المحتوى الرئيسى

الأبواب المنسية في ندوة مقدسية

04/01 15:49

الأبواب المنسية في ندوة مقدسية القدس:31-3-2011من جميل السلحوت:عن منشورات وزارة شؤون الأسرى والمحررين الفلسطينية، صدر في الأيام القليلة الماضية كتاب(الأبواب المنسية) للشاعر والأديب المعروف المتوكل طه، ويقع الكتاب الذي احتوى على عشرات اللوحات التشكيلية للفنانة ريما الزين في 220 صفحة من الحجم المتوسط، وقدم له الشاعر عيسى قراقع وزير شؤوون الأسرى والمحررين. ندوة اليوم السابع الدورية الأسبوعية في المسرح الوطني الفلسطيني في القدس، خصصت جلستها هذا المساء لمناقشة هذا الكتاب. بدأت الحديث الكاتبة نزهة أبو غوش فقالت: أَدب السجون، أَو أَدب المعتقل يعتبر أَدبًا حديثًا بنوعه الأَدبي، حيث أَخذ يشكل شيئًا فشيئًا ملامح فنية مميزة على مستوى الشكل والمضمون. لقد ظهر هذا النوع من الأَدب في عالمنا العربي وفي المجتمعات الأُخرى، حيث يعبر الأَديب عن نوع الحياة خلف القضبان، وقد وضع خليل بيدس أَول كتاب فلسطيني أَثناء اعتقاله زمن فترة الانتداب البريطاني. ومن الأُدباء الذين كتبوا في هذا المجال: دستوفسكي الروسي في روايته، منزل الأَموات، وعبد الرحمن منيف في شرق المتوسط، والشاعر أَحمد فؤاد نجم في ديوان، الفاجوجي، وفاضل الغزاوي في رواية القلعة الخامسة، وعزت الغزاوي في مجموعة قصص (سجينة) وسيرة عائشة عودة في أَحلام بالحرية، ومن الشعراء محمود درويش، ومعين بسيسو، والشاعر التركي ناظم حكمت، وهناك أَعداد كثيرة من الأُدباء لا مجال لذكرهم الآن. الأَبواب المنسية للأَديب المتوكل طه هي مجموعة قصصية صَّور فيها الأَديب حياة ما وراء القضبان – الجدران – بالإِضافة إِلى ديوانه الشعري، رغوة السؤال عام 1992م ، وفضاء الأُغنيات عام 1989م. من خلال تعرفنا على شخصية الأَديب فقد سبق وأن اعتقل وعانى داخل السجون الإسرائيلية، فجاءت كتاباته صادقة، بل من أَبدع وأَروع الكتابات، لأَنها وليدة تجربة حيَّة عاشها بكل تفاصيلها، فجاء الأَلم والمعاناة منطلقًا للإِبداع، وشكلت قسوة الاحتلال وممارساته الجسدية، والنفسية ضد السجين الفلسطيني طاقات لا حدود لها من الإبداع. جاءت كتابات المتوكل طه معبرة عن حالات إنسانية، وأَبعاد فكرية، ونضالية نتج عنها أَدبًا وطنيًا مقاومًا يرفض واقع القيد والاحتلال، ويمجد النضال، والصمود. في قصص الأَبواب المنسية توازنت قيمة الأَحداث مع قيمة الشخصيات، وتعددت الأَصوات المظلومة، والمقموعة، وجاء الزمان بدون عقارب الساعة، بل هو زمان مفتوح يختلط فيه الليل بالنهار، والدقيقة بالثانية، والسنة بالشهر.. أَمَّا المكان فهو خلف القضبان في الزنازين- الاكس – المغلفة بجدران عالية مسوَّرة بالأَشواك. وهذا المكان هو سجن صغير داخل سجن الوطن الكبير. وصف الكاتب حالة سحق الكرامة للإنسان السجين، وعبَّر عن مدى الإهانات، وقسوة التعذيب النفسي، والجسدي، والحالة الشعورية التي يمر بها الأَسير بعيدًا عن أَهله." وعندما سأَلناه عن الديمقراطية والحرية والكرامة الإنسانية وحقوق الطفل المنتهكة في بلادنا، صغُر حجمه، وتقلص إ لى درجة أَنه فتح باب الفانوس، ودلف إِليه، وأَغلق عليه الباب." ص162. صوَّر المتوكل طه الأَحلام البعيدة التي تراود الأَسير في نومه " ومن هذه التي تتهادى على فرس الغيم طريق الغاب...ومن هذا الذي يمسك ذراع العروس ويخطو معها على ماء؟....ولمن هذه الزفة الصاخبة؟... أَيقظوه إِنه يحلم كعادته". لقد صوَّر الكاتب صورًا كثيرة لثبات الأَسير وقوة إِرادته وتحديه لسجانه كما حدث في قصة –تصميم- للسجين الذي كان يصنع المجسمات للأَقصى، ولم ييأَس من صنع غيره وغيره بعد كل مرة كان بها السجان يدمر ذلك المجسم، فكان هذا يستفز السجانين ويقهرهم، لم ينس الكاتب تصوير سادية السجَّان ومحاولته خلق الفتن بين السجناء، وحتى بين الأَقارب، وصورة أخرى لسادية السجَّان وهو محاولته لقتل الأَمل في نفوس السجناء حتى ولو كان ضئيلا نحو الشمامة التي دعكها بقدمه حين عرف بأَنها تشكل للسجناء أَملا، وكذلك اقتلاع الوشم عن ذراع السجين، لأَنه باسم (فلسطين). الطفل السجين في كتابات طه كان مؤلمًا ومؤثرًا لا للطفلة التي أُخذت من أَحضان والدتها ورفيقاتها المسجونات، ووضعت بيد الأَجداد حزينة. كذلك قصة الفتى الذي نما جسديًا داخل السجن لكنه ظلَّ صغيرًا من الناحية النفسية، وغيرها وغيرها من القصص المروعة. لقد صوَّر الكاتب حالة السجان حين يقتله الرعب من الأَوهام تجاه الانسان الفلسطيني حتى أَنه اقتلع الشجرة، ودمَّر الجدار المرسومة عليه الخيول. لقد شكَّل الأَسير الفلسطيني عبأً ثقيلا على سجَّانه:" وراح يضربني ويصرخ، ويضربني، ويجأَر كالوحش المجروح، ويزبد، ولم أَفهم منه شيئًا سوى: من الذي جاء بكم إِلى هنا؟ من الذي جاء بكم؟" لقد كانت واضحة صورة صداقة وتآلف الأَسرى مع بعضهم البعض ، حتى شعور الصغير بأبوة الكبير، لم ينس الكاتب دور المرأَة كمناضلة ومشاركة للرجل وهي المرأَة المخلصة الصابرة لبقاء زوجها سنوات طويلة في المعتقل. رغم كل الصور القاتمة المظلمة، أَظهر المتوكل طه بعضا من الأَمل الذي يجب أَن يتمسك به الفلسطيني الأَسير تطلعًا إِلى الحرِّية:": ولكن أَبوابها غليظة القضبان ومجدولة السلاسل، وانتبهنا أَن الشمس تطفح بأَشعتها العمودية في كبد السماء، وما كان علينا إِلا أَن نتمسك بجدائلها الذهبية ونصعد"ص35 . وقال الكاتب سمير الجندي: يطل علينا الشاعر والكاتب المبدع المتوكل طه من شرفة عالية من شرف الأدب، بعد أن أثرى المكتبة العربية بأشعاره الملتزمة التي تعبر عن نبض الشعب العربي الفلسطيني، وها هو اليوم يتحفنا بهذا الأسلوب الرقيق الذي لا يخلو من جمال ورقة وعذوبة، ينقل لنا من خلال نصوصه التي انتزعها من نفس تواقة للحرية والكرامة والعزة... الأبواب المنسية... مجموعة قصصية سطرها الكاتب ليعبر من خلالها عن قسوة السجن والسجَّان، رسم فيها مشاعر وأحاسيس الأسير الفلسطيني الذي انتزعت منه حريته وبقيت إرادته الصلبة وعزيمته الحديدية سلاحا يشهره بوجه الظلم والطغيان، لتنتصر المشاعر الصادقة على فولاذ الزنازين ولتشرق شمس الحرية على ظلمة القمع والإرهاب الصهيوني... الأبواب المنسية... اختار الكاتب الاسم الذي جاء مناسبا لمحتوى المجموعة القصصية، فهل أراد الكاتب أن يقول بان المعتقل الفلسطيني متروك في تلك الزنازين دون عناية غير العناية الإلهية؟ أم يريد القول بأن الأسير الفلسطيني هو مجرد رقم على أجندة السياسيين؟ أم إنه ميت لا حول ولا قوة له، وما السجن إلا قبر يختلف بشكله عن القبور المعروفة؟ أم جميع ما ذكر؟ متوكل طه يجيب عن الأسئلة من خلال تحطيم تلك الأبواب المنسية بقلمه الشفاف، فينقلنا إلى عالم الأسير بكل ما يحيط به من ظلم وعزة، وقهر وإرادة، وانتهاك وكرامة... لقد استطاع الكاتب من خلال نصوصه أن يصور حالة الأسرى بدقة متناهية، وبأسلوب سهل ممتنع، لقد قرأنا العديد من المؤلفات عن الحركة الأسيرة لكنها لم تكن بهذه اللياقة وهذا العمق، فقد كان أسلوبه قريبا للنفس، بعيداً عن الإطالة والإسهاب، عميقا في الفكرة، جميلا بالصورة، تراه يسخر من جبروت السجَّان تارة وتارة أخرى يخر ساجداً أمام عظمة الأسير، أما الإطار اللغوي الذي احتوى تلك الصور والأفكار فقد كان متناسقا وملائما للمعنى... ومن الجدير ذكره تلك اللوحات الفنية التي رافقت النصوص، هي بالتأكيد رائعة لولا فقدانها كثيراً من قيمتها أمام اللون الأسود والأبيض، تلك اللوحات لن تعبر عن صورة وغاية الفنانة لأنها فقدت بريق ألوانها، فاللون هو الذي ينقل لنا محتوى الفكرة، فياحبذا لو كانت اللوحات بألوانها المائية الأصلية لكان اكتمل العمل وانتصرت الفكرة... لقد أطل علينا المتوكل من وراء الأبواب المنسية فأصبحت بقلمه مفتوحة على مصراعيها، وحمل كل نص من النصوص الثلاثة والستين قصة تحتاج إلى مئات الصفحات، فاختزلها الكاتب بتلك اللغة المكثفة، بجمل قليلة نقلت لنا مضمونا بسعة فلسطين... فقد نقل لنا حرقة الأم على ابنها، والذكريات التي يحملها الأسير، وشفافية الإنسان القابع خلف الأبواب المنسية، ورسم لون البحر وقمراً يأتي زائرا أول كل شهر، كما نقل ظلم المظلوم لنفسه؛ وكم كان هذا الأسير قويا مرعباً أمام سجانيه الجبناء، فهم يخافون من الساحر ومن الرسَّام فيرشقون اللوحة بوابل من رصاصهم: " لقد باغتتنا الخيول المرسومة على الجدار، فخرجت منه، وجمحت وصهلت، وكادت توقعنا تحت حوافرها، فرميناها بالنار" ص (30) ، ووصف لنا ببراعة متناهية أثر الزيارة على نفس السير، ثلاثون دقيقة تمر كلمح البصر يظن فيها الأسير قد ارتقى إلى السماء للقاء الأولياء والأنبياء، وكاد أن يصور المحقق بأنه إنسان عادي يفرح ويحزن، ولكنه تدارك الأمر عندما نزع عنه إنسانيته باللحظة الأخيرة" وسألني وهو يفك الكلبشة من وراء ظهري: ما اسم ابنتك؟ وقبل أن أجيب دفعني بقوة إلى داخل الإكس، وأغلق الباب بركلة من قدمه!" ص (25)... وعندما سحق السجَّان الشمامة ببسطاره، وعندما كان مشبوحا وفك المحقق قيوده إلا إنه يعود بهراوة غليظة لينهال عليه بالضرب: " وأنزل ذراعي، وتركني، ومضى، وبعد دقائق عاد ومعه هراوة غليظة، وهجم عليَّ كالمجنون، وراح يضربني ويصرخ ويضربني ويجأر، كالوحش المجروح." ص (42)، لكن الكاتب يتحول إلى طبيب نفسي أو عندما يضيف تساؤلا على لسان المحقق الذي يصرخ قائلا: " من الذي جاء بكم إلى هنا؟ ما الذي جاء بكم...؟" ص (42) فهو يتساءل سؤالاً يصحبه تمنٍ مبطن من قبل السجَّان، وكأنه يريد القول بأن وجودكم هنا في المعتقل قد جردنا من إنسانيتنا، أي إنه يحيل السبب على الضحية وليس على الجلاد، متناسياً بأن سبب وجود المعتقلات أصلا هو الاحتلال نفسه، يكرر الكاتب موقفه عن الآخر عندما يصف السجَّان من أصل عراقي، فهو أي السجَّان يحن إلى الماضي كإنسان لكنه أي الكاتب يعيده إلى طبيعته التي اكتسبها من خلال فلسفة الاحتلال والقمع فيجرده من صفات الإنسان بقوله: " هل جئت لتصبح خادماً للأشكناز الذين لا يعرفون ناظم الغزالي؟ يجن جنونه ويأمرنا بعصاه أن نعود إلى الزنازين، وهو يسبّ ويشتم ويكفر" ص (60)، فهو هنا ينشئ حواراً بين الخير والشر داخل النفس البشرية، من خلال ولوجه إلى فلسفة الذات، وكيف يكون الإنسان محاصراً بماضيه عندما يكون أسيراً لحاضره مهما كانت قسوة الحاضر ومهما كانت سعادة الماضي... تتوالى الصور التي تعبر عن واقع المعتقل المعيشي والنفسي والفلسفي فهذا المعتقل الذي يجبره الواقع على التكيف مع الظروف القاهرة للإنسان، فإنه لا يتخلى مهما اشتدت المعاناة عن أمله بالحرية، إذ يقول: " وانتبهنا أن الشمس تطفح بأشعتها العمودية في كبد السماء، وما كان علينا إلا أن نتمسك بجدائلها الذهبية، ونصعد." ص (36)، وقد تألق الكاتب إلى أبعد الحدود في قصة (طفل) الذي رسم فيه حالة المعتقل النفسية بدقة متناهي، فقد اعتقل طفلاً في الرابعة عشرة من عمره، وتعلم وحصَّل أعلى الدرجات العلمية، وعمل موظفاً رفيعاً، إلا إنه لم يزل يتصرف ضمن إطار طفولته التي حُرم منها خلف الأبواب المنسية: " سمعتها تقول لي إنه ما زال في الرابعة عشرة من عمره" ص (82)، ولا يفوت الكاتب أن يظهر ثقافة الأسير الفلسطيني، عندما يحاور مدير السجن حول لوحة للرسام اليهودي( مارك شاجال)، بحيث كانت معلومات الأسير أكثر بكثير من معلومات مدير السجن عن حياة هذا الرسام... لم يغب عن المتوكل طه، ذكر الشهداء الأسرى، عندما عرج على ذكرهم، وتأثيرهم على سجَّانيهم، مما يسمون أنفسهم بالعلماء، فالشهيد لا يموت، ولا يتحلل جسده، لينتصر على جلادين الموتى، كما انتصر عليهم الأسير في عقر دارهم، وقد وظف الكاتب سيرة الشهداء توظيفا موفقا خدم نصه وارتقى بمستواه الفني عندما قال: " في اليوم الثاني كان المشرف قد أعدَّ العدة لافتعال حريق هائل يأتي على مخزن الموتى، وعلى الثلاجات والموجودات فيها، ومع تصاعد الدخان الكثيف كانت الأجساد تتعالى، وسط العجاجة السوداء، بملابسها البيضاء إلى البعيد ص (142)... لقد خلصت إلى نتيجة بعد قراءة هذه المجموعة القصصية للكاتب الشاعر المتوكل طه مفادها: أولاً: أن الكاتب قد رصد لنا تجربته الإعتقالية بأسلوب فني رفيع، اتسم بالسهل الممتنع. ثانياً: أن الكاتب لم يترك شاردة ولا واردة إلا وذكرها تقريبا حول ظروف الأسير الفلسطيني. ثالثاً: اتسمت بعض النصوص بالتحليل النفسي. رابعا: يتمتع الكاتب بثقافة عالية مصدرها المكتبة الغربية والعربية ولديه مساحات واسعة من الثقافة الفنية( الرسم والموسيقى). خامساً: تراوحت آراء الكاتب حول موقفه من الآخر. وقال جميل السلحوت: . والكتابة عن الاعتقالات والسجون الاسرائيلية ليست جديدة في التاريخ الفلسطيني، فقد سبق وان كتب عنها الدكتور أسعد عبد الرحمن في بداية سبعينات القرن الماضي(يوميات سجين)كما صدرت مجموعة قصص(ساعات ما قبل الفجر) للأديب محمد خليل عليان في بداية ثمانينات القرن الماضي، و(الزنزانة رقم 706) لجبريل الرجوب، وروايتا(ستائر العتمة ومدفن الأحياء)وحكاية(العمّ عز الدين) لوليد الهودلي،و"رسائل لم تصل بعد" ومجموعة"سجينة"للراحل عزت الغزاوي و(تحت السماء الثامنه)لنمر شعبان ومحمود الصفدي،وفي السنوات القليلة الماضية صدر كتابان لراسم عبيدات عن ذكرياته في الأسر، وفي العام 2005صدر للنائب حسام خضر كتاب"الاعتقال والمعتقلون بين الاعتراف والصمود" وقبل عام صدرت رواية"المسكوبية لأسامة العيسة، وقبل أسابيع صدر كتاب"الف يوم في الاعتقال" للقائد النائب مروان البرغوثي، وأعمال أخرى لفلسطينيين ذاقوا مرارة السجن، كما أن أدب السجون والكتابة عنها وعن عذاباتها معروفة منذ القدم عربيا وعالميا أيضاً ومنها ما أورده الاستاذ محمد الحسناوي في دراسته المنشورة في مجلة"اخبار الثقافة الجزائرية" والمعنونة بـ"أدب السجون في رواية"ما لاترونه"للشاعر والروائي السوري سليم عبد القادر وهي (تجربة السجن في الأدب الأندلسي- لرشا عبد الله الخطيب ) و ( السجون وأثرها في شعر العرب.. –لأحمد ممتاز البزرة ) و( السجون وأثرها في الآداب العربية من الجاهلية حتى العصر الأموي- لواضح الصمد ) وهي مؤلفات تهتم بأدب العصور الماضية ، أما ما يهتم بأدب العصر الحديث ، فنذكر منها : ( أدب السجون والمنافي في فترة الاحتلال الفرنسي – ليحيى الشيخ صالح ) و( شعر السجون في الأدب العربي الحديث والمعاصر – لسالم معروف المعوش ) وأحدث دراسة في ذلك كتاب(القبض على الجمر – للدكتور محمد حُوَّر) أما النصوص الأدبية التي عكست تجربة السجن شعراَ أو نثراً فهي ليست قليلة ، لا في أدبنا القديم ولا في الأدب الحديث : نذكر منها ( روميات أبي فراس الحمداني ) وقصائد الحطيئة وعلي ابن الجهم وأمثالهم في الأدب القديم . أما في الأدب الحديث فنذكر : ( حصاد السجن - لأحمد الصافي النجفي ) و (شاعر في النظارة : شاعر بين الجدران- لسليمان العيسى ) و ديوان (في غيابة الجب – لمحمد بهار : محمد الحسناوي) وديوان (تراتيل على أسوار تدمر – ليحيى البشيري) وكتاب (عندما غابت الشمس – لعبد الحليم خفاجي) ورواية (خطوات في الليل – لمحمد الحسناوي) وقد يكون آخر إصدار هو رواية (ما لا ترونه – لسليم عبد القادر) وواضح أن الأستاذ الحسناوي لم تتح له الفرصة للاطلاع على أدب السجون الفلسطيني. وها هو المتوكل طه يساهم في هذا المجال. عنوان الكتاب: يحمل الكتاب عنوان "الأبواب المنسية" وهو عنوان شاعري لافت رغم واقعيته، فمن لا يعرف هوية المؤلف والمكان الذي يعيش فيه قد يظن العنوان رومانسيا يحمل في ثناياه رواية حب، وهو كذلك لكنه حب من نوع آخر، حب بعيد عن العشق والغرام، انه حب الحرية المسلوبة، وحب من غُيّبوا وراء القضبان مسلوبي الحرية الشخصية بحثا عن حرية وطنهم وشعبهم، ولذلك فان الكاتب أهدى مؤلفه لهم، والعنوان لم يأت عبثا أو عفو الخاطر، بل انعكاس لواقع مؤلم، فهناك أكثر من سبعة آلاف أسير فلسطيني وعربي في سجون الاحتلال الاسرائيلي، منهم من مرّ عليه أكثر من ثلاثين عاما خلف القضبان، والمئات منهم مرّ عليهم أكثر من عشرين عاما، ومن بين الأسرى نساء وأطفال وشيوخ ومرضى، ومنهم من قضى نحبه في الأسر، فخرج من قبر الحياة محمولا على الأكتاف لقبر الممات، لكن روحه تحلق عاليا في سماء المجد والخلود، ومع ذلك فان أحدا لم يعمل ما فيه الكفاية لإطلاق أسرى الحرية، أو أنهم يكادون أن يكونوا منسيين من أبناء أمتهم ومن المتشدقين بحقوق الانسان، وكأن الحرية ليست حقا يتساوى فيه البشر جميعهم، ومن هنا جاء عنوان الكتاب. المضمون: تحدثت الكتابات السابقة عن الأسرى والسجون...عن عمليات التحقيق الوحشي، والتعذيب والمعاملة اللا انسانية التي يتعرض لها الأسير، وتحدثت عن المعاناة والمكابدة، وتأتي نصوص"الأبواب المنسية" والتي يبلغ عددها ثلاثة وستين نصا لتتحدث عن نماذج إنسانية حُرمت من ممارسة انسانيتها، تعاني وتحلم وتمارس"الحياة ما استطاعت اليها سبيلا" الضدية: والجميل -رغم مرارة المضمون- في هذه النصوص هو الضدية التي فيها، ظالم ومظلوم، سجين وسجان، قامع ومقموع، الانسانية والوحشية، الحب والكراهية، الجمال والقبح، القوة والضعف، الارادة والتخاذل، الشجاعة والجبن، النزق والصبر، اليأس والبأس، الأمانة والخيانة، الصدق والكذب، النصر والهزيمة، الصحة والمرض، التفاؤل والتشاؤم، الرذيلة والفضيلة، الصمود والانهيار، الضحية والجلاد...الخ. اللغة والأسلوب: لجأ الكاتب الى أسلوب القص الشاعري، وبعض النصوص لا تتوافر فيه الشروط الفنية للقص، وهي أقرب الى لوحة فنية تجملت باللغة الشاعرية، لتكون خاطرة أو مقالة تحمل قصة أو حكاية أسيرة أو أسير مطهمة بالانسانية، وجاء السرد بعيدا عن المباشرة والشعارات الرنانة، ليتغلغل بنعومة الى عقلية المتلقي الذي لا يعود أمامه خيار سوى التعاطف مع هؤلاء الضحايا، والمؤلف الذي يملك ثروة لغوية لافتة استغلها جيدا للتعبير عما يجول في خاطره عن أسرى وأسيرات عايشهم وعرفهم عن قرب، ولا غرابة في ذلك فهو نفسه كابد معاناة الاعتقال والتحقيق والأسر، فانعكست تجربته في نصوصه دون أن يفصح عن ذلك مباشرة. ولم يلجأ المؤلف الى المبالغة في بناء شخصيات نصوصه، فهم ليسوا ابطال أساطير أو خرافات، بل هم بشر من لحم ودم، يعيشون بيننا، فمثلا المرأة التي أنجبت طفلتها في الأسر حقيقة لا خيال، وتحرير طفلتها من الأسر وابعادها عن والدتها حدثت فعلا، لتعيش الطفلة مع جديها بعيدة عن والدتها، وعن والدها الأسير الذي لم يرها ولم تره، ولا تتأقلم الطفلة البريئة مع حياة الحرية لأنها غريبة عليها. وماذا بعد: مهما كُتب عن هذه النصوص التي تشكل صرخة لتبني قضية الأسرى، والعمل على اطلاق سراحهم الا أن ذلك لا يغني عن قراءتها. وقالت رفيقة عثمان: تعتبر الأقاصيص المكتوبة، بقلم الأديب المتوكل طه، عبارة عن لوحات فنيَّة مُتقنة، بريشة فنَّان مُحترف، يتقن دمج الألوان، وتناغم الخطوط، لدرجة بأنه بإمكانه الاستغناء عن الرسومات المُجرَّدة التي رُسِمت بجانب كل أُقصوصة، ولم تُضف هذه الرسومات للأقاصيص شيئًا.( مع اعتذاري للفنانة – ريما المزين، التي رسمت هذه اللوحات). تعتبر هذه القصص واقعيَّة جدًّا، مؤثِّرة، مُعبِّرة، لها وقع على نفس القارئ. لقد كتب الكاتب كل أقصوصة، أو قصَّة خلف باب منسي، كفنان رسْم "كاريكاتوري"، توصل الرسالة لذهن القارئ بسهولة تامَّة، بكافَّة تعابيرها، وحركاتها، في رسمة "سكيتش" مع سماع إيقاع نغم حزين، يدغدغ المشاعر الإنسانيَّة، ويدقُّ ناقوس النسيان، في زمن نسي معظم الناس فيه معني القيم الإنسانيَّة، وقيمة الذين ناضلوا من أجل الحريَّة، والعدالة، والكرامة، في وطن سجين. لم يظل فِكر الكاتب سجينًا خلف الأبواب المَنسيَّة، بل أطلق العنان لها، واخترقت تلك الأبواب؛ لتذكرَّنا بهذا الداء الذي اسمه النسيان، وأنَّ هنالك أناس يقبعون في السجون، دفعوا حياتهم ثمنًا لتحقيق الحريَّة، والعدالة، والحياة في وطنٍ آمن. كيف لا؟ ألا يستحقُّون كلهم بأَن يُذكروا في أذهاننا، وأن تتم متبعة قضيتهم حتى اطلاق سراحهم؟ بعد أن أُغلِقت أبواب السجون عليهم، نسيهم الأهل، والمسؤولون، وأبناء الوطن... وهم يعانون الظلم، وقسوة السجَّان، ومدير السجن، ظلوا سجناء أنفسهم، وسجناء الوطن، وسجناء الأعداء معًا، ومع ذلك ظل الوطن في داخل نفوسهم، وأجسادهم، (كمعظم الأقاصيص)، مثالا على قصَّة الوشم، صفحة 51، والوصيَّة صفحة 191). قصَّة صهيل في العتمة صفحة 29، قصَّة تُخلخل عقل القارئ، وتُظهر مدى الاستهتار بالسجين، وتفكيره، ومدى الاستهتار في القُدرات العقليَّة، والفنيَّة، فدمَّر السجَّان اللوحة الفنيَّة عن الجدران، مُدَّعيًا صحوة الحصن، وهجومها، لذا قام السجَّان بقتلها. استخدم الكاتب لغة عربيّة فصحى سهلة، خالية من اللغة العاميَّة، ومُعبِّرة، ذات بلاغة عالية. أتمنى للكاتب مديد العمر، مع أبواب أخرى، من أبواب الوطن... وقال موسى أبو دويح: قصص المتوكّل، تشكّل كلّ قصّة منها لوحة مستقلّة؛ ولهذا رسمت الفنّانة ريما المزيّن ثنتين وستين لوحة تعبّر في كلّ لوحة منها عن قصّة من قصص الكتاب –وإن كان فنّ هذا الرّسم لا يعرفه كثير من النّاس، وأنا واحد منهم- وتشكّل كلّ قصّة منها موضوعًا مستقلا عن مواضيع القصص الأخرى، إلا أنّها جميعًا يجمعها سور السِّجن وأسلاكه الحديديّة الشائكة المكهربة، وجُدُرُهُ الإسمنتيّة المسلّحة بقضبان حديديّة ثخينة، وأبواب زنازينه الفولاذيّة، وسجّانوه ومحقّقوه ذوو القلوب المترعة حقدًا ومقتًا على كلّ مَنْ سواهم. المتوكّل طه في "أبوابه المنسيّة" يفضح بعض ما عاناه ويعانيه المعتقلون السياسيّون في السّجون الإسرائيليّة؛ فهو يتحدّث عن حياة عاشها هو ويعيشها حتّى الآن عشرات الآلاف من السّجناء السياسيّين الفلسطينيّين. وهل يتصور عقل أن يبقى معتقل قرابة ثمانين يومًا في التّحقيق المركزيّ دون اغتسال أو حتّى شطف يدين. (صفحة 133). كتب المتوكّل قصصه بلغة أدبيّة فصيحة، وخيال مجنِّح يعرج إلى عنان السّماء، إلى درجة أن يَخْطِبَ معتقل جنيّة من أبيها وأشقّائها الّذين حضروا إلى السّجن ليلا، ولم يتمكّن أحد من رؤيتهم سوى العريس، الّذي اشترط عليهم أن لا تحمل منه ما دام في السّجن. فوافقت ووافقوا. (صفحة 119). وقال محمد موسى سويلم: حين قرأت العنوان الأبواب المنسية تبادر إلى ذهني أنني ساقرا عن تلك الأبواب في القرى المهجرة و التي تركها أصحابها الشرعيون و أغلقوها وحملوا المفاتيح، على أمل أنهم سيعودون قريبا و منهم من قال ساعات ........... أيام............... مدة قصيرة و لم يكن في حسبان احد أن المدة ستطول كل هذه المدة، فظلت المفاتيح و ليست الأبواب. وحين تصفحت الكتاب بشكل سريع و رأيت هذا الكم من الرسومات ، ضحكت وقلت ماذا حصل ألم يبق شيئا أمام المتوكل طه إلا أن يعرض رسومات، و يبدأ بتحليلها و دراستها وكتابة رايه أو ماذا قرأ في هذه الصور . فقلت في نفسي اقرأ يا ولد و شوف، وما هي إلا قصة واحدة أو اثنتين حتى قلت لعل الكاتب أراد أن يكتب مجموعة من مواضيع الإنشاء لطلبة الثانوية العامة (التوجيهي) إلى أن زال كل تلك المفاهيم لاقف أمام قصص قصيرة من رحم ألمعاناة و الألم، مصورة لأروع أناس عاشوا تجربة السجن و ظلم السجان و قهر العدوان، قصص لم تصف ألم التعذيب و الحرمان و المهانة للإنسان، بل تصف قوة الإيمان وعمق التحدي وعزيمة الأهل وحسن التكافل و التضامن، سجين يعلم البشرية كيف يكون حب الوطن والقضية؟ و كيف يحترم الإنسان أخاه الإنسان ؟ عن الرسومات لا ادري لماذا هذا الكم الهائل منها؟ والى ماذا ترمز؟ حبذا لو كتب تحت كل لوحة اسمها كي نحاول ربط اللوحة بالقصة أو بالموضوع المطروح، ثم ألا يكفي مجموعة اقل تفي بالغرض أم أن الكاتب أعطى الرسامة القصص و هي رسمت ما يناسب النص . كتب عما يجول في النفس سواء كانت تلك النفس هي السجينة أم السجانة أم أهل السجين أو من لهم علاقة بهذا ،.الاعتقالات و طرقها وأساليبها ... أوقاتها .. واقع معاش ... لحظات من الهمّ ... الغم ... الفرح كل تناقضات الحياة دون تمييز بين حركة و حركة أو فصيل و فصيل لقد جمع الكل في واحد. كتاب جيد عالج الكاتب بأسلوب فلسفي نفسي الكثير من ملامح وواقع الأسرى و المعتقلين وسجانيهم والظروف التي أدت للوصول إلى تلك النتيجة، ثم عن العزيمة و الصبر و المثابرة والإيمان والتضحية التي تكتنز في صدور المعتقلين، كل هذا و الكثير الكثير ....يعري الكاتب كل الأساليب المتبعة في إدانة السجين، وأن التهم متوفرة وجاهزة، وما على الحاكم سوى إلباس المتهم التهمة على المقاس ولا مانع لو كانت واسعة أو ضيقة، وفي النهاية ماذا بعد ؟ وبعدها جرى نقاش مطول شارك فيه عدد من الحضور ومما قالوه: الكاتب محمد عليان الذي قضى عشر سنوات من عمره وراء القضبان كتب رسالة الى المؤلف استذكر فيها معاناته بشكل شخصي اثناء وجوده في الأسر. خالد محاميد أشاد بالكتاب واقترح ترجمته للغات اجنبية، كما دعا المثقفين الفلسطينيين الى البحث عن اسباب تبني العالم بشكل واسع لقضية الأسير الاسرائيلي جلعاد شاليط، في حين لم ينتبه لآلاف الأسرى الفلسطينيين. . د.اسراء ابو عياش تكلمت عن الجوانب الانسانية في الحديث عن حياة الأسرى وعن معاناتهم الكبيرة. الروائية ديمة السمان أبدت اعجابها بعنوان الكتاب وباللغة الشاعرية للمؤلف، ونوهت الى أن بعض النصوص لا تتوافر فيه شروط القصة. االناقد ابراهيم جوهر صنف النصوص الى ثلاثة أقسام:قسم تتوافر فيه الشروط الفنية للقصة بشكل جيد جدا، وقسم وسط تخللته جمل تفسيرية لا ضرورة لها، وقسم ضعيف كان يجب أن لا يكون بين دفتي الكتاب. طارق السلايمة استغرب عدم ايراد اسماء الأسرى لتخليدهم وابراز قضاياهم. الفنانة التشكيلية مها دعيس انتقدت الرسومات التي تضمنها الكتاب، واعتبرتها غير تعبيرية عن المحتوى، وفيها تكرار، وقالت ان عدم وضوح الرسومات ربما يعود الى عدم طباعتها ملونة. صقر السلايمة اعرب عن اعتزازه بمعرفة المتوكل وابداعاته. وممن حضر النقاش:د.سري نسيبة، راتب حمد، لمى ومحمد غوشة، ومزين برقان. وفي نهاية الجلسة شكر المتوكل طه الحضور، على مشاركاتهم التي وصفها بالجميلة، ونوه بأنه يحاول التجريب مشيرا الى كسر الحواجز بين الأصناف الأدبية المتعارف عليها.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل