المحتوى الرئيسى

الموت هادم اللذات بقلم:موسى حجيرات

04/02 22:06

الموت هادم اللذات موسى حجيرات إنّ الله تعالى خلق الحياة الدنيا والحياة الآخرة وجعلهما محطتين من حياة الإنسان. فدنيا المرء منذ أن يكون نطفة في قرار مكين وحتّى يتوفاه الله، والحياة الآخرة تبدأ من البعث وإلى ما شاء الله. وقد فضّل الله الآخرة على الدنيا، وقال: "وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى" (الأعلى: 17)، ومع ذلك فالناس يفضلون الدنيا، فقد قال تعالى"بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا" (الأعلى: 16). وذلك بالرغم من أنّها متاع الغرور، والمتاع هو، كقول القرطبي في تفسيره، "ما يتمتع به وينتفع". وهي تغرّ المؤمن وتخدعه، فيظن طول البقاء، وهي فانية. وأضاف أبن كثير إنّ وصفها (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلا مَتَاعُ الْغُرُورِ) "آل عمران: 185)، هو تصغير لشأنها وتحقير لأمرها، وأنّها دنيئة، وفانية، وقليلة، وزائلة. وما هذا المتاع بحقيقي، إذ الحقيقي هو الفوز بالجنّة والنجاة من النار. وقيل إنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه، قال عنها، حين كتب لعامله علاء الحضرمي، فيما قال "... الدنيا أمد والآخرة أبد...". وهكذا فالدنيا الدنيئة، وإن طالت أو قصرت حياة المرء فيها فمآلها إلى زوال وفناء. وعمر الإنسان في الدنيا ينتهي بالموت؛ فينتقل إلى حياة البرزخ، فيبعث بعدها وتحلّ حياته الآخرة، وهو فيها في محطته الأخيرة؛ فإمّا إلى جنّة وإمّا إلى نار. وحين فصل الله تعالى بين الدنيا والآخرة بالموت جعله حقّ ويقين. وطالب العباد الذين خلقهم لعبادته في قوله تعالى:"وما وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات: 56)، وطالبهم بأن تستمر العبادة حتى يأتي اليقين، فقال مخاطبا: "وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ" (الحجر: 99). وأخبر الله تعالى بقدوم الموت وجعله أجل مسمى، فقال تعالى:"إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ" (يونس: 49). وكذا في مواضع كثيرة في القرآن الكريم والسنّة النبويّة وكلها تؤكد حقيقة الموت وحقيقة قدومه لا محالة. فالله تعالى يقول مؤكدا حقيقة الموت وأنّه المصير المحتوم لكل نفس بشريّة خلقها الله: "كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (آل عمران: 185)، وقال أيضا في معرض حديثه عن رحلة الإنسان منذ الخلق والى الخلود: "فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ" (الأعراف: 25). وفي السنّة النبوية والأحاديث هناك الكثير ما يؤكد ذلك، كقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إِلَّا عَجْم الذَّنَبِ، مِنْهُ خُلِقَ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ" (مسلم: 6270) وقد خلق الله تعالى ملكا خصيصا لقبض أرواح البشر، وقبض أرواحهم يعني فصلها عن أجسادهم، وذلك يعني موتهم، وقد استعرضت السيرة صفات ملك الموت عزرائيل خلال رحلة الإسراء والمعراج للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فقال جبريل في ردّه على سؤال الرسول صلى الله عليه وسلم عن عزرائيل:"هذا هازم اللذات، ومفرق الجماعات، ومخرب البيوت والدور، ومعمر القبور، وميتّم الأطفال، ومرمّل النساء، ومفجع الأحباب، ومغلق الأبواب، ومسود الأعتاب، وخاطف الشباب". كما تحدّد هذه المصادر، وتؤكد الحياة بعد الموت، وتحدّد المصير فيها، فهما حالتان لا ثالثة لهما، جنّة أو نار. وما يوصل إليهما هو عمل ابن آدم في الحياة الدنيا؛ فإن استهوته الدنيا وزينتها وزخرفتها وشهواتها ولذاتها، بأنواعها واستحوذت عليه نفسه وعقله وقلبه، فاستسلم وخضع وأذعن، فمصيره إلى الخلود في النار، وإن استعصم واستقوى بالله، وابتعد عن غرورها، وما تُمتع به وتخدع، وابتعد عن سبلها الفاسدة، ووسائلها الجاذبة، وانزوى إلى عبادة ربه محقّقا هدف خلقه فنهايته إلى جنّة عرضها السماوات والأرض. وهكذا فالموت والبعث هما حقائق ومسلمات في كلّ الأديان. والموت سنّة بشريّة قديمة بدأت منذ بدء الخليقة حين قتل أحد ابني آدم أخاه، وقد ورد في القرآن:"فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَاباً يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ" (المائدة: 31). وهكذا فيستدل من ذلك إنّها سنّة الدفن تحت التراب. أمّا إيرادها في القرآن الكريم فهي لتعليم المسلمين كيفية التعامل مع الإنسان بعد موته، كما يفيد أنّ الله اعتبر الموت سوأة. والسوأة هنا تغيير لخلقته، وأنّ جسده يبلى؛ فتتغّير ملامحه، وكذلك يتعفّن؛ فيأكله الدود، وهذه الأمور أجدر بأن توارى وتخفى. وقد أصبح الدفن يعني المواراة في التراب، وفي حفرة بمقاس الآدمي، لكي تواري وتخفي جثته،وشكله وتمنع انبعاث الروائح الكريهة منه. وكذلك فالموت أيضا، سنّة قرآنيّة، وهو من فروض الكفاية، إذ يقول الله تعالى:" أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا، "(المرسلات: 25). أمّا أسباب دفن الميّت في التراب فكثيرة ومنها، كما ذكر، أنّ الميّت تتغيّر هيأته في الخلق، كالعيون والفم، مثلا. وكذلك حفظا لكرامته، إذ أنّ الله حفظ كرامة الإنسان حيّا وميّتا. فالميّت، مثلا، لا يراعي شعور الآخرين لأنّه غائب عنهم، فيؤذيهم بالروائح الكريهة المنبعثة من جثته، وكذلك يخيفهم بشكله وربّما منظره الذي يكون مقززا ومثيرا. كما أنّ دفن الميت في التراب هو إبعاده عن عيون أهله وأقاربه وأصدقائه، وذلك مانعا لاستمرار الحزن، ومساعدا على النسيان. وحين اجتمعت هذه الأسباب التي تدعو للحاجة لدفن الميّت أصبح مهما جدّا الإسراع في دفنه بعد موته، وعدم تأخيره لأيّ سبب كان. فقد قيل" إكرام الميّت دفنه"، وهذا قول منسوب إلى الرسول محمد صلى الله عليه وسلم لكنه لم يثبت عنه. أمّا القول بحد ذاته فهو حضّ على الإسراع في دفن الميّت، وإن لم يكن قولا للنبيّ صلى الله عليه وسلم. ولكن في موضع آخر طالب الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بالإسراع في دفن الميّت فقال: "أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن يك سوى ذلك فشرّ تضعونه عن رقابكم" (البخاري: 1315). ولكن الإسراع أيضا لا يعني تخطي الحدود في السرعة، بل العمل على الاستمراريّة والتوسط في الأمر، وليس المبالغة فيه. وقد ورد عن ابن عباس قوله، حين شيّعت ميمونة أم المؤمنين رضي الله عنها، أنه قال:"إذا رفعتم نعشها فلا تزعزعوه ولا تزلزلوه وأرفقوا" (البخاري: 12/384). إذا ينبغي لأهل الميّت وأقاربه وإخوته المسلمين أن يبادروا بعد وفاته بغسله وتكفينه وتشييعه إلى قبره، وذلك بتواصل مستمر، فلا ينبغي تأجيل الغسل بعد خروج الروح ولا تأجيل التكفين بعد الغسل، ولا الدفن بعد التكفين. وكذلك فإن ساروا في جنازته أن يسيروا بسكينة ولا يسرعوا أو يهرولوا، أخذين بظاهر الأحاديث التي تطالب بالإسراع في الدفن. أّمّا التأخير البسيط، ولفترة قصيرة، ولهدف الإكثار من عدد المصلين على الجنازة، مثلا، إيمانا من هؤلاء بأن كثرة عدد المصلين تفيد الميّت في الشفاعة يوم القيامة، لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِنْ مَيِّتٍ يُصَلِّي عَلَيْهِ أُمَّةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَبْلُغُونَ أَنْ يَكُونُوا مِائَةً يَشْفَعُونَ إِلَّا شُفِّعُوا فِيهِ" (النسائي: 1991؛ الترمذي: 920)، وكذلك قول رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "مَا مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَقُومُ عَلَى جَنَازَتِهِ أَرْبَعُونَ رَجُلًا لَا يُشْرِكُونَ بِاللَّهِ شَيْئًا إِلَّا شَفَّعَهُمْ اللَّهُ فِيهِ" (مسلم: 948).

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل