الوساطة المصرية وساطة بروتوكولية ليس أكثر.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل