المحتوى الرئيسى

الباراتابو بقلم:محمد علاء الدين

04/02 19:48

هناك الكثير من التابوهات التي وضعت للفن في عالمنا العربي , وعلى وجه الخصوص في الشعر , والتي تجعل المبدع أمام مفترق طرق , فأما أن يسير في ركابها فيصبح فنانا ً , وأما أن يكسر قواعدها فلا يكون جديرا ً بهذا اللقب , لذلك كان لزاما ً علينا أن نعود إلى أصول الأشياء , لنفهم ماهو الجمال , وماهو الفن , ولكي نستطيع أن نفهم أن كانت هذه التابوهات حقيقية أم لا , ونصل في نهاية الأمر , إلى فن ٍ حقيقي , فنٌ حر . أعتقد أننا نشعر ونعي الجمال عن طريق النفس والعقل , فالنفس تستطيع أن تشعر بهذا الجمال , والعقل يستطيع أن يعيه , ولكن كيف يعي العقل أي شيء جميل , أعتقد أن أي شيء جميل يتسم بثلاثة أشياء أساسية , أول هذه الأشياء هو التناسق الخارجي ولا أعني هنا السيمترية فالسيمترية تتسم يالتساوي , ولكني أعني التناسق بمفهومه الأعم والأشمل , فقد تكون اللوحة تجريدية مثلا ً إلا أنها بالرغم من هذه الفوضى تظل تتسم بهذا التناسق , فلا يمكن أن نجد لوحة ليس لها ابعادٌ ثابتة تحافظ على وحدتها العضوية , وهذا بالطبع ينطبق على الشعر وكل أنواع الفنون والطبيعة أيضا ً , فلا يمكن أن نجد قصيدة مترهلة , أو مقطوهة موسيقية تتصف بهذه الصفة , ولا يمكن أن نجد في الطبيعة ماهو مفتقد لهذه الأبعاد التي تحافظ على وحدتها العضوية . ثاني هذه الأشياء هو الهارموني , فلا يمكن أن نجد قصيدة أو مقطوعة موسيقية أو لوحة لا تتسم بالتناغم والتوافق الداخلي . ثالث هذه الأشياء هو الأيقاع , والأيقاع موجود في كل شيء في الحياة ( 1 ) , وبطبيعة الحال في كل أنواع الفنون , حتى الفن التشكيلي والتصوير الفوتوغرافي يتسم بهذه الصفة , ويمكننا أن نجد ذلك في أيقاع الألوان في اللوحة ( 2 ) , لكني أعتقد أنه إيقاع ٌ من نوع ٍ خاص , ويمكننا أن نسميه أعادة اكتشاف لإيقاع ٍ حدث في لحظةٍ معينة , فانسيابيت الألوان وتدرجها تعطي أيقاعا ً من نوع ٍ آخر , وهذا ينطبق أيضا ً على الصورة الفوتوغرافية فأبعادها المختلفة تجعلك تشعر بهذا الأيقاع , وخير مثال على ذلك أنك أن ألتقط صورة فوتوغرافية لمجموعة من الأشخاص الذين يسيرون في خان الخليلي يمكنك أن تكتشف من عمق الصورة وتدرج سير الأشخاص من الخلف إلى الأمام أيقاع حركتهم في تلك اللحظة بالذات , وما يجعل هذا الإيقاع حيا ً هو النظرة الكلية لكل من اللوحة والصورة الفوتوغرافية التي تجعلك ترى هذا الإيقاع الذي حدث في لحظة معينة أثناء رسم اللوحة أو ألتقاط الصورة , ولا يمكن ان تختفي هذه القواعد من الجمال والفن بأي حالٍ من الأحوال , حتى المدرسة الدادية التي أرادت ان تكسر كل قواعد المنطق والفن لم تستطع أن تكسر هذه القواعد . هنا يجب أن نتسائل أن كانت هناك أشياء يتفق معظم الناس على أنها جميلة , أعتقد أن هذه الأشياء موجوده , والسبب في ذلك هو الوصول إلى درجة الكمال في النقاط الثلاثة سالفة الذكر , فكلما أقترب هذا الشيء من درجة الكمال كلما ذاد عدد الأشخاص الذين يرون هذا الشيء جملا ً , وكلما أبتعد هذا الشيء عن درجت الكمال كلما قل عدد الأشخاص , ولكن الوصول إلى درجة الكمال الفعلي لا يكون الا في الطبيعة التي خلقها الله سبحانه وتعالى , وفي بعض الأحيان يضاف عنصر رابع إلى العناصر الثلاثة السابقة وهو عنصر الإبهار , والمثال على هذه الأشياء التي يمكن أن يتفق معظم الناس على أنها جميلة يمكن أن نجده في شلالات النياجرا والهرم الأكبر , وعلى العكس تماما ً يمكن أن نجد اشياءا ً يتفق معظم الناس على أنها قبيحة , كالبراز مثلا ً , ومع ذلك يظل الجمال نسبيا ً , لأنه وأن أتفق معظم الناس على جمال أو قبح شيء معين يظل هناك من لا يتفق على أن هذا الشيء جميلا ً أو قبيحا ً , واعتقد ايضا ً ان اصحاب مدرسة جماليات القبح قد استطاعوا أن يصنعوا من هذا الشيء القبيح شيئا ً جميلا ً , فلم يتركوه قبيحا ً كما هو , ولم يكسروا القواعد الثلاثة سالفة الذكر . أما بالنسبة للفن فالبرغم من أنه عملية ابداع وليس تلقيا ً للجمال كما يقول الفلاسفة جميعا ً , إلا أنه لا يمكن أن يخرج عن قواعد الجمال العامة , وذلك لسببٍ بسيطٍ جدا ً , وهو أنه من غاياته الوصول إلى الجمال , وهذا يجعلنا نتطرق إلى نقطة في غاية الأهمية , وهي هل يمكن أن يكون الفن غاية في حد ذاته , أم أنه لابد أن يتسم بالإلتزام , أعتقد انه لايوجد فن غير ملتزم , سواءٌ كان هذا الإلتزام بطريقةٍ واعية أو بصورةٍ غير واعية , حتى قصيدة النثر التي أتسمت بثلاث صفات أساسية وهي القصر والتوهج واللاغرضية لا يمكن أن تكون غير ملتزمة , والدليل على ذلك أنك وإن تحدثت في اللازمان واللامكان وانكفئت على ذاتك وتحدثت في كل ماهو يومي ومعاش لا يمكن ان تكون لا غرضيا ً فذاتك غير منفصلة عما يحيط بها , وكل ماهو يومي ومعاش غير منفصل عن ماهو أعم وأشمل , لذلك أعتقد أنك سوف تكون ملتزما ً في نهاية المطاف سواءٌ كان ذلك بصورةٍ واضحة وواعية أو بصورةٍ غير واضحة وغير واعية . الفن لا يتنتج في حقيقة الأمر إلا بعد اكتمال ماهية الفنان بعنصريها , وهما الماهية الورائية والماهية المكتسبة , ثم بعد ذلك يختار مابين الممكنات المتاحة له وأعني بها أمكانياته الشخصية وليس مايفرض عليه , فما يفرض عليه يجب أن يقاوم , أو أن يختار هذه الممكنات جميعا ً , وأن يعمل بصورةٍ متوازية ومتوازنة في تحقيق هذه الممكنات , وتحقيق وجوده الفعلي على أرض الواقع . هل يمكن أن يكون الفنان مغتربا ً , لا أعتقد ذلك وأعني هنا الإغتراب عن الفن نفسه أو قواعده الأساسية وليس الإغتراب النفسي للفنان , لأنه ان اغترب عن هذه القواعد الأساسية سوف يخرج من دائرة الفن , كما أعتقد أنه لا يمكن الإغتراب عن الإلتزام حتى وأن أراد الفنان ذلك لأنه كما قلت من قبل سوف يخرج في فنه سواءٌ كان ذلك بطرقةٍ واعية أو بصورةٍ غير واعية . هذه هي القواعد العامة للفن , ولكن لكل فن قواعده العامة الخاصة به , فالشعر على سبيل المثال يتفق مع هذه القواعد العامة ولكنه يزيد عليها عنصر في غاية الأهمية وهو اللغة فلا يمكن ان تكتب قصيدة بدون لغة , كما يجب أن يكون الشاعر محافظا ً على رقي اللغة وقواعد النحو في قصيدته , وقد يتسائل البعض لما لم أتحدث عن الصورة الشعرية , وذلك لسببٍ بسيطٍ جدا ً , وهو أن الصورة الشعرية قد لا تكون موجودة في بعض الأشكال الشعرية كالزجل على سبيل المثال . وبما اننا نتكلم عن القواعد العامة للشعر فيجب أن أتطرق إلى نقطة في غاية الأهمية , وهي موسيقى الشعر , فقد كان الشعر في باديء الأمر يكتب بطريقةٍ تلقائية , ثم جاء الخليل بن أحمد ووضع بحور الشعر العربي الخمسة عشر , ووضع أحد تلاميذه البحر السادس عشر , كما أن موسيقى الشعر كانت تختلف عند المصريين القدماء والرومان والأغريق , وتختلف أيضا ً مابين الشعوب والأجناس المختلفة في العصر الحديث , وذلك لأختلاف اللغة والثقافة و أعتقد أيضا ً لأختلاف الوعي بما يجب أن تكون عليه موسيقى الشعر , ثم تطور الأمر وأصبح هناك مايعرف بشعر التفعيلة , وهو ماعرف خطئا ً بالشعر الحر , لأن الشعر الحر يعتمد على الأيقاع بمفهومه العام بدلا ً عن الوزن وتساوق الأصوات بدلا ً عن القافية , ثم تطور الأمر بحيث أصبح يكتب بطريقةٍ تتداخل فيها الأوزان أو يتداخل الوزن مع النثر من دون ان يكون هناك خلل في الأيقاع العام للقصيدة أو وحدتها العضوية , أما شعر التفعيلة فأنه يعتمد على التفعيلة الواحده وليس البحر بصورته الكاملة وهذا ما يجعله بالطبع يختلف عن الشعر العمودي , ثم ظهرت قصيدة النثر والكتابة عبر النوعية والقصيدة الألكترونية بما تتضمنه من تفاعليه وغيرها من الأنواع , ما أريد أن اقوله ان موسيقى الشعرأعم وأشمل من البحور العروضية المتعارف عليها , والدليل على ذلك أن أي أذن بشرية تستطيع أن تكتشف أي خلل في موسيقى الشعر بتلقائية حتى وأن لم يكن المستمع شاعرا ً , وقد يقول البعض أن الأذن البشرية العادية غير منضبطه على البحور الشعرية المتعارف عليها , أقول له نعم انها غير منضبطه عليها فقط , وإنما أيضا ً قادرة على أن تكتشف أي خلل في موسيقى الشعر بمفهومها العام والشامل سواءٌ كان النص موزون أو به تداخل في الأوزان , سواءٌ كان نثر أو تفعيلة أو يدمج مابين الأثنين . الأن يجب ان ننتقل إلى نقطة اخرى , وهي كيف يمكن أن نميز بين الفن الجيد والفن غير الجيد , أعتقد ان الفن كلما اقترب من درجة الكمال في قواعد الفن العامة وقواعده العامة الخاصة به يكون أكثر رقيا ً من ذلك الذي يبتعد عن هذه القواعد , وأعتقد أن هذا هو السبيل الوحيد للتفرقة بين ماهو جيد وماهو غير جيد في الفن وليس أي شيء آخر . وبما ان هذه التابوهات التي وضعت للفن ليست حقيقية , أعتقد انه يجب ان تكون هناك مدرسة في الفن تعيد الأمور إلى نصابها الصحيح وإن كانت توجيهية في المقام الأول ولا تضع تكنيكا ً محددا ً يعتمد عليه الفنانون في إبداعهم , وقد آثرت ان اسميها الباراتابو , والمقطع الأول من المصطلح لايعني شيئا ً , لكنني فعلت مثلما فعل ألفريد جاري عندما أراد ان يسخر من الفلسفة الميتافيزيقية , وسمى مدرسته في الفن بالباتافيزيقية , مع بعض التحريف بالطبع , وجعلت هذا المقطع يقترن بكلمة تابو للتاكيد على أن الفن لايوجد به محرمات أو مقدسات , وأن الفنان حرٌ فيما يفعل مادام لم يخرج على قواعد الفن العامة , كما أنها ليست الأسلوب الأمثل في الإبداع , ولكنها الأمثل من وجهت نظري لكي يعود الفن إلى نقائه وحريته . تعتمد هذه المدرسة على القواعد الآتيه : 1- أن تبدع كما تشاء مادمت لم تخرج عن قواعد الفن العامة والقواعد العامة الخاصة بفنك . 2- أن لايكون هناك تكنيكا ً موحدا ً في أبداعك , فقد تأتي بجديد وقد تتشابه مع بعض المدارس الموجوده ولكن بالطبع مع أختلاف في الأيدولوجيا وأستخدام رمزية التكنيك , المهم أن يكون ذلك بطبيعية , وأن تكون في حالة تجريب دائم . 3- يجب أن تكون ملتزما ً بكل مايتناسب مع طبيعة البشر النفسية والعقلية , الدينية والأخلاقية , كما يجب أن لايفرض ألتزامك بأيدولوجيا معينة تكنيكا ً موحدا ً في إبداعك . 4- لا يوجد منطق في الفن , الفن هو الذي يصنع منطقه الخاص . 5- لا يعني الإبداع بطبيعية ان لاتكون واعيا ً بما تبدع ولما تبدع بل يجب أن يسير الوعي واللاوعي في خطين متوازيين لحظة الإبداع . في النهاية يجب أن أقول أن هذه المدرسة لا ترفض أي شكل إبداعي , كما أنها لا ترفض أي مدرسة إبداعية , لكنها تريد أن يعود الفن حرا ً كما كان , لكي يعود الإنسان حرا ً كما كان . ( 1 ) : كان الفيلسوف فؤاد زكريا يرى أن الإيقاع موجود في كل شيء في الحياة . ( 2 ) : يرى الشاعر عبد الرحمن سيد تمام أن الإيقاع موجود حتى في اللوحات والصور الفوتوغرافية وأن ذلك يظهر بوضوح في ايقاع الألوان داخل اللوحة . محمد علاء الدين مصر

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل