المحتوى الرئيسى

ثقافة المستقبل

04/01 10:18

بقلم: محمد برادة 1 ابريل 2011 10:05:01 ص بتوقيت القاهرة تعليقات: 0 var addthis_pub = "mohamedtanna"; ثقافة المستقبل  نـُذكـّر فى البدء، أنـه خلال الفترة السـابـقة على بداية سقوط الأنظمة العربية الاستبدادية والتى تمتدّ عـدة عقود، استطاعت الثقافة العربية على رغم الشروط السياسية الصعبة، أن تستمر فى الوجود والارتقــاء، متفاعـلة مع أسئلة المجتمع ومقتضيات المـُثاقفة الحاملة لإشكاليات جديدة، وبذلك تـمكـّنتْ من أن تـصـوغ متخيـّلا جماليا واجتماعيا بديلا عن الموروث المأخوذ فى شرَك الجمــود والمـاضـوية. وهـذا هو ما يـُضفى على الثقافة العربية، طـوال نصف قـرن، منذ ستينات القرن الماضى، سـمـات الثقافة المقاومة بالمعنى العميق لِـمَـا هـو قـائم ومـفروض من لـدُن أنظمة متسلـطة، فاقدة للبوصلـة ومـُفـتقـرة إلى الرؤيـة. إلا أن هذا الإنتاج الثقافى فى مجالاته المختلفة يظـلّ بحاجة إلى الحماية والـتـّبـريـز والتـّرويج، ليصبح مؤثـرا على نطاق واسع داخل المجتمعات العربية، ويـغدو منـطلـقا لتـشيـيـد ثقافة المستقبل. ومعلوم أن الدولة لا تنتـج ثقافة أو تخلق إبداعا، لكنها مطالبة بحماية الثقافة وتوفير حـرية الإبداع وشروط تداوله والتفاعل مع قيمه المواكبة لتطلعات المجتمع، خاصة فى سياق العولمة الربحية التى تسند ثقافة التسلية وتسطيح الفكر.ولا شك أن الثورات التى تخطـّتْ العـتبـة الأولى وتلك التى هى على الطريق فى العالم العربى، تجد نفسها محـاصرة بأسئلة المستقبل لتشييد النظام الديمقراطى، وتحديد آليات توزيع الثروات، وإقـرار حقوق المواطنة وواجباتها.. ومن ثمّ، تأتى ضـرورة التفكير فى ثقافة المستقبل بوصفـها المـصهـر والحفـّاز الوسيـط، والراصد لحركة المجتمعات العربية وعلائقها بالأسئلة الخاصة والكـوْنـيـة. تكتسى ثقافة المستقبل أهميتها من أنها المدخل الطبيعى والضرورى للمراجعة والاستشراف وتقليب التـُّـربة، ونـشـر السماد، من أجل استنبات قيم سياسية واجتماعية وثقافية تستجيب لمـرحلة الدخول فى مجرى التاريخ الإنسانى الحىّ الذى حجبتـْه عنـّا الأنظمة الفاسدة. بدلا إذن من أن نضيع فى متاهة «التنبؤ» بما سيكون عليه مستـقـبل الثقافة العربية، نـقـلب مركـز السؤال لنجعله هو تحديد سمات ثقافة المستقبل التى نحدد ملامحها انطلاقا من معاينة الخصاص، واستحضار حاجيات المرحلة الجديدة، واختيار القيم والتصورات التى نعتقد أنها ستسهم فى بلورة ثقافة المستقبل المـرجـوّة. ومثل هذا التـنـاوُل يـنطـوى على نوع من «التـحـيـّـز» الفكرى والقـِيمـى نـُقـرّ بـه ونأخذه على العاتـق.نرى، من هذا المنظور، أن المرحلة التاريخية العربية الراهنة، المطبوعة بالمخاض والوعـود والتغـيـيـر الحتمى للبنيات والعلائق والسلوك، تـفرض على المفكرين والمثقفيـن الحرصَ على الطـرح الجـذرى لمجموع المعضلات والأسئلة التى ظلت كامنة فى الظل أو اللا وعى، أو لـم تـُطـرح بدعوى أن أوانها لم يحـِنْ بـعد. وفى طليعة تلك الإشكاليات المـُغيـّبة، مسألة فصل الدين عن الدولة لتفادى الصراعات المغلوطة، واستغلال العقيدة فى شـلّ عـرَبـة السياسة. لا مناص من رفع اللبس، والتأكيد على أن العـَلمانية لا تعنى المس بحرية الاعتقاد والتديـّن، بل تعمل على صيانته من أهواء ومصالح المتاجـرين بالدين. وفى هذا الاتجاه، أجد أن المبادرة التى أقدم عليها مثقفون وشباب فى مصـر، للمطالبة بدولة مدنية تفصل الدين عن شئون الدولة، هى خطوة تستجيب لشرط أساس فى بناء دولة الديمقراطية والحرية والمساواة. بطبيعة الحال، ستـُلاقى هذه الدعوة اعتراضا ورفضا من المحافظين والمستفيدين من دور الدين الملتبس عندنـا، ولكن طرح المسألة والتوسـُّل بالحوار وتحليل الواقع المـُتحوّل، كفـيــلان بإنضاج الفكرة وجعـلها مقبولة من الأغلبية المشدودة إلى المستقبل. ولا بأس من التذكير بـأنـنـا «نـسكن فى الثقافة، لا فى التقنية»، كما لاحظ ريجيس دوبرى، أى أن القيم الثقافية تصمد لفترات طويلة وتؤثر فى الوعى واللاوعى على السواء، بينما علاقتنا بالتقنية تظلّ خاضعة للتحولات السريعة التى تنتقل بها التكنولوجيا من اختراع إلى آخر، فلا تكون هناك صعوبة فى الانتقال. لأجل ذلك، تحتاج الثقافة دوْما إلى حوار وإعادة نظر ونقدٍ لتجديد القيم المتصلة بالمستقبل ومواكبة تحولات العلم والسياسة والاقتصاد، وحرية الفكر والجسد والاعتقاد... نـتـسـاءل الآن، على رغم ضيق المجال، عن السمات الأساس لثقافة المستقبل فى نظرنا؟ أظن أن محاولة الإجابة عن هذا السؤال، تقتضى الأخذ فى الاعتبار لفضاءيــْـن متحـاوريـْن ومتفاعليــْن باستمرار: المستـوى الثقافى القومى، ومستوى الثقافة العالمية. قـومـيـا: نـفـكر، بالأخص، فى سمتيـْن تجعلان من الثقافة ثقافة مستقبل: 1ــ توفيـر الشروط الضرورية لوجود الثقافة وإنتاجها، وذلك أساسا من خلال تحقيق دمـَقـْرطة الثقافة وديمقراطيتها. ونقصد بالدمقرطة جعــل وسائل التثقيف المتنوعة فى متناول المواطنين من دون استثناء، بينما الديمقراطية الثقافية تعنى هنا، مساهمة الجميع فى إنتاج الثقافة بوصفها تـعبيرا عن تجارب ومشاعر وخبرات وطقوس تشـمل الشعبى الشفوى والتجليات الإبداعية والعالمة للثقافة.. وهذا العنصـر سيعـمل على تفعيل جدلية الثقافى والسياسى التى عاشت فى حال طلاق وتعارض طوال عقود الاستبداد الماضية. 2 ــ السمة الثانية لتحقيق ثقافة المستقبل، تتكوّن من ثلاثة أضلاع: أــ نقد الإيديولوجيات على ضوء الواقع العربى المتحوّل، بدلا من الاكتفاء بالنقد الإيديولوجى الرامى إلى استبدال إيديولوجيا بأخرى. ب ــ إعادة النـظـر فى مضمون التعليم ومنـاهجه فى اتجاه خلخلة «اللا وعــى الثقافى» حيث تـُعشـّش الأحكام المسبقة، ويـسـود النـقلُ على العقـل، والفكر الخرافى على التمحيص العلمى. وهذا يرتبط أيضا بجعل ثقافة المستقبل العربية تـُسهم فى إنتاج المعرفة على النطاق العالمى، بدلا من مجرد استهلاكها. ج ــ مساندة تحـريـر المرأة وتـغـيـيـر وضعها الاعتبارى داخل المجتمع، وإدماج الأقليات من منظور الاعتراف بالتعددية الثقافية ومساهمتها فى إثـراء الثقافة العربية.عـالميــا: تـتصـل ثقافة المستقبل، عالميا، بالمراهنة على العلم وكشوفاته غير المحدودة فى مجال التقانة والوسائط الرقمية ،وابتداع حوامل الثقافة السريعة التى تختزل المسافات بين أقطار العالم؛ وهذا جانب يدعم ظاهرة العوْلمـَة بسلبياتها وإيجابيتها.والعنصـر الثانى البارز فى ثقافة العالم المستقبلية، هو الحرص على تصحيح الديمقراطية التمثيلية والبحث عن نظـام اقتصادى يحدّ من كوارث الفروق الطبقية، والأزمات المالية المتكررة...والسمة الثالثة، يمكن أن نجدها فى تصاعـُد نقد المفكرين والفلاسفة لأنموذج الحضارة الغربية الذى أدّى إلى الوقوع فى شرَك التكنولوجيا المفرطة، وما أدت إليه من تحطيم للطبيعة وتسميم للمناخ، وتهديد لأمن الناس، على نحو ما نشاهده الآن من انفجار للمركب النووى فى اليابان. ومن ثم فإن الدفاع عن البيئة أصبح سمة جوهرية فى بلورة ثقافة المستقبل على المستوى العالمى.هكذا يـتضح أن التفكير فى ثقافة المستقبل بالمجتمعات العربية، يقتضى الجمـع بين مساريـْن: تجذير طـرح الإشكاليات فى سياق التحول التاريخى الثورى لإرساء دعائم نهضة لا تخطئ الطريق كسابـقاتها، ثم الانفتاح المسـتـمـر على مستقبل ثقافة العالم لمحاورتها والتفاعل مع أسئلتها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل