المحتوى الرئيسى

نحو استراتيجية ثقافية جديدة ا‏3‏ب الدولة والمسألة الثقافية

04/03 01:19

يدور السؤال بين المثقفين الآن عن الدور الذي يمكن أن يلعبه مشروع مصر الثقافي القادم في الحراكين السياسي والاقتصادي‏,‏ وهو دور لا يمكن تحقيقه إلا عبر سياسات ثقافية جديدة متكاملة‏,‏ وقيادات غير مستهلكة في أروقة النظام القديم‏.‏ ارتبط المشروع الثقافي للنظام السابق بقضايا فساد ثقافي, وإهمال جسيم, علي مستويي السلوك والرؤية, وهو فساد لم ينج منه تراثنا المادي المنهوب من مخطوطات, ولوحات, وآثار, وغيرها, فقد كنا, ومازلنا, في أشد الحاجة إلي استراتيجية كلية تضع مصر بقوتها الثقافية الكامنة في مكانها اللائق, ومكانتها المستحقة, علي المستويين العربي والدولي, كما كنا في أشد الحاجة إلي أن تقوم كل هذه المهرجانات! والنشاطات الثقافية الداخلية, والخارجية, بإفادة المحتاجين الحقيقيين إلي المعرفة, من أجل رأب الصدع الاجتماعي الذي كان يطل علينا في فتن طائفية بغيضة, لم يكن مكان علاجها أروقة مباحث أمن الدولة, بل كان يكمن علاجها في سياسات مشروع ثقافي قادر علي إيجاد هوية ثقافية جمعية, تشد لحمة هذا الوطن, وتحافظ علي ثوابته النسبية, كانت طليعة المثقفين تلمس هذا الضعف الفادح للتخطيط والإدارة الاستراتيجيتين, الذي أسفر عن تردي أحوال المبدعين المادية والأدبية. نجح النظام السابق في ربط جماع المبدعين بفئة تكنوقراط ثقافي, وبمشروعات ربطتهم بمصالح شخصية صغيرة, ففقدت مصر الأثر الاجتماعي للإنفاق الثقافي, فلم تنتج ميزانية الدولة الموجهة إلي الثقافة أي تغيير ملحوظ في وعي المواطن المصري, وفي ثقافته, ونجحت المؤسسات الثقافية الرسمية علي اختلاف مسمياتها في هذا, عبر( تدوير) الركود المؤسسي, بتغيير الكراسي مع ثبات المختارين, وهو وضع قصر القيادة الثقافية علي مجموعة من الأعوان يتنقلون من مكان إلي آخر وفق رغبات الوزير! أو وفق سهولة مرورهم من أبواب العلاقات العامة, أو من البوابات الأمنية التي كانت تتحكم في إدارة الوسط الثقافي والعلمي آنذاك, فظلت النشاطات الثقافية التي كانت تخطط علي نحو فردي, لا تعوزه الأهواء, وسيلة ناجعة تستهدف الاستهلاك الإعلامي الداخلي, لتبرير بقاء قيادات بأعينها, وكلنا يعرف عدد السنوات التي شغلها الأمين الأسبق للمجلس الأعلي للثقافة, والرئيس الأسبق للهيئة العامة للكتاب, ورؤساء اللجان في المجلس الأعلي للثقافة, وأعضاء لجنة جوائز الدولة, وغيرهم, كان هدف الوزير وسياساته الفردية السابقة متوجها في حقيقته إلي إدخال المثقف إلي الحظيرة, علي حد تعبيره, لا إلي بناء ثقافة, فارتبط مشروع مصر الثقافي بمجموعات مصالح, وبفئات ثقافية وإعلامية متربحة, دافعت عنه, وبررت بقاءه. يطل علي مجتمعنا الآن وجهان, أحدهما الوجه القبيح لفساد ثقافي في الرؤية والممارسة, والآخر وجه أقبح لثقافة فساد! بعد أن فشلت المؤسسة الثقافية المصرية الرسمية, ومؤسساتها الرخوة, في إفادة المحتاجين الحقيقيين إلي المعرفة بكل مستوياتها, كان من أهم نتائج هذه السياسات نمو الخطاب الثقافي السلفي في أشرس صوره, وأضيقها أفقا, في فتنة عقدية باتت تطل بوجهها القبيح علينا من حين إلي آخر, بعد أن تبنت المؤسسات الثقافية الاهتمام بقضايا ثانوية خارج صلب اهتمامات المجتمع وقضاياه, وهو وضع يفسر الأسباب التي دفعت عددا كبيرا من المثقفين المصريين إلي رفض الانضمام إلي المؤسسات الثقافية القائمة, أو المشاركة في أنشطتها. أفقد هذا الوضع الطليعة الثقافية تأثيرها علي سياسات هذه المؤسسات, وجعل أخطاءها شديدة الفداحة والضرر, وذلك في ظل نجاح فئة تكنوقراطية صغيرة في التحكم في واقعنا الثقافي, وانفرادها بإدارته, حاجبة بذلك حق مختلف الأجيال الإبداعية والفكرية الجديدة في أن تسهم في وضع رؤيتها إلي مستقبلها الإبداعي والفكري والنقدي, وهو أهم عامل في نظري أسهم في قيام ثورة يناير المجيدة. أما ما لم ينتبه إليه النظام فكان هذا الحس السياسي السميك, الذي أسفر عن خروج معظم طبقات الشعب, وقطاعاته وفئاته, في مسيرات واعتصامات فئوية علي مدار السنوات الخمس الأخيرة بخاصة, وكان من المتوقع أن تتحرك كل هذه المسيرات والاعتصامات في وقت واحد حتي تحدث هذه المصادفة التاريخية اللازمة لأية ثورة, هذا هو عين ما حدث بداية من25 يناير, وأظنني لا أعدو الحق إذا قلت إن معظم من خرجوا في هذه المظاهرات كانوا قد خرجوا في مناسبات أو اعتصامات فئوية من قبل, أما عبقرية هذه الثورة فتكمن في قيادتها الشبابية, وطبيعتها الشعبية المصرية, التي لم ترتبط بمطالب حزبية, لكنها ألقت نفسها في حضن الجماهير, كانت مطالب ثورة يناير المجيدة ببساطة هي مطالب معظم المصريين, مأخوذة مباشرة من أفواههم, أما الطرائق التي استخدمها الثوار فكانت لصيقة بتقاليد المصريين في واقعهم المعيش, من قبيل التنظيم المرتبط بالمصادفة, والغضب المختلط بالمرح, والاعتراض الممزوج بالسلم... إلخ. تجدر الإشارة في هذا السياق إلي الدور الذي لعبه التحالف القوي بين كبار رجال الدين في المؤسسات الدينية الكبري, والنسق السياسي السابق, فقد أسهم التوظيف السياسي للمقدس في دعم البني الذهنية الرمزية التقليدية, وفي بقائها في مجتمع تميز في تاريخه الطويل بميله إلي الاستقرار, الأمر الذي كان يدعم بقاء الأوضاع علي ما كانت عليه في أنشطة حياتنا السياسية والإدارية والثقافية كافة. كما وجدت هذه البني الرمزية من المعارضة الحزبية الرسمية دعما مضاعفا, بعد أن أصبح عدد من أحزاب المعارضة الرسمية واجهة للنظام, وجزءا أصيلا من تكوينه, فظهرت صورة الرئيس السابق في الوعي الشعبي بصفته المنقذ الفرد الذي يتدخل في الوقت المناسب حماية لمصلحة الجماهير! علي عكس الحقيقة التي كان يعرفها الساسة! كنا شهودا علي عدد هائل من المناشدات التي كانت توجهها المعارضة إلي الرئيس السابق لتدخله في حل أية مشكلة, من خلال لعبة مشتركة, يعرف كل طرف منها حدود الدور الذي يجب أن يلعبه فيها. هكذا, ظلت المعارضة الرسمية جزءا من النظام لا يقوم دونها, بل كان في بعض الأحيان حاميا لها, وحافظا لاستقرارها, كما استطاع النظام السابق, أن يحل لفترات طويلة عبر خطاب إعلامي مضلل, تلك التناقضات التي فصلت بين خطابه السياسي الذي يدعي انحيازه إلي الفقراء, وممارسته في الواقع المعيش, في ظل ثبات فادح في الجهاز الإداري لمؤسسات الدولة الكبري, وللأحزاب كافة, وهي أحزاب لا تتغير قياداتها, فلا تطالب غيرها بالتغيير. هكذا دجن النظام البائد قطاعات كثيرة من النخب السياسية والثقافية المصرية بشتي شكولها لمصلحته, علي نحو كان له تأثيره السلبي القوي علي الحياة السياسية, وهذا ما نلمسه الآن في الضعف الفادح للحياة الحزبية في مصر, وعجزها عن لعب أي دور مؤثر فيما تمر به حياتنا السياسية من أحداث. أسهم ركود الوضع السياسي في بقاء الثقافة التقليدية, في أضعف تجلياتها, وممثليها, متحكمة في سدة المشهد الثقافي, وعلي رأس إدارته علي مدي عقدين كاملين, بعد أن استطاعت هياكل المؤسسات الثقافية لوزارة الثقافة احتواء النخب الثقافية التقليدية, والمحافظة عليها, وعلي توجهاتها, الأمر الذي يطرح التساؤل في ظل الأوضاع السياسية بعد ثورة يناير المجيدة, حول الرؤية الثقافية الجديدة التي يجب أن يحدد إطارها واضعو السياسات العليا الآن, في ظل هذا الانفتاح الإعلامي الهائل, وتأثير السياسات السلبية للعولمة علي الثوابت النسبية لثقافتنا الوطنية.. وللكتابة بقية.. المزيد من مقالات د. علاء عبدالهادى

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل