المحتوى الرئيسى

مصطلحات ودلالات وتعليقات 18 (الأعمال الوحشية) بقلم:ياسين السعدي

04/03 19:00

هدير الضمير مصطلحات ودلالات وتعليقات - 18!! (الأعمال الوحشية) ياسين السعدي (الوحشية) مصطلح قديم متجدد يطلق على أفعال يقوم بها بنو الإنسان ضد بني الإنسان، مما يأنفها الطبع الإنساني السليم، وترفضها الطبيعة الإنسانية الصافية لقسوتها وبشاعتها؛ كالتمثيل بالجثث بعد القتل أو الإفراط في استخدام العنف ووسائل التعذيب الرهيبة التي توصف تجاوزاً بالوحشية. ينسب العمل العنيف الذي يقوم به الإنسان ضد أخيه الإنسان بسلوك الوحوش التي تنقض على فريستها وتمزقها بعد قتلها والإجهاز عليها. ولكن يستمر التمزيق وتتواصل أعمال التنكيل قبل الموت وبعد الموت إمعاناً في استخدام القوة، فتوصف مثل هذه الأفعال ب (الوحشية) نسبة إلى الوحوش المفترسة وطريقة التعامل مع فريستها. لكن الاصطلاح ليس دقيقاً تماماً، لأن الإنسان يتصرف، وهو يدرك أنه يقوم بعمل شنيع يتصف بالبشاعة. ومع ذلك، يواصل سلوكه ويطور وسائله ويبتكر أساليب جديدة لم تكن معروفة في السابق؛ لأنه يستعمل عقله في ابتكار وسائله وتطويرها، بينما الوحش يتصرف بأسلوب تحكمه الغريزة ولا يطوره أو يبتكر أساليب جديدة. (الوحشية) صفة غير دقيقة تماماً عندما تطلق على بعض ما يقوم به الإنسان ضد أخيه الإنسان منذ القدم وإلى اليوم وإلى آخر الزمان. فالوحش منذ بدء الخليقة وإلى نهايتها، لم يطور مخالبه ولم يجدد أنيابه ولم يبتكر وسائل جديدة يستخدمها في القضاء على (أخيه) الوحش أو لافتراس الإنسان. الوحش يقتل وحشاً مثله أو ربما إنسانا، ويمزقه لكي يتمكن من التهامه تلبية لحاجته الغذائية بحكم الغريزة، ولكنه لا يبالغ في تصرفاته. فهل يكتفي الإنسان بالقضاء على الإنسان كما يفعل الحيوان؟ لقد طوّر الإنسان أدواته القتالية من استعمال الحجر والسيف، إلى ابتكار البندقية بكل ما مر بها من تطوير، إلى الصواريخ العابرة للقارات، إلى السلاح النووي الذي يدمر كل شيء يستعمل ضده من الأحياء والجماد، فكيف يجوز تشبيه تصرف الإنسان بتصرف الحيوان؟ قال تعالى في وصف أصحاب القلوب القاسية في الآية 74 من سورة البقرة: (ثم قست قلوبكم من بعد ذلك؛ فهي كالحجارة أو أشد قسوة، وإن من الحجارة لَما يتفجر منه الأنهار، ومنها لَما يَشَّقَّقُ فيخرج منه الماء، وإن منها لَما يهبط من خشية الله، وما الله بغافل عما تعملون). وهل أبلغ من هذا الوصف لمن يمارس أعمالاً انتقامية أكثر قسوة مما تقوم به الوحوش؟ هل يمزق الوحش جثة الوحش وينتزع بعض أجزائها الداخلية لكي يأكلها تشفياً وانتقاماً، أو لكي يلوكها ثم يلفظهاً، كما فعلت هند بنت عتبة بجثة حمزة، رضي الله عنهما، في معركة أحد عندما انتزعت كبده من جثته؟ لقد شاهدنا على شاشات الفضائيات ذلك الشاب الليبي الذي يكاد يتفطر قلبه حزناً وألما، ويتفجر ضميره غضباً لما حل به، وما لاقى وطنه ويلاقي شعبه من ممارسة (الأعمال الوحشية) التي تقوم بها كتائب القذافي، فيقسم متوعداً بأنه سوف يخرج جثة القذافي من قبره أو من (حفرته) كما يقول، انتقاماً وثأراً منه لهول ممارسات كتائبه (الإجرامية). حتى قبور الأمويين بعد أن مر عليها عشرات السنين نبشت، كما ورد في بعض المصادر، من قبل (رجال) العباسيين بعد (الإطاحة) بنظام الحكم الأموي، انتقاماً من أصحابها، وإن قيل باستثناء قبر الخليفة عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه. قال المتنبي قبل أكثر من أحد عشر قرنا من الزمان في مفهوم تطوير السلاح: كلما أنبت الزمان قناةًً ركَّبَ المرء بالقناة سِناناً (القائد المناضل) الذي يقصف مواطنيه بالطائرات والقذائف الصاروخية ومدافع الدبابات، (والرئيس المتحضر) الذي يسمح باستعمال الغازات السامة ضد (أبنائه) من المواطنين، وإطلاق الرصاص الحي على صدورهم العارية ورؤوسهم المكشوفة، ويقتلهم في الساحات العامة للحفاظ على بقائه في السلطة، هو أكثر توحشاً من الوحش الذي يعيش في الغابات، لأنه يدرك فداحة تصرفه وجسامة جريمته. أما الوحش فهو يتصرف للحصول على حاجته الغذائية لكي تبقيه على قيد الحياة. لا يهاجم الوحش إلا لحاجته إلى طعامه. لكن (الوحش البشري) يقتل ويقوم بأعمال إجرامية لا تكون من اجل حياته، وإنما تحقيقاً لأطماعه ونزواته وتلبية لشهوة السلطة، أو للحصول اغتصاباً على أمور ليست من حقوقه، كما يحدث في الحروب التي يشنها المستعمرون والمغتصبون لحقوق الشعوب وحرياتها، فيزهقون الأرواح وينهبون الممتلكات. الوحش البشري إنه الوحش الذي يكون على هيئة الإنسان، ولكن ليس له شرف الانتماء لمرتبة الإنسان، وإنما هو من مراتب الحيوان. إنه الذي يمارس إعمالاً لا تقوم بها الوحوش في البراري ولا تمارسها الحيوانات في الغابات. تمارس الحيوانات حياتها الجنسية في الغابة أو حتى في اًلاسطبل أو في حديقة الحيوان من غير اهتمام لنظرات غيرها من الحيوان أو من بني الإنسان. إنها طبيعتها الحيوانية. لكن لم يحدث قط أن سمعنا أو شاهدنا، كفلاحين عشنا في الريف ورأينا الحيوانات الداجنة أو الوحوش التي تعيش في الخلاء، أن يجتمع على أتان أكثر من حمار أو يطارد أكثر من ثور (ثورة) واحدة. لكن (المناضلين) و (المقاتلين الثوريين) من كتائب القذافي؛ سواء منهم المرتزقة الغرباء، أو من (الوحوش المدجنين) الذين رباهم العقيد، قاموا بما لم تقم به الوحوش من (العمل الإنساني) على الفتاة الليبية، (إيمان العبيدي)، التي قام نحو خمسة عشر (وحشاً بشريا) من كتائب القذافي بالتناوب على اغتصابها. فهل حدث أن فعل حيوان ما فعلته هذه الوحوش؟ في الحرب الأهلية اللبنانية قام (مناضل وطني) و (قائد شعبي) باغتصاب زوجة خصمه أمام عينيه وعيون أطفاله، ثم قام برميه بالرصاص أمام أنظارهم. فهل قام حتى أحط الحيوانات وأخس الوحوش، بما قام به مثل هذا (الوحش البشري)؟ في أيام محنة البوسنة والهرسك نفذت (وحوش الصرب) الأعمال (الإنسانية) التي لا تقوم بها الوحوش، ولكن بصورة أكثر فظاظة وأشد فظاعة، حتى بلغ عدد الفتيات البوسنيات اللواتي واجهن الأعمال ذاتها نحو عشرين ألف فتاة، حسبما أعلن في حينه. وحفاظاً على حياة الأجنة التي ألقيت في بطونهن وعدم إجهاضهن، فقد تم الحجر عليهن حتى وضعن أحمالهن، وتلك من (حسنات) الحضارة الغربية (السمحة)! أما في العراق الغالي، فقد قام بعض الجنود الذين جاءوا ل (تحرير) العراق من النظام الصدامي الدكتاتوري، كما زعموا، باغتصاب فتاة من (حرائر) العراق أمام أفراد أسرتها، وزادوا في عملهم (الإنساني) فقتلوها وقتلوا أسرتها معها. فأين هو سلوك الإنسان من أفعال الحيوان؟ وأي سلوك أكثر تحضراً؟ وأيهما أكثر تحدُّرا؟ نشرت في جريدة القدس يوم الأحد بتاريخ 3/4/2011م؛ صفحة 44 yaseenalsadi@yahoo.com

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل