المحتوى الرئيسى
alaan TV

قلق إسرائيلي..بقلم:معتصم حمادة

04/03 18:47

معتصم حمادة يمكن القول، دون مبالغة، إن الحياة السياسية في إسرائيل، بدأت في جانب مهم منها تعيش على ردات الفعل على تطورات الحالة العربية. وإن القيادتين، السياسية والعسكرية في تل أبيب، بدأتا تعيدان النظر في جوانب معينة من المسلمات الخاصة بالسياسة الإسرائيلية، على ضوء ما تشهده المنطقة العربية من أحداث وتطورات متلاحقة. من بين هذه التطورات، وفي مقدمها، الحراك السياسي الفلسطيني، الشعبي والرسمي، من أجل إنهاء الانقسام، وبناء طريق استعادة الوحدة الداخلية: وحدة المؤسسات بين الضفة والقطاع، والوصول إلى حد ما، إلى توافقات وطنية، تفتح الباب لمرحلة جديدة في الحالة الفلسطينية. نتنياهو، رئيس وزراء العدو، اعتبر أن إنهاء الانقسام سوف يعكس نفسه سلبا على العملية التفاوضية.. يحاول نتنياهو بذلك، أن يؤبد الحالة الفلسطينية فئتين: فئة مقبولة إلى طاولة المفاوضات وفئة غير مقبولة، أي فئة الفلسطيني الجيد، وفئة الفلسطيني السيئ. نتنياهو هو نفسه من أفرغ العملية التفاوضية من مضمونها، وحولها إلى جولات من العلاقات العامة، بين الفريقين الفلسطيني والإسرائيلي، يرفض في سياقها تناول القضايا الجوهرية التي تحمل في طياتها استحقاقات التسوية السياسية. نتنياهو حول العملية التفاوضية إلى غطاء سياسي لتنفيذ مشاريعه الاستيطانية، ثم انتهى به الأمر إلى إطلاق رصاصة الرحمة على العملية التفاوضية، حين رفض تمديد التجميد الجزئي للاستيطان، ثم أطلق بعد ذلك وحش الاستيطان ليلتهم المزيد من الأرض الفلسطينية في الضفة، كما في القدس، مستخفا بالجانب الفلسطيني، وبالسلام الذي لا تكف تل أبيب عن التظاهر في الدعوة له. موقف إسرائيل من الحراك السياسي الفلسطيني لإنهاء الانقسام يقود إلى إبقاء العملية التفاوضية رهينة الابتزاز السياسي الإسرائيلي الأسود، وإبقاء الانقسام شرطا لعملية تفاوضية ميتة، مازالت تحتاج إلى من ينعيها بشكل رسمي، ويهيل عليها التراب. المهم، في هذا كله ألا يخضع الجانب الفلسطيني للابتزاز، وألا يركض وراء سراب الجثث الميتة، سراب إمكانية الوصول إلى تسوية سياسية مقبولة مع نتنياهو وشركاه في الحكومة الإسرائيلية. *** كما استحوذ على اهتمامات القيادات الإسرائيلية ما تشهده مصر والأردن وعموم الدول المجاورة لإسرائيل من تطورات. إسرائيل بدأ تعيد التنقيب في معاهدة وادي عربة (الأردن) وكامب ديفيد (مصر)، وتدرس مدى صلابة هاتين المعاهدتين، وقدرتهما على الصمود في وجه الضغوط الشعبية المتصاعدة في كل من القاهرة وعمان. إسرائيل تدرك تماما أن التظاهرات الشعبية في هاتين العاصمتين لم تتناولا، بعد، المعاهدات المعقودة معها، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن المنحى السياسي العام، للتحركات الشعبية في هذين البلدين، منحى معارض ومعاد لها، وأن الشعارات التي ترفعها هذه التحركات من مطالبة بالحرية والديمقراطية والكرامة السياسية، إنما تستهدف، في السياق، المعاهدات المعقودة معها. لانها معاهدات مست الكرامة الوطنية للبلدين، وعقدت رغم إرادة الشعبين المصري والأردني، وخلافا لإرادتهما. لذلك بدأت مراكز الأبحاث في تل أبيب، والجامعات الإسرائيلية، في دراسة طبيعة القوى المحركة للشارع في الدول العربية المجاورة لها، ولبرامج هذه القوى وأهدافها، ومكوناتها الاجتماعية، وللأوضاع التي يمكن أن تكون عليها الحالة السياسية في كلا البلدين، لو تحققت أهداف هذه القوى، وتحولت شعاراتها من نداءات ومطالب إلى سياسات رسمية معتمدة. ولا تخفي هذه المراكز في أبحاثها، قلقها من العودة، مجددا، إلى عالم عربي، «يكره» إسرائيل، يجمد المعاهدات معها، ويضع العلاقات الثنائية في الثلاجة، بانتظار اللحظة المناسبة للتحرر من قيود هذه المعاهدات. لا تخفي هذه المراكز قلقها من أن تعود عقارب الساعة في المنطقة إلى الوراء، بحيث تعود إسرائيل إلى العزلة الإقليمية، وتُغلق أبواب العواصم العربية التي كانت مفتوحة لها، وتستعيد، بذلك تل أبيب أولويات جديدة، في مقدمها، إعادة النظر بالاستراتيجيات العسكرية لجيشها، وبحيث تعود بعض الجبهات العربية لتصبح مرة أخرى جبهات توتر صامت، بعد أن كانت، لفترة غير قصيرة، جبهات تعاون مشترك وبما يخدم، أولا وقبل كل شيء، المصالح الأمنية الإسرائيلية. *** في السياق نفسه، تبدو إسرائيل منشغلة بما يجري في ليبيا. رغم أن المسافة بينها وبين الصحراء الليبية طويلة، ورغم أن الأوضاع في هذا البلد المنشغل بذاته، لم تأتِ على ذكر إسرائيل، لا من قريب أو بعيد، إلا في تصريحات طائشة لمعمر القذافي. ما يشغل بال إسرائيل هي السابقة التي أدت إلى التدخل الدولي في الأوضاع الليبية بالحديد والنار، تحت غطاء قرار من مجلس الأمن الدولي، وبمبادرة من جامعة الدول العربية ويطلب منها. لأول مرة، تتقدم جامعة الدول العربية من مجلس الأمن بطلب تدخل غربي (أطلسي) في بلد عربي، ولأول مرة يستجيب مجلس الأمن، و«الأطلسي» للطلب العربي، وبحرارة غير معهودة. صحيح أن الوضع السياسي المعقد جدا، في ليبيا، هو الذي ولّد هذه التقاطعات الغريبة وقاد إليها. بحيث التقى في خندق واحد كل خصوم القذافي وأعدائه، رغم اختلاف مشاريعهم السياسية واختلاف منطلقاتهم واستهدافاتهم. شكل القذافي نقطة لقاء تاريخية (قد لا تتكرر مرة أخرى في التاريخ القريب أو البعيد) لصف واسع من القوى السياسية ذات المصالح المتنافرة، بل والمتناقضة والمتحاربة فيما بينها. ما يشغل بال إسرائيل هذه السابقة، التي سجلت على مجلس الأمن، وعلى دول الأطلسي: «التدخل في بلد لأسباب إنسانية، ولمنع قوة عسكرية من الاعتداء على مدنيين عزل وآمنين». كم من مرة استهدف الدولة الحربية الإسرائيلية المدنيين الفلسطينيين، والمدنيين اللبنانيين؟. كم من مرة تحولت أحياء مدنية إلى أهداف لآلة الحرب الإسرائيلية؟. ما يشغل بال القيادات الإسرائيلية هو أن تتكرر هذه السابقة السياسية، وأن تكون إسرائيل في وضع شبيه بوضع القذافي. إسرائيل تدرك أن «الأطلسي» لن يدير مدافعه ضد تل أبيب، وأن طائراته لن تستهدف مفاعل ديمونا، ولن تطارد نتنياهو أو باراك، كما هي تطارد القذافي ومساعديه. لكن ما يخيف إسرائيل أن يتوافق مجلس الأمن في ظل صمت أميركي (شبيه بالصمت الروسي والصيني في الحالة الليبية) على عقوبات فاعلة ضد تل أبيب والقيادات الإسرائيلية، وبحيث تصبح القيادات الإسرائيلية مطلوبة للقضاء الدولي. ما يخيف إسرائيل أن تقود لحظة سياسية ما، كاللحظة السياسية الليبية إلى نزع الشرعية عنها، كدولة غير ديمقراطية، تحتل أرض الآخرين، وترتكب بحقهم جرائم حرب، كما تقود في الوقت نفسه إلى الاعتراف بالدولة الفلسطينية المستقلة. لذلك تدرس الدوائر الإسرائيلية كيفية استباق الحدث وإطلاق مشروع للتسوية، يقلب الطاولة في وجه الفلسطينيين، ويحشرهم في الزاوية، ويحول إسرائيل إلى دولة داعية للسلام، ويحول الفلسطينيين إلى طرف معطل للعملية السلمية في المنطقة وإلى خطر على أمنها واستقرارها. *** الماكينة الإسرائيلية، وعلى ضوء الأحداث العربية، بدأت تعمل بكل طاقتها. وبدأت تدرس وتستخلص وترسم للمستقبل. لا يكفي أن نحتفل بالانتصارات الشعبية في تونس ومصر، وغيرها، ولا يكفي أن ننظر بارتياح إلى التحركات الشعبية الداعية إلى التغيير في اليمن والبحرين وعمان، وأقطار أخرى. بل يجب، بالضرورة، التنبه إلى ما يجري أيضا في إسرائيل. فهي، رغم أنفنا، جزء من هذه المنطقة، زرع بالقوة، ونعتقد أن دور هذا الكيان، في هذه الفترة بالذات، يأخذ بعده الاستراتيجي الحقيقي. وأن هذا الكيان لا يكتفي بالمراقبة. بل لديه بالضرورة خطط، تحوطا، لما هو آت علينا، وعليه.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل