المحتوى الرئيسى

أحزاب المعارضة العربية

04/02 17:50

حسين العودات هبت ثورة شعبية في تونس، غيرّت النظام السياسي، وحولت تاريخ تونس من اتجاه إلى آخر، وحرضت شعوب البلدان العربية على حذو حذوها، ورغم كل ما حصل، فقد كانت معظم أحزاب المعارضة التونسية مذهولة مندهشة تتفرج على ما يجري دون أن تستطيع المشاركة في الأحداث، أو أن تتبناها، أو حتى أن تركب موجتها، بل إنها عجزت عن تصور خارطة طريق للنظام الجديد، أو الإيحاء ببرنامج سياسي واقتصادي واجتماعي له، وكانت معطلة أو شبه معطلة، تنظيمياً وسياسياً وجماهيرياً وفي كل مجال، وكأن ليس لها جماهير أو أعضاء أو مؤيدون قادرون على المشاركة في التظاهرات الجماهيرية، ودعم الانتفاضة، والتذكير بوجودها حتى لمجرد التذكير، وتبين أن هذه الأحزاب هي أسماء بدون مسميات، وهياكل بدون كساء، ولا يعدو دورها إصدار تصريحات (نارية) وصحف (أسبوعية) بائسة، تدلس للنظام مثل صحفه، وإن قادتها هم (أفندية) احترفوا التصريحات والكلام المنمق وأحياناً (الكلام الثوري المنمق) الذي يُفهم بعضه ولا يفهم كله، وقد اتضح للمراقبين الأسباب التي جعلت أحزاب السلطة تحكم بلدانها بالطريقة التي تشاء، وللمدة التي تريد، وترتكب الموبقات، وتسكت عن الفساد والاستبداد ونهب المال العام وانتهاك حقوق المواطنين، باطمئنان وأمان ودون خوف، لا من معارضة ولا من أحزاب مناوئة. حصل ما حصل في مصر أيضاً، وهبت انتفاضة تحولت إلى ثورة، عاركت النظام السياسي وأسقطته بدءاً من رئيسه وأخذت تفرض شروطها على السلطة الجديدة، سواء منها المتعلقة باختيار الوزراء وكبار المسؤولين، أم تلك المتعلقة باختيار هياكل النظام السياسي: الدستور، نظام الانتخابات، شكل الحكم (برلماني أم رئاسي)، وأحزاب المعارضة المصرية، تتفرج على ما جرى ويجري، لاهي قادرة على المشاركة ولا على التوجيه ولا على قيادة الثورة، ولم تستطع وضع خارطة طريق للنظام الجديد، أو الإيحاء ببرنامج أو بأفكار سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها، وتأكد أن هذه الأحزاب بدورها هي أسماء بدون مسميات وهياكل بدون كساء شأن أحزاب المعارضة التونسية، وما هي سوى صحف (أسبوعية) معدومة التأثير، وبضعة قادة أقرب إلى الظاهرة الصوتية، يطلقون الشعارات المنمقة، الثورية والمعتدلة، لكنهم لا يخرجون عن كونهم مجموعة من (الأفندية) لا يقودون أحداً غير نسائهم، وتبين في مصر كما في تونس أن صيحاتهم (يا جماهير شعبنا) لا تعني شيئاً، لأنها صيحات في واد، حيث لا جماهير تسمعهم أو تراهم أو تعترف بوجودهم، وهم لا يقلون بعداً عن الجماهير بُعد أحزاب السلطة عنها. لم يختلف الأمر لدى أحزاب المعارضة اليمنية، فبينما كانت تحاول جاهدة (ومتوسلة) محاورة النظام (وهو يرفض) وتسعى ليقبل الاتفاق معها على برنامج الحد الأدنى، وفي الوقت الذي يزداد فيه رفضاً وتعنتاً وصلفاً ولا يأخذها بعين الاعتبار، في هذه الأثناء هبت انتفاضة شباب الشعب اليمني، الذي لم ينتسب لأي حزب من أحزاب المعارضة ولا إلى غيرها، وقد طالب منذ اللحظة الأولى (بإسقاط النظام) وكان في البدء محط سخرية واستخفاف من أهل النظام، وعدم اهتمام (أو مشاركة) من أحزاب المعارضة، إلا أن الانتفاضة كبرت وكبرت وزودها الشعب اليمني بعشرات آلاف المتظاهرين، فأدرك النظام خطورتها، كما أدركت أحزاب المعارضة أهميتها، فتراجعت عن مطالب الحد الأدنى. وانضمت بعد تردد للانتفاضة دون أن تقودها أو تشارك في قراراتها، وعاد النظام بدوره ليقبل الحد الأقصى من مطالب المعارضة، لكنها رفضت الحوار مستقوية بالانتفاضة وشبابها، وقد حاول قادة هذه الأحزاب أن يتحولوا إلى قادة شعبيين بعد أن فاتت الفرصة، وبعد أن تبين أن جماهيرهم متواضعة، فلا هم أنقصوا عدد المنتفضين في بدء الانتفاضة عندما لم يشاركوا بها، ولا هم قادرون الآن على توجيهها، وانكفئوا يوظفون صحفهم وتصريحاتهم لخدمة الانتفاضة، وهم يعلمون أن لا شأن لهم بها، ولا قدرة لهم على توجيهها وأنهم لا يتعدون كونهم ظاهرة صوتية، وهم قادرون على التصريحات المنمقة فحسب وليس على جمع الجماهير حولهم أو قيادتها، ولعلهم يكتفون الآن بصحفهم الأسبوعية وشعاراتهم المنمقة التي كانت تخشى (نقد النظام بجدية) وتدلس له أكثر مما تنتقده. تكرر الأمر نفسه، في معظم البلدان العربية، وتجاه أحزاب المعارضة فيها، فلم تخرج هذه الأحزاب عن الأطر العامة للأنظمة السياسية، ومتطلبات هذه النظم ورغباتها، وخطوطها الحمر والخضر والصفر، حتى تأقلمت أحزاب المعارضة مع النظام، ولم تخرج عما رسمه لها، لأنها معارضة في النظام وليست معارضة للنظام. إن الدراسة المنهجية لظاهرة أحزاب المعارضة العربية ومواقفها وبناها، وعلاقتها بالنظم السياسية وبالجماهير الشعبية، تشير إلى أن الأمر نتاج طبيعي للشروط الموضوعية القائمة التي وضعت النظم شعوبها وأحزابها فيها، وليست ناتجة عن أن مناضلي هذه الأحزاب هم (نصف مناضلين) أو أن قادتها (أضاعوا البوصلة) أو أن الجماهير عزفت عن السير في ركابها بسبب (رداءتها)، وإنما لأن شروط النظام المفروضة كانت شديدة وقاسية وأدت في نهاية المطاف إلى إضعاف هذه الأحزاب، وتهافتها، وفقدان ثقة الجماهير بها، إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه. وأخيراً انتفضت الجماهير دون أن تجد الأنظمة من تحاوره، أو يقبل التنازل لها والتسوية معها، واضطرت لدفع الثمن الأقصى والأغلى، أي سقوط النظام أو شبه سقوطه، لأنها عزلت أحزاب المعارضة عن الجماهير، فلو تركتها تعمل بينها لوجدت من تفاوضه، ولما اضطرت أن تدفع كل ما لديها. *نقلا عن"البيان" الاماراتية

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل