المحتوى الرئيسى

رحيل فاروق إبراهيم.. عاشق الكاميرا

04/01 13:47

بعد صراع طويل مع المرض، وعن عمر يناهز 71 عاما، ودع المصور الصحافي فاروق إبراهيم، كبير المصورين الصحافيين بمؤسسة أخبار اليوم، والملقب بمصور الزعماء والمشاهير، كاميرته، بعد رحلة خصبة قضاها في عشقها، يلملم من خلال عدستها ظلال الزمن من ملامح الوجوه والوقائع والأمكنة، مخلفا تراثا من فن الصورة، سوف يظل شاخصا في ذاكرة مصوري الفوتوغرافيا لسنوات طويلة مقبلة. كان الفنان الراحل قد أدخل مستشفي السلام الدولي بالقاهرة قبل أيام لإجراء عدة جراحات، لكنه فقد بعدها النطق والحركة، ووافته المنية ظهر أمس الخميس، وشيع جمع غفير من الأهل والأصدقاء والصحافيين جنازة الفنان الراحل بعد صلاة العصر من مسجد السيدة نفيسة بجوار القلعة، ودفن في مدافن الأسرة بمقابر المجاورين بالقاهرة. عرفت عدسة فاروق إبراهيم طريقها إلى قلوب أشهر الفنانين والسياسيين المصريين، وكان مصورهم المفضل بامتياز، فكان المصور الخاص بالرئيس الراحل أنور السادات والرئيس السابق حسني مبارك، والكثير من الفنانين وعلى رأسهم الفنانان الراحلان العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ وكوكب الشرق أم كلثوم. دخل فاروق عالم التصوير من أغرب أبوابه، حيث بدأ ساعيا في مكتب الخواجة زخاري، رئيس قسم التصوير في جريدة المصري، وهو في الثانية عشر من عمره، وذلك في صفقة عقدها مع الخواجة ليكون قريبا من عالم الصورة الذي أبهره، فيحكي في أحد حواراته الصحافية أنه كان ذاهبا لخاله الذي يعمل عامل مطبعة بجريدة «المصري»، ووقف خارج الباب في انتظار انتهائه من العمل، وفجأة طلب منه الخواجة زخاري الذهاب لشراء علبة سجائر من كشك مجاور للجريدة، وعند عودته لم يجده على الباب وقيل له إنه في مكتبه، فدخل ووجد صورا كثيرة لفناني مصر على المكتب، ومن يومها بدأت عينه تعشق الصورة، وهو ما لاحظه زخاري، فاتفق معه على أن يعمل ساعيا في المكتب لخدمة العاملين به مقابل قرشين في اليوم الواحد. وكانت متعة فاروق الحقيقية عندما يذهب الخواجة ومن معه من مصورين للغداء وقت الراحة، فيقوم بتجربة كاميرات التصوير وتقليد المصورين عند التقاطهم الصور. وبحادثة ترام عام 1952 بدأ فاروق تسلق أولى درجات سلم المجد، فأثناء غياب العاملين في قسم التصوير عن المكتب، يقوم الطلاب في إحدى المظاهرات بقلب الترام الذي كان يمر من أمام جريدة المصري، وُيطلب من فاروق سرعة التقاط صورة المظاهرة والترام المقلوب، ليحقق سبقا صحافيا بتلك الصورة على كل الجرائد التي كانت تطبع في تلك الفترة، وليتغير حاله من مجرد ساع إلى مصور تحت التمرين. انتقل فاروق بعد ذلك للعمل بجريدة «الجمهورية» بعد إغلاق جريدة «المصري»، إلا أنه سرعان ما تركها للعودة إلى زخاري في وكالته الإخبارية الخاصة. حصل فاروق إبراهيم على شهادة البكالوريا التي تعادل الثانوية العامة الآن، والتحق بكلية الفنون التطبيقية لأنها المكان الوحيد الذي كان يعلم فن التصوير، إلا أنه تم طرده من الكلية بعد انتهائه من العام الدراسي الثاني بها بسبب قيامه بمساعدة طلاب السنة النهائية في إتمام مشاريع التخرج الخاصة بهم مقابل خمسة جنيهات للمشروع الواحد، فقرر مواصلة حياته بلا شهادة مكتفيا بما لديه من خبرة. الطريف أن فاروق إبراهيم والفنان الراحل عبد الحليم حافظ صعدا سلم الشهرة والمجد معا، وكان لكل منهما فضل على الآخر فيما وصل إليه، لذلك فعلاقتهما علاقة صداقة قبل أن تكون علاقة عمل، فيحكي فاروق أن الخواجة زخاري أرسله إلى حديقة الأندلس لتصوير حفلات أضواء المدينة، وهناك شاهد عبد الحليم حافظ الذي كان يبحث عن فرصة للظهور، وكان يقف بين الفنانين ليظهر معهم في الصور التي ستنشر في الصحف، فطلب منه الابتعاد من الصورة فانسحب حزينا، ثم جاء ليعتذر له، مؤكدا عدم تعمده إفساد عمله، شارحا له ظروفه، فشعر فاروق بالذنب وصارا صديقين، حيث بدءا من الصفر معا، ويكاد يكون فاروق قد عايش عبد الحليم حافظ في كل مراحل حياته حتى إن عدد الصور التي التقطها له تزيد على 33 ألف صورة. «من أجل هؤلاء كانت القوانين الاشتراكية» هذا هو عنوان التحقيق المصور الذي قام به فاروق عام 1957 في مجلة «بناء الوطن» التابعة لرئاسة الجمهورية آنذاك، وضم صورا متباينة لحال الفقراء والكادحين وأخرى للأثرياء والمترفين، وهو التحقيق الذي لفت نظر الرئيس الراحل جمال عبد الناصر لموهبة فاروق، فطلب من المسؤول عن الجريدة منح مصور ذلك التحقيق مكافأة نصف شهر تقديرا لمجهوده المعبر. وفي مايو (أيار) من عام 1960 عرف فاروق إبراهيم طريقه إلى «دار أخبار اليوم»، وأوكلت له أصعب مهمة تصوير يمكن أن يكلف بها مصور صحافي، حيث كُلف بتصوير محاكمة مصطفى أمين عام 1965 عند اتهامه بالتجسس، فيذهب فاروق خائفا من تصوير أستاذه الذي قام بتعيينه في «أخبار اليوم»، ولكنه ينجح في المهمة لدرجة أن مصطفى أمين شكره على الصور التي أكسبته تعاطف الناس. كانت علاقة فاروق بالفنانين وطيدة، فقد بدأت علاقته بأم كلثوم بصورة التقطها لها في إحدى حفلاتها بالإسكندرية ونشرت في صحيفة «الإخبار» في اليوم التالي وحازت إعجابها، فطلبت منه أن يرافقها كما يفعل مع عبد الحليم حافظ. وعشق عدسة فاروق إبراهيم كثير من الفنانين، في مقدمتهم الفنانة نادية لطفي التي يراها دائما بتلقائيتها والفنان رشدي أباظة بمرحه، أما أكثر من رفضتهم عدسته فهي رئيسة وزراء إسرائيل السابقة غولدا مائير التي التقط لها كثيرا من الصور في أثناء مصاحبته للرئيس السادات في زيارته للقدس عام 1977. أما رؤساء مصر الثلاثة في مشهد فاروق إبراهيم الفني فلكل سماته أمام العدسة كما قال: «كان الرئيس عبد الناصر صانعا للصورة، أداؤه التحية العسكرية، نظرة عينيه وطريقة سيره وغيرها من الأمور. أما الرئيس السادات فهو عاشق للصورة ويخلق لها الموقف المناسب. وهو صاحب فكرة عمل ألبوم خاص به التقطت له فيها مئات الصور التي أظهرت كثيرا من الأنشطة الخاصة التي يقوم بها. أما الرئيس مبارك فأفضل صوره مع الأطفال حيث يكون على طبيعته، كما أنها تظهر أبوته وعفويته». اتسم فاروق إبراهيم بروح الدعابة وحب المرح، وبحب الناس له. ورغم بساطته كان شديد الاعتزاز بنفسه، وكان يرى أن الصورة مسؤولية وأمانة، وأن أروعها ليست التي تثبت زمن اللقطة، وإنما التي تشيع الحركة والحيوية في نسيج الزمن نفسه. كما انحاز في مشواره الفني إلى الصورة الحكاءة، التي تروي وتسرد التفاصيل وتتوغل إلى ما وراء الظلال والرتوش، وربما لذلك كان ينفر من الصورة «البروفايل». وتقديرا لعبقريته الفنية حصل على كثير من الجوائز والميداليات العالمية والمحلية، كما تم تكريمه في كثير من المحافل الدولية والمحلية. * قالوا عن فاروق إبراهيم: * قالت عنه أم كلثوم: «يلتقط صورا تتكلم، تنطق، صورا لها طعم السلطنة والذوبان في الفن». * قال عنه مصطفى أمين: «فاروق إبراهيم مصور عشق الصورة فعشقته وصعدت به إلى القمة». * قال عنه إحسان عبد القدوس: «صاحب القلم المتميز يقال له أديب الكلمة، وأنا أسمي فاروق أديب الكاميرا». * قال عنه يوسف إدريس: «كاميرا فاروق إبراهيم تخترق أعماق الإنسان وتجول بداخله، ثم تُخرج أجمل ما فيه». * قال عنه موسى صبري: «فاروق إبراهيم هو شيطان الصورة». * قال عنه أحمد رجب: «يعامل فاروق الكاميرا كأنها ابنته، ويُخرج منها صورا تجعلك تقول: الله، ولذا فهو واحد من أبرز المصورين الصحافيين في الصحافة الحديثة ليس في الشرق الأوسط فقط، بل في العالم كله».

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل