المحتوى الرئيسى

الكاتبة العربية بالمهجر.. حلم الاختلاف

04/03 18:45

فاتنة الغرةحينما يبدأ الكاتب إدراك موهبته الإبداعية تبدأ معاناة اختلافه مع من حوله في الظهور، فالاختلاف له تبعاته التي قد تتسبب له في النفي الداخلي عمن حوله أو النفي الخارجي، باختياره كان أم مفروضا عليه، وحينما يكون الكاتب أنثى فالمعاناة تتضاعف هنا على عدة مستويات، نفسية ومجتمعية وتبدأ التابوهات في فرض نفسها على أرض الواقع.التقت الجزيرة نت مجموعة من الكاتبات العربيات اللواتي يعشن في دول المهجر للحديث عن الكتابة: فتنتها ولعنتها في الوقت ذاته، وعن تبعات هذه الكتابة بالنسبة للمرأة.فتنة الكتابةالشاعرة السورية المقيمة في فرنسا مرام المصري تقول إن "الكتابة هي اللعنة والفتنة في آن واحد، هي الفضيلة والفحش، هي الستارة والفضيحة، المدية والريشة، الرابط والمحرر، المنطق والجنون، القلق والأمان. إنها خليط عجيب للحزن والسعادة، الحياة والموت". "كم يحلو لهم أن يغرسوني في ذاكرة السطور، في فنجان القهوة الذي يبرد عشرين مرة قبل أن أقرر أخيراً ارتشافه. في الأوراق المبعثرة أمامي على الطاولة، تصر على أن تلاحق أحزانهم وخيباتهم ومشاريعهم الصغيرة، في قمر الليل المتربص على الشرفة ضجِراً حين يسقط الثلج في ليل هولندا القارص، في صحن الفاكهة المسترخية أمامي تمارس انتظارها الرتيب، لكنني أخذلها كفنجان القهوة، أخذلهما معاً حين أُفضّل تذوق ملذاتهم السالفة، حين أُقدّم اكتشافهم على كل ما عداه حيث لا حدود أبدا لشيء سوى تلك العبثية في أن أخلق شخوصاً من حبر على واجهات من ورق، فيرسمون هم لي لون دمي, رنة ضحكتي ونزق طباعي"، تُنهي البوعيسى تداعيها. عناق النصالروائية السورية المقيمة في فرنسا مها حسن ترى أن "الكتابة ليست خياراً، بل على الأغلب هي التي تفرض نفسها على الكاتب، بغض النظر عن زمانه أو مكانه، بل أتجرأ على القول بأن كتابتنا تولد معنا، وتحتاج فقط لحدث ما حتى نكتشفها، وما أن يتم اللقاء بين الكاتب/ـة والكتابة، حتى يصعب الفصل بينهما".تفاصيل "اللقاء" وأسراره تكشفها الكاتبة المغربية المقيمة في فرنسا حنان درقاوي: "الكتابة فتنة، غوص في التقنيات، لحظات تردد طويلة قبل اختيار كلمة، موقع فاصلة، وموت قصير قبل وضع النقطة النهائية". معاني الفتنة لا تبدأ ولا تنتهي لدى كاتبات المهجر، ومنهن الروائية السورية المقيمة في السويد منهل السراج التي تعدّ الكتابة متعة ونعمة.وتضيف "هي من أكثر أمور الإنسان حيوية ونضارة، لأن صاحبها يمارسها بحق، يكتب ما يؤمن بأنه حق ويجب أن يكون، ولذلك هي اخضرار وهناء للنفس وإحياء للمشاعر، وهي فعل كفعل الحياة وإنجاب الأولاد، عمل فطري ومحبب ومرغوب للإنسان. حيث إنها لا تساعد كاتبها على الحياة فقط، إنما أيضاً تعين قارئها، حين تدفعه إلى التفاعل والتساؤل عن معنى ومغزى ما يقرأ، حين يتساءل القارئ، سلباً كان أم إيجابا".وترى السراج أن الكتابة "فتنة جميلة"، حين تمضي في أوقات وأحداث فتنت الذاكرة وسُجِّلت فيها، وصار "واجباً" على حاملها أن يكتبها، من خلال ذاكرته وإصغائه لذاكرات الناس. منهل السراج: الكتابة ليست خياراً بل على الأغلب هي التي تفرض نفسها على الكاتب  (الجزيرة نت)حرية وقيودوتقول مها حسن إن "المهجر، بالنسبة لي، هو الخيار الذي قمت به لإنقاذ كتابتي، وفي ظل الممنوعات العربية التقليدية، التي تختلف ظروفها ودرجاتها من كاتب/ـة، لآخر/ى، اخترت الهجرة مع كتابتي، حملتها معي، وجئت بها كما تفرّ أم مع طفلتها خوفا عليها من القتل أو الوأد، ولا شك أن معاناة المرأة الكاتبة، في بلدها الأم وفي المهجر على السواء، أكثر صعوبة من تجربة الرجل الكاتب، لأن القيود المفروضة على المرأة في المكانين معا، مختلفة وأشد وطأة".ومن جهة أخرى تعتقد حنان درقاوي أن "أروع ما أعيشه ككاتبة في المهجر هو زمن الكتابة نفسه"، ولا يعنيها ما بعدها، مضيفة "أعيش حالة انتشاء خلال الكتابة الفتنة وأراوح غالبا بين كتابة نص وشغل يدوي حياكة أو خياطة أو غرس".وترى أن الكتابة "لعنة واستشفاء"، لأن الكاتب الحقيقي يلازمه ذاك "الهوس" وإن لم يقرأه أحد، فهو يكتب من أجل الاستشفاء من عالم مركب بشكل غريب ومصنوع للأجلاف، مؤكدة "إن لم يكن الفن والكتابة فكيف نرطب العالم ونرتبه، هي لعنة لذيذة".منهل السراج ترى أن حياتها في المهجر أضافت لها الكثير بوصفها كاتبة، خاصة في مساحة حرية القول، وأنه من المهم "أن تؤمن باعتقاد الآخر وإن لم تكن مؤمناً بعقيدته، وأن تغلي بغليانه من دون أن تصاب بالحمى ذاتها، وأن تحمل ذاكرته، من دون أن تنزع نزعاته"، وهنا فقط تأتي الكتابة فعل حق وضرورة، على حد تعبيرها.وتضيف "أقصد الكتابة النابعة من إيمان وذهن حر، وليست تلك المكرسة لخدمة جهة ما، حيث تتحول الكتابة إلى لعنة، وتبعث عند الكاتب القنوط والنقمة، ولا تبعث عند القارئ أي تفاعل حي، على العكس، قد تدفع إلى اليأس والهمود والإبهام، وهذا يحدث بظني في حقول النشر والإعلام، حين تتناهب الكاتب والنصوص تيارات ومصالح سياسية أو مالية، غير تيار القيمة والجمال، وهنا مقتل الكتابة ومقتل فعلها وقيمتها". حنان درقاوي: أروع ما أعيشه ككاتبة في المهجر هو زمن الكتابة نفسه (الجزيرة نت)لعنة مُستحقة"كل الكتاب مهاجرون في الواقع بأرواحهم، والذهاب إلى الذات أو إلى العالم لا أعتبره هجرة حقيقية، لأن الكتابة هي تنوع فكري ولغوي بيئي وتاريخي"، تؤكد مرام المصري. مقولة المصري تفتح الباب أمام الضرائب التي تدفعها الكاتبات لقاء اختلافهن، إذ تقول وفاء البوعيسى: "أعلم أن الكتابة لها ضريبتها فهل يستحق الأمر مني كل ذلك؟ بالتأكيد يستحق، إن شخوصي رغم كل شيء، رغم تمردهم وانشقاقهم علي يُشعرونني بالحرية، حين يتهيأ لي أنني أركض معهم إلى الجهة المعاكسة للرضوخ، وأنني قادرة بصلابة أن أجعل الخوف من البوح ينسل هارباً إلى الركن المغمور، وأن بوسعي تقديم معنى آخر للكتابة غير الترتيب المتجاور للحروف، معنى آخر غير ذلك المذعن لاشتراطات حرس النوايا".وتضيف "أولئك الراكضون بجانبي دون أن أراهم، المتنزهون في تفاصيل المكان حولي دون أن ألحظهم، الذين يصرون على الحديث لي حين أريد أن أغفو، والذين يحسنون الكلام عني حين أقرر أن أصمت، القادرون رغم كل شيء على إشعاري بأن ألف قيثارة يمكن أن تنبت في راحة يدي، وأنني قادرة على عزف شارة تحيل إلى فراديس غير مأهولة". ومن جهتها، تتساءل منهل السرّاج "كيف يمكن للكتابة الحرة الجميلة أن تنتصر على مصالح السياسة وأصحاب المال أو تتفوق عليهم وتسحبهم وراءها، إلى غاياتها النبيلة، أن تنتصر للإنسان والعدل والخير، مبتغى الحياة". مها حسن: المهجر هو الخيار الذي قمت به لإنقاذ كتابتي في ظل الممنوعات العربية  (الجزيرة نت)الضرائب المحتملةمن زاوية أخرى تعاين حنان درقاوي "الضرائب المحتملة"، منوهةّ بأن "ما ننعت به ككتاب وككاتبات -خصوصا في العالم العربي- ليس إلا أضرارا جانبية وتفاصيل يجب ألا نتوقف عندها كثيرا، فالكتابة -خاصة كتابة المرأة في مجتمعات مغلقة- من الطبيعي ومن الضروري أن تنتج النقاش وتتعرض المرأة الكاتبة للسب والقذف".كل ما تتعرض له من أضرار هو "تفصيل ممل" مقارنة مع حالات الانتشاء القصوى التي تعيشها في زمن الكتابة والنوم اللذيذ الذي أصل إليه حين أكتب نصا يرضيني قليلا، بحسب درقاوي، رغم أنها لا ترضى أبدا عن نصوصها، لأن "ميكانيزم الفتنة" هو أن يبقى الكاتب دائما في حالة ترصد لرغبة الكتابة واشتغال على الأجمل، وهي تمارين صعبة."تختلف ضريبة الكتابة من مجتمع لآخر، ومن فرد لآخر، وحتى الرجال يدفعون ضريبة، لكن بشكل عام، ضريبة الكتابة هي ضريبة عالية للمرأة، التي تعيش في مجتمع ذكوري ومحافظ، ورغم هذا هناك من يفضل دفع الضريبة غاليا من أجل الكتابة، فهل تستحق كل هذه الخسارات وهذه الضرائب؟، بالتأكيد وإلا لصمتت الأصوات ولتوقفت الموسيقى ولماتت الأفراح"، تقفل مرام المصري بوح الكاتبات.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل