المحتوى الرئيسى

حنان عبد الفتاح بدر تكتب: من الهامش إلى المركز: العدالة المعرفية هى الحل

04/03 19:47

جاءت الثورة لتتمرد على قيود الظلم وعدم المساواة فى كافة المجالات وتطرح الفرص للمهمشين من الشباب والفقراء والمستضعفين والمبعدين وغيرهم للمساهمة فى صياغة مصر، ولعل ديناميكة التطورات فى الأيام القليلة فى بداية الثورة أبرزت كيفية تحدى المهمشين لمحتكرى القوى على الساحة السياسية بقوة عبر شروخ النظام السابق ونجاحهم فى اقتحام الأحداث بل والمشاركة فى صناعتها كما رأيناها.وفى إطار احتكار النظام لأدوات صناعة الوعى كمؤسسات الإعلام والتعليم والفن على مدى السنوات الماضية سادت آلية التهميش لمن يتحدى الخطاب السائد (مع بعض الاستثناءات النسبية وأعراض التكيف)، وكرد فعل راجت مساحات بديلة للتعبير عن الرأى المختلف ونشر وعى يخاطب المسكوت عنه باعتبارها تخلو من القيود الرقابية المعهودة ، ومن بعض مظاهرها رواج الموسيقى البديلة وكتابات الشباب الساخرة وساحات الإعلام البديل على الإنترنت مثل المدونات أو ساحات المواقع الاجتماعية مثل تويتر والفيسبوك ، وقد بدأت هذه المضامين البديلة تطفو على سطح حركة النشر والإعلام فى السنوات القليلة الماضية وتتحرك تدريجياً من الهوامش إلى الخطاب السائد، ومن أشهر الأمثلة إنتاج مسلسل عايزة أتجوز الاجتماعى المأخوذ عن مدونة اجتماعية لغادة عبد العال وعرضه فى موسم رمضان ذى نسب المشاهدة المرتفعة وهو المسلسل الذى طرح خطاباً مغايراً عن العنوسة وإن انحرف قليلاً عن الخط اللاذع المرير الذى ساد المدونة الأصلية.عودة إلى الحديث عن الثورة: لا سبيل للنهضة دون تحقيق العدالة من خلال إتاحة المجال أمام المهمشين للتواجد فى الساحة، وقد ساد صناعة الوعى تحديداً خلل هيكلي فى تدفق المعلومات أمام من لا يملك الأدوات الاتصالية الحديثة كالكمبيوتر أو الإنترنت فيما يناقض مبدأ العدالة وتكافؤ الفرص فى تكوين الرأى، وأصبح مَن يملك أوفر حظاً مِن مَن لا يملك لتزايد فرصه فى الإطلاع على رؤى مغايرة عن الرؤية السائدة، تعنى العدالة المعرفية أن يتساوى الناس معرفياً أى أن تكون مصادر المعلومات متاحة للجميع لأن من حق المواطن أن يكون وجهة نظره دون خلل أو سوء تدفق المعلومات أو قصرها على النخب فقط.تنعكس علاقة العدالة المعرفية بالحياة السياسية بصورة رئيسية على سلوك المواطن السياسى والانتخابى فقد أثبت التحليل الإحصائى لنتائج الاستفتاء مثلاً أن متغير التعليم كان العامل المؤثر فى النتائج، أى أن المحافظات الأكثر حظاً من التعليم كانت أكثر معارضة للتعديلات، وغنى عن الذكر أن الحصول على التعليم ومدى جودته فى مصر يرتبط للأسف بالمستوى الاقتصادى والاجتماعى للأسرة التى ينتمى لها الطفل، أى من ولد فى أسرة فقيرة أقل حظاً فى الحصول على تعليم مواكب للعصر وبالتالى أقل فرصاً فى المرور بالحراك الاجتماعى على المستوى الفردى، إضافة إلى ذلك تأتى إشكالية التعددية القائمة فى مشاريع التنشئة من خلال تعدد المسارات التعليمية ما بين تعليم عام وخاص وأزهرى وعربى ولغات على سبيل المثال وهى مشكلة لفت النظر إليها د.طه حسين منذ عقود قبل تفاقمها بهذا الشكل، هذه التعددية فى المسارات على رغم من بعض الإيجابيات باعتبارها مظهر من مظاهر الليبرالية الفكرية تكرس فى الوقت ذاته تنافر مصادر الوعى والمعرفة وتسفر عن تعدد المشاريع المطروحة لنهضة مصر بدلاً من توافقها.عندما أطلق البعض مصطلح ثورة الفيسبوك أو ثورة الإنترنت على الثورة المصرية قد قصده تقليلاً من شأنها باعتبارها مجرد فى الفضاء الإلكترونى لكن الواقع أن تطور الإنترنت جعلها مصدراً من مصادر المعلومات ولعب موقع فيسبوك الاجتماعى تحديداً دوراً مهماً فى نشر وتشبيك المعلومات على اختلاف وسائطها سواء مقروءة أو مسموعة او مرئية ليصبح بمثابة النشرة الإخبارية الخاصة بكل مستخدم تختلف حسب استخداماته وميوله، وإن افترضنا أن مجال الإنترنت هو مجال بديل عن الإعلام الرسمى فنحن نشهد اليوم محاولات لسد الفجوة المعرفية -باعتبارها فجوة فى الوعى نتيجة الوضع السياسى والاقتصادى للمواطن- ومحاولات لتحرك المهمشين إلى المركز، اى من الإنترنت محدود الانتشار إلى وسائل الإعلام ومن أبرز مظاهر هذا الحراك: تزايد البرامج والنشرات التى تنقل عن الفيسبوك وتويتر فى وسائل الإعلام التقليدية بحيث ترصد وتلخص أبرز المضامين وكذلك انتشار البرامج الساخرة التى تنتج خصيصاُ على الإنترنت مثل باسم يوسف ومنى توف ثم نجدها نتنشر عبر وسائل الإعلام المتاحة للغالبية.ومن أبرز مظاهر حراك الهامش إلى المركز على الساحة العربية استجابة مؤسسة إعلامية كبرى مثل قنوات الجزيرة لتوقعات 85 مليون مواطن مصرى والذى تمثل فى إطلاق قناة الجزيرة مباشر مصر لمتابعة التطورات المتلاحقة فى ظل تراجع أخبار مصر مع بروز أخبار الاحتجاجات والثورات فى الدول العربية المجاورة، وهى قناة قليلة التكلفة نسبياً تتابع الشأن المصرى فحسب فيما يعد اعتراف لحق المشاهدين المصريين فى المعرفة واعتراف بوزن مصر الإقليمى كذلك والتى يمثل سكانها ثلث الوزن الديموغرافى للمواطنين العرب، وتحفظى الوحيد على هذه القناة أنها قطرية الجنسية، ليس تشكيكاً فى نواياها، وإنما كان هذا واجب القنوات المصرية التى نمولها من جيوبنا كدافعى ضرائب والتى تسكت عن كل الزخم السياسى الراهن لتعرض أغلب الوقت مضامين ترفيهية بحتة لا تخاطب الهم العام الحالى باستثناء بعض البرامج المعروفة.هذا الحراك من الهوامش إلى المركز يؤكد أنه لا سبيل لبناء وعى حقيقى غير مزيف وغير مخدر إلا باستمرار تزايد المساحة المتاحة لمن غابوا عن ساحة الإعلام السائد والرسمى وذلك تحقيقاً لمبدأ التساوى فى فرص الإطلاع على ما هو مختلف، فى النهاية العدالة المعرفية هى الحل.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل