المحتوى الرئيسى

قراءة في ملامح عناية محمد رجب البيومي بالبيان النبوي

04/02 09:32

د. خالد فهمي اختتم الراحل العظيم محمد رجب البيومي رحلته مع الحياة والجهاد العلمي مخلفًا عددًا كبيرًا من الآثار المهمة، كان من بينها اهتمامه بالبيان النبوي.   وقد كانت الحقيقة الظاهرة التي تُرى في الذكر الحكيم والسنة المشرفة الأصلين الأعليين الحاكمية على الشريعة والثقافة في المحيط الإسلامي هو مسوغ العناية بهما عناية مستوعبة متشعبة، طالت كل ملامح تكوينهما، وفجرت علومًا كثيرة للوفاء بهذا الفرض النبيل.   وكان مما ولد للعناية بهذين الأصلين الأعليين مجموعة ضخمة من العلوم العربية، وفي مقدمتها علوم اللغة والبلاغة المتنوعة.   وقد استقر في المرجعية المعرفية في تصنيف العلوم عند المسلمين أن البلاغة إنما ظهرت في الحضارة العلمية عند العرب؛ بسبب من إرادة الوفاء بفحص أمر إعجاز الذكر الحكيم.وقد استمرت أبعاد هذه العناية حتى العصر الحديث، واتخذت هذه الأبعاد أشكالاً متنوعةً، تسعى جميعًا للإحاطة بخصائص البيان القرآني والبيان النبوي معًا بما هما الجناحان اللذان يطيران بالعقل والوجدان الإسلاميين تكوينًا، وتشكيلاً، وضبطًا.   (1) محمد رجب البيومي رائدًا على الطريق دراسة خصائص البيان النبوي وقد ازدهرت علامات العناية بفحص خصائص البيان في الذكر الحكيم والسنة النبوية معًا في العصر الحديث، اتخذت مناهج متنوعة متكاملة تحاول أن تحيط بهذه الملامح والخصائص من الجوانب كافة.   وقد كان من الرواد الذين أسهموا إسهامًا ظاهرًا في فحص خصائص هذا البيان القرآني والنبوي معًا الراحل الكريم الدكتور محمد رجب البيومي رحمه الله تعالى (1923- 2011م) الذي يُعد بحق راحلاً من العلماء المسلمين الموسوعيين.   وإذا كانت ملامح العناية بدراسة خصائص البيان القرآني ظاهرة وممتدة منذ زمن قديم جدًّا من عمر العلم في الحضارة العربية الإسلامية؛ فإن فحص خصائص البيان النبوي، وفحص سمات الحديث النبوي بما هو نمط خارجي فريد من الكلام، يتسم باستمداده المباشر، والحي من الوحي الإلهي، ويعكس عددًا كبيرًا من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم بما حازه من شمائل الكمال الإنساني، وبما يجلي علامات العناية الربانية بمحمد صلى الله عليه وسلم، وبصناعة النبي الأكرم صلى الله عليه وسلم تُعدُّ أقل من تلك التي تفرغت لدراسة البيان القرآني.   ومن هنا فقد توجهت هذه المقالة إلى الوقوف أمام واحد من كبار رواد البيان النبوي في العصر الحديث، ألا وهو الدكتور محمد رجب البيومي، وتتمثل سهمة الرجل الأساسية في هذا المجال في كتابه المهم: "البيان النبوي"، دار الوفاء، المنصورة، مصر الطبعة الأولى 1407هـ 1987م.   ومحمد رجب البيومي فيما اختطه في هذه السهمة لم يكن منعزلاً عن الطبيعة الفذة للبيان القرآني؛ ذلك أنه يلزم من الناحية العلمية فحص خصائص البيان النبوي في مرآة التأثير الطاغي للبيان القرآني في نصوص البيان النبوي.   ومن هنا ظهرت علامات لهذه العناية بالبيان القرآني درسًا وتحليلاً في عدد من الدراسات المهمة من مثل: 1- البيان القرآني، مجمع البحوث الإسلامية، سلسلة البحوث الإسلامية، القاهرة 1390هـ/ 1970م، كتاب رقم 31.   2- خطوات التفسير البياني للقرآن الكريم، مجمع البحوث الإسلامية، سلسلة البحوث الإسلامية، القاهرة 1391هـ/ 1971م، كتاب رقم 44.   ولم يقف الأمر عند حدود هذه الأدبيات الفاحصة للبيان القرآني، وإنما تعدتها إلى الوقوف أمام عددٍ من خصائص هذا البيان في بعض الدراسات التي توقفت أمام نقض دعاوى عدد من المستشرقين فيما يخص خصائص هذا البيان، وبنائه الأسلوبي واللغوي على ما نرى لذلك مثلاً في الفصول التي أفردها لمناقشة دعاوى المستشرق الفرنسي المعاصر جاك بيرك، وقد جاء ذلك في كتاب البيومي رحمه الله: إعادة قراءة القرآن، محمد رجب البيومي يرد على جاك بيرك، كتاب الهلال، دار الهلال، القاهرة، 1999م ع 588.   وقد وقفنا أمام بيان سهمته في خدمة البيان القرآني لنبين أن خدمته للبيان النبوي جاءت تالية في التاريخ، وهو ما يعكس وعيًا في منزلة البيان النبوي بالقياس إلى البيان القرآني، وتأثير هذا الثاني على الأول، وهو أمر علمي ظاهر الدلالة على ما نقرره.   أما في سياق فحص البيان النبوي، وتلمس خصائصه، فإن محمد رجب البيومي بما كتبه في كتابه البيان النبوي يمثل حلقةً مهمةً في الجهود المعاصرة في هذا المقام.   صحيح أنه مسبوق بعددٍ من الدراسات الدالة والمهمة على هذا الطريق، لعل في مقدمتها دراسة الراحل الأستاذ/ مصطفى صادق الرافعي، رحمه الله تعالى، التي عنوانها: إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، لكنه يمثل البداية الثانية، أو ما يمكن التعبير عنه بالتأسيس الثاني لدراسة البيان النبوي بعد سهمة جيل الرواد المعاصرين من أمثال الرافعي، وبعض من الإشارات المتناثرة لدى العقاد، وأحمد حسن الزيات، وطه حسين، وغيرهم.   وقد شارك في النهوض بهذا التأسيس الثاني عددٌ من الدارسين بشكلٍ مباشرٍ من أمثال الدكتور مصطفى الشكعة في كتابه (البيان المحمدي)، والدكتور/ محمد لطفي الصباغ في كتابه (التصوير الفني في الحديث النبوي).   ويظهر الدكتور محمد رجب البيومي في مقدمة كتابه (البيان النبوي) الوعي بموقع دراسته على خريطة ما سميته التأسيس الثاني لدراسة البيان النبوي في العصر الحديث عندما يقرر في سياق ذكر المسوغات الباعثة على دراسته، قائلاً: (صـ5) "منذ زمن بعيد وأنا أبحث في المكتبة العربية عن كتاب يخص بيان محمد صلى الله عليه وسلم بدراسة تحليلية مفصلة فلا أجد؛ إذ إن كتاب الله الخالد قد شغل جمهور النقاد، وأئمة البلاغيين في القديم والحديث بدراسة إعجازه.. ولم يشحذ أحد هؤلاء همته ليخص البيان النبوي بدراسة تحليلية في كتاب خاص تظهر روائع إبداعه صلى الله عليه وسلم، وتوضح سمات أسلوبه"!.   وفي هذا النقل إلحاح على غياب دراسة مفصلة، وخاصة، ومفردة بفحص أمر البيان النبوي، وخصائصه، وهو ما يؤكد الوعي بموقع البيومي على خريطة التأسيس الثاني لدراسة البيان النبوي بعد التمهيد الذي صنعه جيل الرواد المعاصرين الذين نبهوا، وأجملوا القول في منزلة البيان النبوي.   (2) البيان النبوي للدكتور محمد رجب البيومي مقال في حدود الإنجاز في سبيل تقدير خصائص البيان النبوي التي توصَّل إليها الدكتور محمد رجب البيومي بما هو رائد التأسيس الثاني لدراسات البيان النبوي في العصر الحديث، يحسن فحص منجزه في هذا المجال، وهو ما يمكن تمثله من خلال عرض كتابه (البيان النبوي).   انتظم الكتاب ستة عشر فصلاً شكلت مجموع قسماته، وهي كما يلي: 1- شبهات حول السنة. 2- الطابع الأدبي للبيان النبوي. 3- العامل الرئيسي في تكوين البيان النبوي. 4- النبي صلى الله عليه وسلم خطيبًا. 5- موقف النبي صلى الله عليه وسلم من الشعر والشعراء. 6- رسائل النبي صلى الله عليه وسلم ومعاهداته. 7- الأقصوصة في أدب النبي صلى الله عليه وسلم. 8- صور القيامة في أدب النبي صلى الله عليه وسلم. 9- تأثير حديث المعراج في الآداب العالمية. 10- محمد صلى الله عليه وسلم داعية. 11- محمد صلى الله عليه وسلم رائد الابتهال. 12- سمات البيان النبوي. 13- رسالة الأدب النبوي. 14- تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقرآن الكريم. 15- بين إعجاز القرآن الكريم وإبداع الحديث النبوي. 16- البيان النبوي في عيون النقاد.   ملاحظات على حدود منجز الدكتور البيومي في مصنفه: إن قراءة كتاب (البيان النبوي) للدكتور البيومي يفتح الباب واسعًا نحو تأمل عددٍ من الملاحظات الظاهرة يمكن إجمال القول فيها فيما يلي: أولاً: تمثل دراسة الدكتور البيومي امتدادًا وتعميقًا للمحاولات السابقة عليه، ولا سيما دراسات الأساتذة المعاصرين من أمثال مصطفى صادق الرافعي، وأحمد حسن الزيات، وعباس محمود العقاد، على ما ظهر مثلاً في الفصل السادس عشر من الكتاب.   وهذا الامتداد والتعميق مسألة مهمة جدًّا في النظر العلمي الذي يُعدُّ في الحقيقة بناءً تراكميًّا، يضيف إلى ما هو قائم، ولا يتنكر له.   ثانيًا: اتساع نطاق الدرس للبيان النبوي نوعيًّا، ومنهجيًّا؛ بمعنى أن كتاب البيومي فحص خصائص البيان النبوي في نطاقاته المختلفة من حديث نبوي، أو من خطابة نبوية، أو من كتابات ومراسلات نبوية، وهي جميعًا أوجه متكررة لما صدر عنه صلى الله عليه وسلم من بيان.   ولم يقف البيومي عند حدود الدرس النظري للبيان النبوي المعتمد على جمع الخصائص والسمات المرصودة لبيانه صلى الله عليه وسلم في أدبيات البلاغة النبوية على امتداد التاريخ، وإنما اتسعت دراسته لتقف على المناطق التطبيقية المتنوعة.   ثالثًا: تأكيد ارتباط شجرة البيان النبوي بالمصدر الأعلى للبيان العربي المتمثل في الذكر الحكيم؛ ذلك أن الدكتور البيومي أدرك أن علو البيان النبوي مستمد من استمداده من البيان القرآني؛ أو على حدِّ تعبير الرجل عندما قال: إن القرآن الكريم هو أستاذ محمد صلى الله عليه وسلم، وهو ما يعني أن البيان النبوي فرع من البيان القرآني.   (3) خصائص البيان النبوي قراءة في السمات الكامنة في الكتاب إن القراءة الفاحصة لكتاب محمد رجب البيومي، ومن قبله القراءة الفاحصة للمرويات عن النبي صلى الله عليه وسلم- أيّا ما كان نوعها- حديثًا، أو خطبة، أو كتابة تدلنا على عدد من السمات المائزة والفارقة معًا.   وهذه السمات المرصودة من جانبنا لم ترد ظاهرة في كتاب الرجل، لكنها سمات كامنة في قدرة الكتاب، وعمله، بحيث لو قلنا إنها من نتاجه، كان قولنا صحيحًا إلى حدٍّ بعيدٍ.   ونحن في استخراج هذه السمات نرمي إلى أمرين معًا هما: أولاً: الكشف عن خصائص البيان النبوي كما تجلَّت في كتاب الدكتور البيومي، بما هو رائد من رواد التأسيس لدراسات البيان النبوي في العصر الحديث. ثانيًا: التيسير على القارئين فيما يتعلق بجمع هذه الخصائص والسمات في حير واحد تعين على تقييم مُنجَز الدكتور/ محمد رجب البيومي في ميدان دراسة البيان النبوي بعد فترة طويلة من الدراسة الجزئية المفتتة والمشتتة وغير المستوعبة، على حدِّ وصف الدكتور البيومي نفسه للمحاولات السابقة عليه جميعًا، كما جاء في مقدمة كتابة المذكور.   وفيما يلي محاولة منَّا تستهدف الوقوف على ما نراه خصائص مائزة للبيان النبوي، جمعناها مما تناثر في دراسات البيان النبوي عمومًا، وفي كتاب البيان النبوي للدكتور محمد رجب البيومي خصوصًا، سعيًا إلى تثمين جهد الرجل رحمه الله في دراسة هذا النمط الفريد من البيان على صاحبه أزكى صلاة وأتم سلام.   أولاً: إيثار الوضوح والتبيين وهذه سمة ثابتة مشار إليها، موقوفة عليه؛ تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: "ما كان رسول الله يسرد سردكم، أو كسردكم. ولكنه كان يتكلم بكلام بين".   وفي شرحه وتعليقه يبين القاري: أنه لم يكن يعجل في كلامه، بحيث يلتبس على السامع؛ فلا يتفطن لما ينطق به صلى الله عليه وسلم، بل كان يتكلم بكلامٍ واضحٍ، ومفهوم غاية الوضوح.   ولعل ما يدعم هذه الخصيصة ما تواتر عن وصف قراءته صلى الله عليه وسلم للذكر الحكيم بأنها كانت تقف على أساس كل آية طلبًا لهذا الذي وصفته أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها.   وهذه السمة تبدو مفهومة ومقبولة في إطار كونه صلى الله عليه وسلم مأمورًا بالبلاغ للناس، وليس ثمة تكليف بدون إيضاح وإفهام وتبيين، وفي ذلك من تمام شفقته ورحمته صلى الله عليه وسلم بالخلق ما هو جلي ظاهر.   ولعل مما يتمم هذه السمة ما عبَّر عنه الدكتور البيومي في سياق رصده لخصائص رسائله صلى الله عليه وسلم من أنها اتسمت بالدقة القانونية، والخلوص إلى القصد في استقامة ووضوح.   يقول الدكتور البيومي في تعليقه على نص معاهدة الحديبية (صـ118): "فهذه معاهدة ذات مواد صريحة، وذات ألفاظ محددة ملتزمة"، وهذه المفردات الثلاثة (صريحة- محددة- ملتزمة) هي جماع ما نسميه هنا بإيثار الوضوح والتبيين والانضباط.   ثانيًا: البيان عند الحاجة: مما ورد في وصف كلام النبي صلى الله عليه وسلم ما رواه هند بن أبي هالة أنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يتكلم في غير حاجة؛ أي من غير ضرورة دينية، أو دنيوية.   وهذا هو الأمر المفهوم في سياق قضية التوقي أو التحرز من الكلام بلا فائدة، سواء كانت هذه الفائدة حسية أو معنوية، وهو المفهوم العملي التطبيقي في قمته الأعلى للوصف القرآني الجامع: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3)﴾.   وهذا الذي نذكره مستنبطًا من حديث ابن أبي هالة استقر قانونًا ملهمًا في أيدي البلاغيين القدامى، وعلماء اللغة المعاصرين يعين على تفهم الخطاب، والمبدأ المستقر المعروف بتحكيم المقام، وهو بعض المفهوم من قول الحديث إنه لم يكن يتكلم من غير حاجة داعية إليه، أو من غير ضرورة باعثة عليه أيًّا ما كان نوعها، وهو ما يجعل الكلام الصادر منضبطًا بهذا متسمًا محتفًيا بالقيمة والوجاهة، وتعين على ارتباط المتلقين له بمرسله ارتباطًا ظاهر الخصائص، والقيمة، والتأثير.   وقد يتوسع الدكتور محمد رجب البيومي فيسمي بعضًا مما عبَّرنا عنه باستعمال وصف جامع يقرر فيه أن اقتناص الفرص الداعية الملائمة كانت صفةً ثابتةً حاكمةً لمجال دعوته صلى الله عليه وسلم على ما جاء في الكتاب (صـ189).   ثالثًا: إحاطة الكلام افتتاحًا واختتامًا بذكر الله تعالى: إن القول الجامع في محمد صلى الله عليه وسلم يدور حول كونه نبيًّا في المقام الأسنى، صحيح أنه أفصح من نطق بالضاد، وصحيح أنه يمتاح من فيض أسلوب الذكر الحكيم، لكن ذلك جاء دائرًا في فلك نبوته صلى الله عليه وسلم.   وهذه الحقيقة الباهرة تعين على تفهُّم الالتزام بهذه السمة التي وسمت كلامه؛ حيث نص العلماء في معرض بيان خصائصه صلى الله عليه وسلم في الكلام أنه كان يزينه أدب رفيع من الله سبحانه، ترجم بافتتاح الكلام واختتامه بذكر الله تعالى.   والمعنى أن كلامه كان محفوفًا بذكر الله تعالى، طلبًا لتقديسه، وطلبًا لاستعانته.   ويُستفاد من هذه السمة الملازمة تعليم الأمة استيعاب الزمان بذكره في الوقتين ابتداءً وانتهاءً لتحقيق البركة حالاً ومآلاً.   ولم تخل أحاديثه ولا خطبه ولا ابتهالاته ولا رسائله ومكاتباته من هذه الحفاوة بذكر الله تعالى، وهو ملمح فريد من خصوصيات البيان النبوي، ثم البيان العربي من بعده.   وهذه السمة فوق ما فيها من الاعتراف بالحقيقة الخالدة، تنطق بما يمكن أن نسميه الدعوة إلى الله تعالى بعبارات الافتتاح من البسملة والحمدلة، مما يعين تكرارها الدائم على استثارة السامعين أو القارئين لتأملها في هدوء.   رابعًا: التكلم بجوامع الكلم: لعل هذه السمة تكون أشهر ما تواتر في وصف طريقة النبي صلى الله عليه وسلم في الكلام؛ وهي تعني فيما تعنيه انطلاقه واحتكامه إلى القرآن الكريم، بما هو أستاذه المباشر.   وهو من ناحية أخرى يمثل أعلى نموذج انسرب القرآن الكريم وذاب في جناحه، وتجلَّى على لسانه.   صحيح أن هذه السمة سيقت سوق المدح في شأن بيانه صلى الله عليه وسلم، لكن ذلك ليس كل ما في المسألة بل هي عاكسة لأمر مهم جدًّا أشار إليه القاري في شرحه على شمائل الترمذي عندما قرر أن واحدًا من معاني هذه السمة يتمثل في جمعه بين فعل القرآن، وقوله في سلوك النبي صلى الله عليه وسلم.   أضف إلى ذلك أن هذه السمة تعكس مسألةً أخرى مهمة متعلقة بمستوى بديع من القدرة العقلية، والاتزان الانفعالي تظهر آثاره في التكلم بألفاظ يسيرة موجزة مكتنزة بالحكمة، متضمنة لمعاني كثيرة، وهو أمر جاء في موضعه، إذ قد ثبت له بالتواتر أمر هذه الرجاحة العقلية التي كان بعض آيات تجلياتها ظاهرًا في نمط بيانه الشريف.   وإن كان صحيحًا ما سبق من أن الإنسان مخبوء تحت لسانه، فإذا تكلم ظهر، فإن ما يظهر نمط بيان النبي صلى الله عليه وسلم دال على نفس نقية، وبالإمكان تأمل عدد من النصوص المبهرة الدالة على ما نقوله من مثل: 1- "المحتكر ملعون"          (المستدرك) 2- "الندم توبة"            (مسند الإمام أحمد) 3- "الصوم جنة"           (سنن النسائي) 4- "المستشار مؤتمن"         (صحيح مسلم). 5- "الصبر رضا"           (تاريخ ابن عساكر).   ففي هذه النصوص دليل واضح على هذه السمة، ودليل واضح على ما يندرج تحتها من علم وافر، وعقل راجح، ونفس نبيلة، وذلك أنها تنفي الفضول، وتبتعد عن التقصير، بحيث لا يمكن استشعار النقصان، أو التزيد.   إن جوامع الكلم بما هي صفة جامعة للبيان النبوي، وبما هي نصوص مكتنزة بالحكمة ترمي نحو الفصل بين الحق والباطل في نمط محفوف بالجلال من الكلام، يصيب أنفس المتلقين من أقصر الطرق.   لقد كان صلى الله عليه وسلم صاحب بيان فصل متناسق. خامسًا: استثمار وسائط البيان المختلفة: وقد اتسم البيان النبوي باستثمار الوسائط المختلفة للتوصيل، والتأثير، صحيح أن اللغة كانت صاحبة الهم الأوفى في مكونات بيانه الشريف، لكنها أعينت بعددٍ من الوسائط الاتصالية الأخرى مما يعرف بوسائط الاتصال غير اللفظية، المتمثلة في الإشارة والحركة الجسمية، واستعمال الموضحات البصرية مما يتناثر في البيئة المحيطة من عصا ورمال وحيوان، ونحو ذلك.   واستجماع هذه جميعًا هو ما جعل المنظرين للبيان يرون في كلِّ ما هتك الضمير وأبان عن المعنى في اعتبار المفهوم الجامع للبيان، ولعل في استثمار هذه السبل جميعًا تكشُّف عن ملمح برٍّ وحقوق في تواصله صلى الله عليه وسلم مع الآخرين، من غير تعالٍ ولا جفوة؛ ذلك أن واحدًا من أعلى مرادات مقام النبوة الكريم هو الوصول بالفكرة إلى كل إنسان.   وفي هذا السياق يرصد شارح المرويات حول صفة البيان النبوي العلامات الدالة التالية: 1-  أنه إذا أشار إلى أحد أشار إليه بيده، أو بكفه كله؛ فرارًا من مظنة التكبُّر والتجبُّر. 2-  أنه إذا تعجب قلب كفه من الهيئة التي كانت عليها حال التعجب. 3-  أنه يصل إشارته بكلامه في المسألة التي يستعمل الإشارة فيها. 4- أنه إذا غضب أعرض وأشاح؛ إما عدولاً عما يقتضيه الغضب، أو التماسًا لفهم الآخرين. 5-  أنه إذا فرح غض طرفه؛ تواضعًا، وظهرت الوضاءة في وجهه. هذه الخصائص التي جمعتها هذه الورقة ليست هي كل خصائص البيان النبوي التي يمكن استخراجها من أدبيات البيان النبوي المختلفة وفي قمتها الدكتور محمد رجب البيومي؛ وإنما هي الخصائص الإجمالية الكبرى التي تمثل الخطوط العريضة الممهدة للدراسة التفصيلية لخصائص البيان النبوي.   (4) إسهام البيومي في دراسة البيان النبوي آفاق لاستشراق المستقبل إن قراءة كتاب الدكتور محمد رجب البيومي (البيان النبوي) مضافًا إليها فحص ما يتعلق بالبيان النبوي في بعض كتبه الخاصة بالبيان القرآني ربما سمح بفتح باب لاستشراف المستقبل؛ بما يحتويه الكتاب من مجموعات المعلومات المتنوعة، وفيما يلي رءوس أقلام تعين على هذا الاستشراف: أولاً: أفق الدرس اللساني: والمقصود بهذا هو حاجة الحديث النبوي، أو البيان النبوي إلى الدرس اللغوي في ضوء المنجز اللغوي المعاصر كشفًا عن سماته، وخصائصه، وسعيًا لبيان الموضوع عليه مما قد يسهم في فحصه منجز الأسلوبيات، وسعيًا إلى ضبط طرق شرح المعنى المعجمي من خلال تأمل طرق شرحه صلى الله عليه وسلم لمعاني الكلمات التي كان يسأله عنها الصحابة رضوان الله عليهم.   ومن جانب آخر فإن مطالب رعاية المتلقي تفتح الباب واسعًا أمام اللسانيات الذرائعية (التداولية)؛ للكشف عن إمكانات هذا البيان النبوي، فضلاً عما يمكن أن تسديه نصوص هذا البيان من خدمات لعلم لغة النص.   ثانيًا: أفق الدرس البلاغي: ثمة مَن يقرر أن هناك سمتًا خاصًّا للكلام الأول، وسمت الكلام الأول- على حد تعبير العالم الجليل محمد محمد أبي موسى في شرحه للمختار من صحيح البخاري- أمر موصول ابتداء بالبيان النبوي، وهو المشروع الضخم الذي لم تقم به دراسات البلاغة العربية على الرغم من تاريخها الطويل.   صحيح أنها استطاعت أن تكشف عن عددٍ من الخصائص المائزة للبيان النبوي، لكنها تظل خصائص مفردة، متناثرة.   وهذا الملمح هو الباعث على الطموح نحو الكشف عن نظرية للبلاغة النبوية، أو ما يسميه أبو موسى (سمت الكلام الأول).   ثالثًا: أفق التقنيات الأدبية: إن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا مبعوثًا يستهدف خير الإنسانية، يفتح الباب إلى فحص مجموع التقنيات الأدبية والجمالية التي أحاطت بطرائق البيان النبوي بما أن ذلك مدخل جيد للتأثير في الإنسان.   ومن هنا فإن الحاجة ماسة لدراسة ما يلي: 1- الأجناس الأدبية التي أحاطت بطرائق البيان النبوي من مثل (القصة في البيان النبوي- الأقصوصة في البيان النبوي.. إلخ).   2- الوسائل والتقنيات (حدود المجازية في البيان النبوي- رعاية منظور المتلقي وأثره في البيان النبوي- التصوير وأهدافه في البيان النبوي.. إلخ).   3- سعت هذه الورقة إلى الإسهام في الكشف عن جهاد الدكتور محمد رجب البيومي في خدمة البيان النبوي، وهي الخدمة التي ساعدت على أن نقرر أن النور يغمر الكون. ------------ * كلية الآداب- جامعة المنوفية- مصر

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل