المحتوى الرئيسى

أحمد الدريني : السلفيون أحباب الله

04/01 20:30

لم تخل اعتراضات السلفيين وتجريحهم (غير الشرعي) لمقالي السابق من طرافة وخفة دم تكشف لمدى عميق، دقائق تشريح الذهن السلفي، والكيفية التي يعمل بها.اقتنع السلفيون إلى أن إشارتي لاشتغال عدد كبير منهم في بيع الهريسة، بمثابة إهانة وتجريح وسباب وحقد، فأنا آكل هريستهم الجميلة وأشتمهم فيما بعد، دون أن أنتبه أن منهم الأطباء والمهندسين و”علماء الفلك” كما ذكروا.. و ربما دون أن أتذكر المثل القائل ” أطعم الفم تستحي العين”..كما لو كنت قد أكلت هريستهم المغدورة مجانا.وهو سباب يشي _برأيي_ بحساسية طبقية استفزها المقال في النفس السلفية، فبيع الهريسة كمهنة يقوم بها أفراد – هم غالبا أقل تعليما وأقل دخلا –  يندرج في رأيهم تحت طائلة ” يا فقير يا ابن الفقرا” أو ” ياسلفي يا ضئيل الشأن..أنت تبيع الهريسة البائسة وتصلي وتتقي الله آناء الليل وأطراف النهار..وأنا أتقاضى 5 آلاف جنيه شهريا دون أن أصلي أو أغسل أسناني بالسواك..”.لم ينتبه أحدهم إلى أن مكسب صينية الهريسة الواحدة، يفوق ثمن تذكرة الكشف لدى الطبيب د.ياسر برهامي السلفي الشهير (إذا كان لا يزال يمارس الطب)، ومن ثم فإن توقفهم عند ملاحظتي باشتغال بعضهم في بيع الهريسة، تركز على الحساسية الاجتماعية التي “افترضوها” وواجهوني بحقيقة أن منهم الأطباء والعلماء، وأن أبا اسحق الحويني خريج ألسن أسباني وأن الشيخ محمد حسان خريج كلية “الإعلام”..رغم أن كلامي لم يتطرق لمستواهم التعليمي (فلا توجد إحصاءات موثقة حول المستوى التعليمي لأبناء التيار السلفي)، فضلا عن تطرقي لاجتهادهم العلمي في تحصيل “العلم الشرعي”..وهو ما يؤكد أن استنفارهم تجاه الهريسة – ربما تصبح غزوة الهريسة فيما بعد – كان وليد حساسية طبقية غير مبررة.لا تزعلوا أيها السلفيون الأطباء والكيميائيون ومهندسو الانشطار النووي وخبراء البروتوكول والمحللون الاقتصاديون وتجار الزهور الهولندية.. فالملمح السلفي الأعم هو التزام ب “الشرع”، وما دمتم عليه فلا تحسوا بالضيق من مثل هذه الملاحظات .فالسلفي المتحدر من عائلات ميسورة مثلا، يرتدي البنطال “البرمودا” من “كونكريت” أو “موباكو” أو “نيكست” أو “زارا” كي لا يضطر إلى تشمير بنطلونه مثلما يفعل “إخوانه في الله” في مظهر قد لا يبدو هو الألطف شكليا، وذلك في إطار توخي قواعد “سبل الإزار” كي لا تطال القذارة الملابس، أي أن المستوى الاقتصادي لا يتدخل في تحديد ورع الإنسان من عدمه.. وهو ما أؤكد عليه أن المقال الفائت لم يكن مخصصا لتجريح “السلفيين الفقراء” أو حتى “فقراء السلفيين”!التعليقات – أيضا –  في مجملها ذهبت إلى أنني بالضرورة “علماني” أو “ليبرالي” أو “شيوعي” أو ربما ثلاثتهم معا، فالكفر ملة واحدة..كما أن صورتي تشي أنني حليق فضلا عن أن هناك صفرة في أسناني – كما قال أحدهم –  في دلالة على عدم استعمالي السواك، وهو سلوك “علماني” أنتهجه و”أمثالي” نكاية في سواك السلفيين ونظافتهم الفائقة، دون أن ينتبه أن صورتي المرفقة معروضة تحت تأثير واضح من برنامج فوتوشوب الشهير.وهنا بيت القصيد، فقد تم تقييم شخصي أكثر من مقالي، في تدليل على الفكرة التي ناقشها المقال واعتبروها سبابا، وهي أن الذهن السلفي ينظر للأمور باعتبارها “حلال” أو “حرام”..وقد تم تفريغ صورتي الشخصية المرفقة بالمقال في عدة معطيات على ضوء الحلال والحرام فأنا ” حليق/مفرط في السنة..أصفر الأسنان/ لا أستعمل السواك” أي أن أي خطأ تنفيذي في نشر الصورة المصاحبة للمقال كان من الممكن أن يضع صورة أحد أقربائي الملتحين بدلا من صورتي، ومن ثم كانت قراءة نية الكتابة قد تغيرت كلية!ينطلق السلفيون من قناعة أنهم “الفرقة الناجية” و”كلنا” في النار..فهم الدين والدين همو، أو كما قال لويس الرابع عشر “أنا فرنسا وفرنسا أنا” وأي انتقاد لهم هو انتقاد ظاهر أو مبطن للدين أو لمظاهره أو لروحه..ومن ثم فإنهم لا يدافعون عن أنفسهم الملائكية المرهفة، وإنما يدافعون عن “الدين” الذي يتمثلونه في سلوكهم، ويصادرونه على من عداهم، في تعقيد نفسي تشتهر به الفرق الأكثر أصولية في كل الأديان وفي كل العصور.والانطلاق أيضا، ينبع برأيي، من الوعي الجمعي السلفي الذي يعتقد أننا جميعا على خطأ، كلنا بكل فرقنا من أول اليمين الإخواني وصولا لليسار “الملحد” ومرورا ب”الفرق الضالة” التي تتخلل التصنيف. .وارتكازا على “أحقيتهم” كمسلمين أواحد، في مواجهة باطلنا، فلأننا لسنا “هم”..نتحول لنصوص وأشخاص مستباحة شتائمهم، ومرغوب اضطرارهم لأضيق السبل، ومكروه التعاطي مع أفكارهم نقاشا و مجادلة.قال الشيخ محمد حسان قبل أيام في أحد الندوات بجامعة عين الشمس أنه يعتذر عن بعض السلوكيات الغليظة الناشئة عن أفراد سلفيين، وقال أنه يتمنى لو ضم أبناءه من الشباب الليبرالي إلى صدره، وهي سماحة فكرية واتساع للتعامل مع الآخرين، في عين المراقب المنصف، إلا أنها في الوعي السلفي “تفريط”، ولعلها تفسر لنا المقولة الشهيرة التي يتداولها السلفيون” محمد حسان..كان على خير إلى أن أفسده الإخوان”!وهي إشارة لرقة حاشية حسان، حتى لكاد يفرط في دينه كالإخوان، مقارنة بأساطنة السلفية الذين لا يشق لهم غبار في الذود عن صحيح الدين والذب عن حياضه! الشاهد أن السلفيين يعتقدون أنهم القائمون على دين الله وحماته ورعاته ..السلفيون أحباب الله !حين نناقش “التسلف” لا نتعامل معه بصورة بوليسية “امسك واحد سلفي أهو”..ولا على نحو تجريحي ” أنقذوا الوطن من هؤلاء المسلمين المتدينين الذين يسيرون على الشرع القويم وسيدمرون المخطط الشرير لإشاعة السفور بين النساء وتحليل شرب الخمور وإباحة بقر الحوامل في الطرقات”..انما نناقشه كتيار أفصح عن نفسه علانية بعد أن كان منطويا خجولا يسير بجوار الحائط ولا يتعاطى مع الشأن العام إلا في أضيق الحدود، ولا يعنيه إلا تعريف الناس ب”صحيح” دينهم.الأزمة الأكبر في رد الفعل السلفي، أنه يفترض أن كل من ليس معهم فهو عليهم (فلسفة اليميني المتطرف جورج بوش)، وأننا جميعا  – صحفيين وكتاب – علمانيون ملحدون نحتسي البراندي أثناء الكتابة ونسمع أم كلثوم ولا نستبريء من بولنا!لا يفترضون أننا ربما نفس الأشخاص الحليقين الذين يقفون بجوارهم في صف الصلاة في المسجد، وأننا نفس الأشخاص الذين نخرج في مظاهرات الاحتجاج على الهجوم على المسجد الأقصى، وأننا نفس الأشخاص الذين هاجموا مبارك على موقفه من إسرائيل، وأننا نكره التعدي على الدين..على الأقل بعضنا قد يكون كذلك وربما نحن من ساعدناهم على التعبير عن أنفسهم حينما خرجنا ضد مبارك بينما هم تفرغوا لإدانة الخارجين  .يمكن إيجاد وسيلة للحوار مع السلفيين بعكس ما يجزم غلاة العلمانيين وبعكس ما يجزم السلفيون أنفسهم، لكن ذلك يتعذر أمام هذا الاحتشاد المليشي على الانترنت للتشكيك في عقيدة ونزاهة بل وثقافة من لا يكتب عنهم كما كتب سمير رجب عن حسني مبارك..”اخترناه”!مواضيع ذات صلة

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل