المحتوى الرئيسى

التِّيه العربي إذ شرع ينتهي!بقلم: جواد البشيتي

04/02 20:50

التِّيه العربي إذ شرع ينتهي! جواد البشيتي الآن، أصبح لشعوبنا، أو لأُمَّتنا، العربية "مثلاً ديمقراطياً (ثورياً) أعلى"، هو "مصر 25 يناير (وتونس)"؛ وإنَّ في "الثورة الشعبية الديمقراطية المصرية" من "قوَّة المثال" ما يجعلها مُلْهِمَة كثيراً، وأكثر من غيرها، لشعوبنا التي لم تتحرَّر بَعْد من حُكَّامٍ لم يدركوا بَعْد أنَّ مصر، بخيرها وشرِّها، هي أُمُّ الدنيا العربية. "مصر الناصرية" هي التي أسَّست لـ "القومية العربية"، بدءاً من منتصف القرن العشرين، وسحرت ألباب ملايين العرب من المحيط إلى الخليج إذ تعرَّضت وتصدَّت لـ "العدوان الثلاثي"، بعد قرار رئيسها الزعيم القومي العربي جمال عبد الناصر تأميم قناة السويس، وإذ تسلَّحت من الاتحاد السوفياتي (صفقة الأسلحة التشيكية) وبنت السدِّ العالي. لقد ساد زمناً طويلاً الشعور القومي العربي، أي شعور العرب جميعاً بالانتماء إلى أُمَّة واحدة، حان لها أن تتَّحِد، وتحوِّل ضعفها إلى قوَّة، في مواجهة عدوها القومي الأوَّل، إسرائيل، وحلفائه في الغرب. ومع سيادة هذا الشعور، وما اقترن به من "أوهام قومية"، بدت الشعوب العربية مُضحِّية بحقوقها الديمقراطية، أو غير مكترثة لها، فلا شيء يستأثر باهتمامها إلاَّ "الوحدة القومية العربية (الناصرية)" و"تحرير فلسطين". وهُزِم هذا الشعور القومي العربي شرَّ هزيمة إذ هُزِم بطل القومية العربية جمال عبد الناصر في حرب حزيران 1967، فشرع ينمو كل انتماء دون الانتماء القومي العربي، ومُسِخَت معاني "العروبة" حتى أصبحنا ننسب إليها كل ما نعده سيئاً من التصرُّف والسلوك والمعنى. ومع انهيار الاتحاد السوفياتي وأشباهه من نُظُم الحكم في أوروبا الشرقية، أُضيف "إفلاس اليسار الشيوعي" إلى "إفلاس اليسار القومي"، فشرع "الإسلام السياسي" يملأ هذا "الفراغ الأيديولوجي (بوجهيه القومي الناصري والشيوعي)". ولمع إلى حين نجم "القومية (العربية) الصدَّامية"؛ وحظي صدام حسين بتأييد شعبي عربي واسع مع أنَّ نظام حكمه كان نفياً تاماً (تقريباً) للديمقراطية بكل أوجهها. وغزت الولايات المتحدة (وحلفائها) العراق، واحتلته، وأطاحت نظام حكم صدام حسين، وسعت في جعل نظام الحكم الذي أقامته "مثلاً ديمقراطياً أعلى" للشعوب العربية؛ لكنَّ سعيها باء بالفشل؛ وكان ينبغي له أنْ يفشل؛ لأنَّ الشعوب العربية لم تَقِف على شيء إيجابي في "العراق الجديد"، و"تجربته الديمقراطية" التي لم تكن تمت إلى الديمقراطية بصلة. وفي هذا التِّيه الفكري العربي الذي طال، شرع بعض العرب يبدي إعجاباً بـ "المثال الإيراني"، فإيران تناصب الولايات المتحدة وإسرائيل العداء، وتساند حركة "حماس"، وتمضي قُدُماً في "برنامجها النووي" غير مكترثة للضغوط الغربية؛ وقد تحوَّل بعض من الإعجاب الشعبي العربي العظيم بـ "حزب الله" إلى مزيدٍ من الإعجاب بـ "المثال الإيراني"؛ لكنَّ هذا المثال ظلَّ منطوياً على كثير من العيوب والخلال، فهو مثال ديمقراطي تتشوَّه فيه، وبه، القيم والمبادئ الديمقراطية العالمية؛ كما أنَّ "الثورة الإسلامية الإيرانية" لم تستطع إخفاء (أو إضعاف) تعصبُّها الفارسي ـ الشيعي. وفي رُبْع الساعة الأخير من هذا التِّيه الفكري العربي، يمَّمت الشعوب العربية، التي كَثُر حُكَّامها، وقلَّ قادتها، شطر "العثمانيين الجُدُد"، فـ "المثال التركي (أو "تركيا أردوغان")" نال إعجابهم الذي تعاظم بفضل موقف أردوغان في دافوس، و"أسطول الحرية" التركي؛ لكنَّ أردوغان (ومن قبله تشافيز) خسر كثيراً من شعبيته العربية إذ بدا، في بعضٍ من مواقفه، منحازاً (ضِمْناً) إلى القذافي ضدَّ ثورة السابع عشر من فبراير. وانتهى هذا التِّيه الفكري العربي، وكان يجب أن ينتهي؛ فها هي مصر تعود، بفضل ثورتها الشعبية الديمقراطية العظمى، إلى قيادة الأُمَّة، صانعةً لنفسها، ولسائر العرب، خير مثال ديمقراطي ثوري (يتعدَّى مصر إلى سائر البلاد العربية، ويتعدَّى العرب إلى العالم). إنَّها "الثورة الشعبية الديمقراطية القومية العربية الكبرى"، تنتصر في "المركز" من العالم العربي، فتسري سريان النار في الهشيم في "الأطراف (والمحيط)" منه؛ لكن هذا المسار التاريخي الجديد للعرب لا يخلو ممَّا يثير شيئاً من القلق والخوف في النفوس؛ فـ "الحراك الثوري" في البحرين الصغيرة مُسِخ وشُوِّه بالطائفية البغيضة، وبجملة من المواقف الإيرانية، وبـ "درع الجزيرة"؛ وكأنَّ المتضرِّرين جميعاً من الثورات الشعبية الديمقراطية العربية تواضعوا، على تخاصمهم ونزاعهم واختلافهم، على التصدِّي لهذا المد الثوري الديمقراطي بسدود وحواجز وبرازخ من العصبية الطائفية (السنية والشيعية) ومن نزاع قومي بغيض هو أيضاً بين العرب والفُرس. هذا يُقْلِقنا ويخيفنا؛ لكن ما يُقْلِقنا ويخيفنا أكثر هو ليبيا؛ فإنَّ للثورات الشعبية الديمقراطية العربية مصلحة كبرى في أنْ يُهْزَم نظام حكم القذافي شرَّ هزيمة، فانتصاره (الذي يجب إلاَّ يتحقَّق) سيقوِّي ثقة نظام الحكم العربي (أو بقيته الباقية) بنفسه، وسيجعله يفهم سقوط زين العابدين ومبارك على أنَّه شَرٌّ كان يمكنهما اجتنابه لو قاتلا شعبيهما بـ "بسالة" قتال القذافي لشعبه؛ فإنَّ أنظمة الحكم العربية تميل، بالفطرة، إلى فهم "الثورة" على أنَّها الثمرة المرَّة لنقصٍ في القمع الذي تُوَاجَه به!

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل