المحتوى الرئيسى

بصراحة حول قانون التأمين الصحي بقلم:د. علي نشأت الشعار

04/02 21:52

بصراحة حول قانون التأمين الصحي د. علي نشأت الشعار النقاش الدائر حول مشروع قانون التأمين الصحي الالزامي الذي قدمه وزير الصحة الفلسطيني للاقرار من قبل سيادة الرئيس هو نقاش شرعي بل وواجب حيث انه يطال جانبا ملحا من جوانب حياة المجتمع الفلسطيني من ناحية ويشكل انعكاسا للفهم المسؤول للترابط بين القضايا المعيشية والسياسية/ السيادية التي يطمح الجميع الى تحقيق اختراقات حقيقية على صعيدها. ولعله من الواجب في هذا السياق التذكير ان التحدي الاكبر الذي يقف امام مجتمعنا هو قدرتنا على اقناع من يشكك بان هذا الشعب يمتلك اضافة الى الايمان بشرعية قضيته وتقديم الغالي والنفيس من اجلها، القدرة ايضا على ترجمة ذلك على شكل بناء مؤسسات ونظم دولة تتسم بالمهنية والحضارية والاستدامة. انني وفي الوقت الذي اتيح لي المشاركة بفعالية في عملية البناء وبكل فخر، استطعت ان اتابع النقاش او النقاشات التي دارت حول موضوع قانون التأمين الصحي المقترح ويمكنني القول وبكل ثقة وحيادية مهنية بحتة ان هذا المشروع يشكل محصلة طبيعية للتطور الحاصل على قطاع تقديم الخدمات الصحية. هذا التطور الذي بدأ باستلام السلطة الفلسطينية مسؤولية ادارة هذه الخدمات بعد سنوات من الاهمال والتردي. ان فلسطين وبفضل التقدم العلمي والمؤسساتي الذي حصل فيها خلال الاعوام السابقة والذي يمكن استنتاجه من مؤشرات صحية عديدة ترتقي الى تلك في الدول المتقدمة مثل نسبة التطعيم الاساسي الذي يصل الى 100%، نسبة التغطية بخدمات رعاية الام الحامل التي تصل الى 98%، الولادات في المستشفى التي تصل الى 96% الى اخره من المؤشرات التي تدل ان فلسطين وبفضل جميع العاملين في القطاع قد تجاوزت مستوى الدول النامية (العالم الثالث) وهي في طريقها الى توثيق الوصول الى الاهداف الالفية المتعلقة بالصحة. على الرغم من ذلك كله، فانه مما لا يخفى على احد ان واقع الخدمات الصحية لا يرتقي الى المستوى المطلوب الذي يتناسب مع حجم الاستثمار وطبيعة تكوين هذا النظام خاصة عند النظر الى مجموعة من المعطيات التي ترتبط بنجاعة نظام ادارة الخدمات الصحية على المستوى الوطني والمحلي من حيث: 1. الكلفة: يشكل الانفاق على الصحة في فلسطين الاعلى في الدول العربية من حيث نسبة هذا الانفاق من المنتج المحلي العام حيث يبلغ 15% اي تقريبا ضعف النسب الموجودة في دول الجوار بما فيه اسرائيل وعلى الرغم ان نسبة او حجم الانفاق ليست بالضرورة علامة سلبية بشكل عام، الا انه وبالنظر الى ان مستوى الفاقد في الخدمات هو عال جدا بسبب ازدواجية الخدمات اضافة الى ان المخرجات الصحية لا تتناسب مع حجم الانفاق المذكور من حيث الجودة والسلامة وثقة الجمهور بهذه الخدمات. وعند النظر الى حقيقة ان المواطن الفلسطيني يضطر الى الانفاق من جيبه على صحته حتى في حالة حصوله على التامين الصحي وذلك بسبب تحديات مرتبطة بتوفير الادوية الاساسية فان قضية الكلفة تتفاقم وفي هذه الحالة على حساب المواطن. 2. التغطية: على الرغم من ان الوصول الى مركز صحي مؤهل لتلقي الخدمات الصحية بشكل عام هي قضية في متناول الجميع وبفترة زمنية لا تتجاوز عشرين دقيقة للمستشفى و12 دقيقة لمركز الرعاية الصحية الاولية، الا ان التغطية وامكانية الحصول على الخدمات الاساسية بشكل منهجي ومستدام يشوبها العديد من التحديات خاصة لسكان المواقع البعيدة والمتطرفة (سكان الاغوار، جنوب شرق الخليل وبيت لحم، المناطق المحاذية للمستوطنات أو المحاصرة بالجدار). وعلى الرغم من الجهود التي تقوم بها وزارة الصحة والمؤسسات الاهلية المحلية والدولية لسد هذا الفراغ، فان طبيعة الخدمات المقدمة للفلسطينيين في هذه المواقع تفتقر الى الاستمرارية، التكامل والشمولية, اضافة الى اعتماد جزء كبير منها على وجود تمويل خارجي غالبا ما يكون محدود المدة. ان قضية التغطية وتحديدا جانب العدالة منها يصيب الافقر من فئات المجتمع الذين يفتقرون الى الموارد الكافية لتغطية تكاليف العلاج خاصة عند تعذر اللجوء الى مؤسسات الدعم وغياب الموارد لدى مقدمي الخدمات مما يؤدي الى مستوى عال من الحرمان والاجحاف بحق الكثير من الابرياء المعوزين. 3. الاحقية: ان الحق في الصحة والرعاية الصحية هو احد اهم الحقوق التي ضمنها القانون الانساني بغض النظر عن اي من الاعتبارات المتعلقة بالوضع الاجتماعي او العرقي او النوع الاجتماعي. ان الترجمة العملية لهذا الحق ضمن الدول المعتمدة في بنائها على المؤسسات ياتي من خلال الحق بالتأمين الصحي الشامل والالزامي الذي يضع جميع افراد المجتمع بالتساوي عند النظر الى احتياجاتهم من الرعاية الصحية الجيدة ولا يكون ذلك حكرا على الفئة المقتدرة من الناس الذين يمتلكون امكانية شراء الخدمات او التأمين. 4. الجودة والسلامة: لعل هذه القضية هي من اهم القضايا التي تثقل كاهل القطاع الصحي في فلسطين، حيث ان ما ورد ذكره من عدم انسجام مخرجات الرعاية الصحية مع حجم الانفاق يعود الى افتقار النظام الصحي الفلسطيني الى اسس ومعايير وانظمة لضمان الجودة. ان قضية ضمان الجودة والسلامة عملية متكاملة تستوجب بناء الارضية البرامجية التي وبالضرورة ترتكز الى سياسة تقديم السلة الاساسية للخدمات، متابعة الاداء وقياس الاثر بطريقة علمية. ان الكثير من المؤشرات والاحداث التي تشير الى خلل في نظام تقديم الخدمة مثل وفيات الامهات والاطفال اضافة الى المستوى العالي من المضاعفات المصاحبة للامراض المزمنة والاكتشاف المتأخر لسرطان الثدي. كل ذلك يتناقض بشكل كبير مع مستوى العاملين الصحيين والتجهيز الذي يتمتع به النظام الصحي في بلد مثل فلسطين. 5. التكامل بين مقدمي الخدمات: ان تعدد مقدمي الخدمات في فلسطين هو من الظواهر الصحية التي افرزها الوضع السياسي قبل السلطة واستمر بعدها. لقد ادى هذا التعدد الى تأسيس شبكة كثيفة من نقاط تقديم الخدمات الصحية المختلفة وجعل امكانية الوصول للخدمات ميسرا. بوجود وزارة الصحة كمقدم اساسي ومظلة برامجية مسؤولة ومساءلة عن تقديم الخدمات، بدا الازدواج واضحا لدرجة عكست نفسها سلبا على الكلفة والجودة على حد سواء. لقد وضعت الخطة الاستراتيجية الصحية قضية التكامل بين القطاعات المختلفة كهدفا مهما لتقديم خدمات مستدامة، متناغمة وذات جودة عالية. ويوجد العديد من الامثلة الايجابية التي تعكس ضرورة وامكانية التكامل بين القطاعات وخاصة عند الاتفاق على السلة الاساسية للخدمات والبناء على الكفاءات الغنية المتواجدة في القطاع الصحي. التأمين الصحي: يشمل التأمين الصحي الحكومي الحالي نسبة تقترب من 50% من المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية اضافة الى 100% من ابناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة وتشمل خطة التأمين الصحي اضافة الى هذه النسبة العديد من الخدمات المرتبطة بالأمراض المزمنة والسرطان، الأمراض الوبائية والصحة العامة بما ينسجم مع قانون الصحة العامة إضافة إلى الإستثناءات المرتبطة بوضع إنساني أو مؤسساتي. ان نسبة التغطية والانفاق المذكورة تتجاوز في بعض الاحيان سلة الخدمات التي تقدمها أنظمة التأمين الصحي في دول غنية مثل خدمات صحة الأسنان والأمراض الجلدية. ان النتيجة الفعلية للمذكور أعلاه هو نسبة تغطية واسعة ضمن التأمين الصحي الحكومي الحالي يرافقها مستوى متدن من المساهمة الفعلية للمستفيدين ويؤدي ذلك الى تراكم العجز في ميزانية المقدم الرئيس للخدمات دون الحصول على مخرجات حقيقية تتعلق بالجودة، السلامة والتوزيع العادل للخدمات المقدمة جغرافيا واجتماعيا. إضافة الى التعددية في تقديم خدمات معينة وغياب خدمات اساسية أخرى تزيد من الهوة المرتبطة بالجودة، الجدوى الاقتصادية والعدالة. ان قانون التأمين الصحي الالزامي الشامل المقترح يهدف الى وضع حلول منهجية لقضايا الحقوق الصحية المتساوية، ضمان التفاعل البناء بين مقدمي الخدمات المختلفة وربط ذلك بمعايير ضمان الجودة والسلامة للمنتفعين. يأتي ذلك في الاطار العام بما يخدم البناء المؤسساتي للقطاع الصحي ضمن توزيع منطقي لادوار مقدمي الخدمات المختلفين وتحقيق هدف اساسي لعملية بناء الدولة الا وهو ضمان الرفاهية والعدالة في المجتمع على اسس مستدامة وشفافة. اما على الصعيد الخاص، وحيث ان وزارة الشؤون الاجتماعية قد استطاعت بناء هيكل ممنهج لرصد توزيع الفقر والتعامل مع هذه الظاهرة بطريقة متكاملة تشمل الاثار الاجتماعية والصحية للظاهرة وربط ذلك بعملية التنمية وليس الاحسان، فان هذا النظام يأتي منسجما وممهدا لبناء اوسع للضمان الاجتماعي في المجتمع وياتي التامين الصحي الشامل والالزامي كجزء عضوي ومهم خاصة عند التطرق الى الاحتياجات الصحية للفئات الاكثر فقرا وتهميشا. ان الانتقادات التي استهدفت نظام التأمين الشامل وللأسف افتقرت إلى التحليل الموضوعي للمعطيات الصحية والمؤسساتية في البلد، وبالغت في وضع النظام المذكور في اطار نظري مغفلين حقيقة ان مثل هذا النظام يشكل حتمية تطور النظام الصحي الفلسطيني وليس مجرد أفكار للنقاش. في الجزء اللاحق من المقال، أود التطرق إلى مجموعة من الامور قيد البحث بخصوص قانون التأمين الصحي والتي اشار اليها بعض الاخوان كمعيقات او تحديات: 1. تعدد الادوار: في الوقت الذي شكل تعدد القطاعات المقدمة للخدمات الصحية ظاهرة مهمة، فانه الان يشكل المحور والرصيد الاساسي الذي يمكن ان يرتكز عليه نظام رعاية صحية متكاملة يحترم الاحتياجات الصحية وبنفس الوقت يستفيد من الخبرات المتراكمة والميزات المؤسساتية لدى القطاعات المختلفة. وعلى وجه التحديد، فان نظام التامين الصحي المقترح يعتمد على المؤسسات التالية في عملية التكامل: 1. وكالة الغوث: في الوقت الذي تميزت وكالة الغوث في تقديم سلة خدمات رعاية صحية واضحة المعالم والمحتوى على مدى عقود طويلة ولا زالت، نرى ان الوكالة تعاني من تقليص ملحوظ للموارد المالية المتاحة لها مما يدفعها في بعض الاحيان الى تقليص بعض الخدمات الاساسية. اضف إلى ذلك، فان منهجية العمل في مؤسسات وكالة الغوث ومستوى الجودة تشكل صمام امان لفئة تقترب من 50% من المجتمع في الضفة الغربية وقطاع غزة. ونظرا لتداخل خدمات الوكالة مع خدمات وزارة الصحة في العديد من المواقع والخدمات، فان وجود الية للتكامل وتوزيع الادوار بين وزارة الصحة والوكالة ضمن نظام التأمين الصحي الشامل سوف يساعد الطرفين القيام بدورهما بشكل متناغم ومتكامل مما يؤدي الى تقوية النظامين ورفع مستوى الاستجابة لاحتياجات المنتفعين بدون اهمال الواقع السياسي والخدماتي للوكالة او الانقاص من تغطيتها للاجئين من ابناء الشعب. 2. المؤسسات غير الحكومية: ان نشوء وتطور هذا القطاع في مجال الرعاية الصحية قد ارتبط في عملية التحرر الوطني وقد شكلت التيارات السياسية الحاضنة والمحرك لنشوء حركة مميزة ذات طابع مهني، وطني وخدماتي. ولقد جاء ارتباط مؤسسات العمل الصحي الاهلية القوي بالمجتمعات المهمشة والبعيدة ليشكل نمط ونوعية الخدمات المقدمة والتي بمعظمها تتركز في خدمات الرعاية الصحية الاولية والتعزيز الصحي بمفهومه المجتمعي الواسع. وعلى الرغم من نشوء شبكة مراكز خدماتية واسعة ضمن هذا القطاع الاان العمل هنا تركز بحجمه وجوهره على العمل مع المجتمعات ضمن برامج مبنية على المجتمع مثل برنامج التأهيل المبني على المجتمع وبرامج الصحة المدرسية والامراض المزمنة وبرامج صحة المرأة. ان الانتشار الجغرافي والبرامجي للمؤسسات الاهلية حقيقة تميزها في العمل المجتمعي ويشكل رصيدا هاما يجب البناء عليه تحديدا ضمن استراتيجيات التعزيز الصحي، الرعاية الصحة الاولية والعمل ضمن المحتمعات المعزولة. ان التحديد البرامجي للدور المكمل لهذه المؤسسات كفيل بوضع نموذج تعاون يؤدي الى تقوية دور المؤسسات الاهلية والوزارة على حد سواء. ان هذا التعريف سيساعد ويدعم الحق في الوصول الى الخدمات اضافة الى الاثر الايجابي على جودة الرعاية الصحية وربط مستويات الخدمة المختلفة بشكل نشط ومنهجي. وهذا كله يمكن ان يؤخذ بعين الاعتبار ضمن آلية التأمين الصحي الالزامي الشامل. 3. القطاع الخاص: يشكل القطاع الخاص رافدا اساسيا وقويا استطاع ان يسد العديد من الثغرات الخدماتية خاصة في مجالات طبية عالية التخصص. وقد اثبتت التجربة ان القطاع الصحي الخاص هو قطاع على مستوى عال من المهنية والانتماء الوطني خاصة اثناء الازمات. ان احتضان القطاع الخاص وتدعيم دوره كرديف قوي للخدمات الصحية سوف يشكل اساسا لنظام التأمين الصحي الشامل خاصة عند الاخذ بعين الاعتبار خدمات الرعاية الصحية المتخصصة عالية التكلفة. تشكل الية العمل مع القطاع الخاص احدى اهم القضايا التي يجب ان تعالج بمستوى عال من المهنية والحرص خاصة فيما يتعلق بالمعايير والاعتماد. 2. الضرورة: ان طرح قضية قانون التامين الصحي الشامل هي من اهم القضايا الاجتماعية الحاحا خاصة ان وجود تأمين بهذا الشكل سوف يشكل الية لحل العديد من القضايا التي تعيق الوصول الى نظام صحي عالى الكفاءة والجودة والجدوى الاقتصادية. اضف الى ذلك ان الحصول على الرعاية الصحية في مجتمع يعاني من تراكم مشاكل بيئية وديمغرافية كبيرة تشكل هما يوميا لكل مواطن فلسطيني. لكي لا يكون مصير هذا المشروع مرتبطا باحكام فردية، فانني اعتقد انه وللوصول الى دولة مؤسسات، يجب ان نعطي لقانون التأمين الصحي الالزامي والشامل فرصة لكي ينعم كل أبناء شعبنا بالفرصة العادلة لرعاية صحية تحفظ حياته وكرامته.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل