المحتوى الرئيسى

اغتصاب الرّبيع العربي!بقلم:صلاح حميدة

03/31 23:48

*كتب صلاح حميدة فعلت جريمة مليشيات القذّافي بحق المواطنة الليبية إيمان العبيدي فعلها في الإعلام الدّولي، فجرأة هذه الفتاة في الإعلان عن ما ارتكب بحقّها، أدت دوراً هائلاً في المعركة التي تجري بين الشّعب الليبي ومليشيات عائلة القذّافي، بل لا نبالغ إن قلنا بأنّ ما قامت به العبيدي يفوق ما يقوم به الثّوار الليبيون سياسياً وإعلامياً وعسكرياً. فعل القذّافي ومن معه من الحكّام العرب الكثير من الخطايا بحق مواطني الدّول العربية، واغتصبوا حقوق النّاس الأساسية في الحرّية والحياة الكريمة و حرية الحركة و حق العيش كمواطنين في بلدانهم، بل قام الكثير من هؤلاء ببناء أصنام لهم في بلدانهم، واغتصبوا الوعي الشّعبي والفردي بإعلام ومناهج دراسية مضللة، وبعيدة كل البعد عن الواقع المحلّي والدّولي، حتى أشرب بعض النّاس في قلوبهم هذا الاغتصاب الفكري والعقلي لهم، وقاموا بعبادة هؤلاء وتأليههم، في ثالوث ( الله والقائد والبلد) وطبعاً القائد هو المقدّم عند هؤلاء على رأس الثالوث، لأنّ الله والوطن لا وجود لهما في تفكير وأداء هؤلاء على أرض الواقع، حتى إنّ بعض أنصار هؤلاء القادة وضعوا صور الزعيم على الأرض، وسجدوا عليها تقبيلاً وتبجيلاً، بطريقة مقرفة ومضحكة وتعيد إلى الأذهان أيام الجاهلية الأولى، فبإمكانهم تقبيل الصّورة وهم واقفون، فلماذا توضع على الأرض ويسجدون عليها، أو لها؟. قام هؤلاء الزّعماء- الأصنام - باغتصاب كل ما هو جميل في واقعنا العربي، ويعملون على تخضيب هذا الربيع بالدّماء والدّمار والسّواد، معتقدين أنّ شعوبهم عبارة عن جمهور من العبيد لا حق لهم في العيش إلا تحت سطوتهم، أمّا إن قاموا بالمطالبة بحقّهم بالحرية والمشاركة والعدالة الاجتماعية، فلا بد من انتهاك بكارة ربيعهم بطريقة وحشية، تتشابه في الجوهر بينهم جميعاً، فيما تختلف فقط في بعض الشّكليات والمسمّيات. الإسلاميون والقاعدة إحدى أهم وسائل الأنظمة الدكتاتورية في محاولات اغتصاب الرّبيع العربي، فهم يضعون الدّاخل والخارج أمام الاختيار بينهم وبين ما يسمّى بالقاعدة أو الحركات الاسلامية، بل يسعى بعضهم لخلق القاعدة الخاصّة به، ويمنحها فرصة السّيطرة على بعض المناطق من بلده للتلويح للغرب والإقليم والدّاخل، بأنّ السّماح بإزاحته عن الكرسي سيؤدّي لسيطرة ما يقول أنّه قاعدة في بلده، وأنّ إبقاء الفاسد المستبد هو الأفضل لهذه الأطراف جميعاً، بدلاً من التّحوّل نحو ما يعتبره البديل المجهول الذي يضر بمصالح تلك الأطراف جميعاً، وهذا الأسلوب استخدمه هؤلاء جميعاً بلا استثناء، وهذا يؤكّد بأنّ هؤلاء أدوات تخدم الخارج في مواجهة أطراف يرى الخارج أنّها تهدد مصالحه الاستراتيجية في المنطقة. "أحكمكم أو أقتلكم" هذا شعار حكام العرب كما لخّصه عبد الرّحمن شلقم في كلامه الموجّه للقذّافي، فالزّعيم العربي يعمل على اغتصاب الإرادة الحرّة للمواطن العربي الثّائر، عبر قتله وتخضيب خضرة ثورته بالدّم، فإمّا اغتصاب الإرادة وسط صمت الضّحيّة، وإمّا أن تتم محاولة اغتصاب تلك الإرادة على الهواء مباشرةً، عبر عمليّات القتل والقصف. ولا بدّ أنّ ما قام به بعض أدوات اغتصاب الإرادة الشّعبية من فعلة نكراء بحقّ الحرّة الليبية إيمان العبيدي، يبيّن درجة الحنق وفقدان السّيطرة التي انحدر إليها هؤلاء، ولكن في الوقت نفسه ، تظهر هذه الحالة أنّ زمن صمت الضّحية وسلبيتها وتواريها عن الأنظار، انتهى إلى غير رجعة، فلن تصمت الضّحيّة بعد اليوم، ولن تنكفىء بعد الآن، بل ستصرخ في وجه الظّالم أمام العالم، وستستمر في حراكها حتى تأخذ حقها وتعاقب المغتصب أيّاً كان. الفوضى يحاول هؤلاء اغتصاب ربيع الثّورة بالتّلويح وبتفعيل قوى الفوضى الدّاخلية، فهؤلاء يعتبرون أنّ الاستقرار الخادع الذي يأتي به الاستبداد هو البديل الحقيقي للحرية والكرامة، ولذلك يسعون لإشعال فتيل الفوضى المنظّمة عبر المافيا الأمنية والسياسية والاقتصادية التي يديرونها منذ عقود، هذه المافيا تسعى للدفاع عن مصالحها التي يهدّدها ربيع الثّورة العربية، ولذلك تعمل على إشعال نار الفوضى والسلب والنهب والحرق والتّدمير والاعتداء على البيوت والأفراد، ويلاحظ أنّ انتشار وإيقاف هذه الفوضى يتمّ بطريقة مبرمجة، وما جرى ويجري في الدّول التي تشهد بدايات ربيع ثورة العرب يؤكّد على هذا الأمر. ولكن المضحك أنّ هذه الأنظمة تدّعي بأنّها لا تعرف من هم مثيرو عمليات القتل والفوضى، مع أنّه لا يتنفّس مواطن عربي، أو يجري اتصالاً هاتفياً، أو يتصفّح موقعاً على الشّبكة العنكبوتية، أو يزور أو يصافح صديقاً إلا وكانوا فوق رأسه؟!. البلطجيّة والبلاطجة واللجان الثّورية والزّعران والشّبّيحة والمجهولون يقوم هؤلاء الزّعماء بتجنيد صغار المنتفعين وعبدة الأصنام والأموال، من الذين يعتاشون على فتات الأنظمة، والذين سيتضرّرون حتماً بزوالها، وهؤلاء مجموعة من المجرمين الذين يلقى على عاتقهم تشويه كل ما هو جميل في الوطن العربي، يسرقون ويدمّرون ويحرقون ويعتدون على المطالبين بالحرّية، ويفتعلون الإشكالات والفتن بين الطّوائف والمناطق، ويعتدون على وسائل الإعلام التي تنشر ما يجري على الأرض من إجرام، بل يقتلون ويغتصبون، و يمتدّ وجود هؤلاء إلى وسائل إعلامية تتبع هؤلاء الزّعماء، تمارس ما يسمّى ب (البلطجة الإعلامية) وهؤلاء هم الذين يقودون توجيه وحقن وتحريض جموع الفوضويين والبلطجية على الأرض ضد القوى المطالبة بالحرّية في العالم العربي، وظهر نتاج أفعال هؤلاء على أرض الواقع في الكثير من المدن العربية. الطّائفية والمناطقية اشتعلت الثّورة العربية في الكثير من الدّول العربية بدرجات متفاوتة، وكان أبرز سماتها الجميلة اختراقها للطائفية والمناطقية والحدود المفتعلة بين العرب، وبلغ تأثيرها حداً أبهر العالم أجمع، وبات الجميع ينتظر ما سيجري في العالم العربي. بعض الزّعماء العرب وبعض دعاة العرقية والطّائفية في العالم العربي، سعوا لاغتصاب هذه الصّورة الجميلة وتشويهها، فقام بعضهم بركوب موجة الثّورة، إمّا لخدمة طائفية أو مدعياً بمواجهتها لأنّها طائفية، بل زيد على ذلك، بأن يقف البعض مع ثورة ما في قطر عربي لأنّها تخدم مصالحه السّياسية والطائفية، ويتجنّد لدعمها في الإعلام بشكل مذهل، أمّا في ثورة أخرى، فيتبنّى منطق القمع والاغتصاب لثورة الحرية والكرامة، لأنّها تتعارض مع توجّهاته ومصالحه الطّائفية والمناطقية والعرقية والسّياسية. كما أنّ تلك القوى تسعى من خلال مهاجمتها أو تبنّيها الطّائفي والمناطقي والعرقي لبعض الحركات الشّعبية، يعكس رغبتها في اغتصاب ربيع الثّورة من خلال تحوير اهتمام من يتبعونها طائفياً وعرقياً ومناطقياً تجاه الصّراع المفتعل مع الآخر، بدلاً من الاهتمام بالقضايا الجمعية المحقة التي تنهي دور هؤلاء. دعم هؤلاء لبعض التّحركات الشّعبية في مناطق ورفض محاولات اغتصابها من قبل النّظام الرّسمي، والقيام بدعم اغتصاب الحركة شعبية أخرى في نفس الوقت، يعكس نفاقاً في مواقفهم تجاه ربيع الثّورة العربية، يفقدهم المصداقيّة، بل لا نبالغ إن قلنا إنّ تلك القوى تعتبر إحدى عوامل الشّد العكسي لنجاح الثّورة العربية، حتى ولو دعمت بعضها إعلامياً. فهذه الأطراف هي المحرّك الحقيقي للفتنة في العالم العربي، حتى يتسنّى لها السّيطرة على الشّعوب العربية تحت سيف الترهيب من الفتنة، ولعل ما كشف عنه في مصر من دور هذه الأنظمة وأدواتها في إشعال الفتنة الطّائفية أكبر دليل على أنّ هؤلاء هم دعاة الفتنة وأهلها ومسعّروها، وأنّ كل ما يهمّهم فقط هو البقاء على كرسي الحكم. المؤامرة الخارجية تعتبر إحدى أدوات اغتصاب ربيع الثّورة العربية، فالزعماء العرب يجمعون أنّ كل حراك شعبي يطالب بالحرية عبارة عن مؤامرة خارجية ذات ذيول محلية تتبعها وتنفّذها، وعندما يقفون أمام تساؤل مهم عن قدرة أطراف خارجية على حشد ملايين العرب للخروج في مسيرات الحرّية؟ يجيب هؤلاء بأنّ الغالبية هم من المضلّلين ومن ذوي النّوايا الحسنة الذين وقعوا فريسةً لأصحاب الأجندات الخارجية، هذا المنهج في التّفكير يعكس طبيعة رؤية تلك الأنظمة لشعوبها، فهي – حسب رأيهم - شعوب قاصرة عن التّفكير السّليم والتّصرّف الصّحيح، وهي دائماً بحاجة لتوجيهات القائد الملهم الذي لا يخطىء والذي يقترن اسمه دائماً باسم الله. وبما أنً ما جرى عبارة عن مؤامرة مزعومة، فالحل يكمن باطلاق يد قوى القمع الدّاخلي للقيام بكافّة المهمّات القذرة التي تبدأ بالقتل والاعتقال والاغتيال، وتنتهي بتلفيق الاتهامات وفبركة القصة- المؤامرة للاعلام، وطبعاً تصبح مطالبة الشّعب بالحرّية رجس من عمل الشّيطان، ويقترن المجاهرة بطلبها مع المؤامرة الجريمة، ولا مجال للشّعب إلا أن ينتظر محاضرات القادة الملهمين التي يتصدّقون بها على النّاس، فيما يزداد الفاسدون فساداً، ويزداد الواقع سوءاً. ولكن هل تنطلي تلك الادعاءات على المواطن العربي؟ من المؤكّد أنّه لا، فالمواطن العربي ليس قاصراً ولا مضللاً، بل هو قادر على الفهم، وهو قادر على التّصرّف، فالقضاء على الفتنة يمر عبر الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والضّرب على يد المفسدين، فزمن حجب المعلومة والتّضليل الذي تمارسه الأنظمة بات من الماضي، ولا يمكن إعادة عجلة الثّورة إلى الوراء. المصفّقون والهتّيفة وهؤلاء يعتبرون من الكمبارس المرافق لكافّة المشاهد التي يظهر فيها الزّعماء العرب أمام الاعلام، ويتم استخدام هؤلاء في الوقت الحالي، كأداة، لتبرير اغتصاب ربيع الثّورة العربية، فهم يقومون بدورهم التّضليلي في حضور وفي غياب الزّعيم العربي، ولكن تم تكثيف حضورهم في الفترة الاخيرة، وهم يستحضرون بطريقة مصطنعة بدائية تثير الإزدراء عند إلقاء الزعماء العرب لخطاباتهم المملة التي ترفض الاستجابة لمطالب الحرية، ويلاحظ أنّ الزّعماء العرب يحاولون افتعال تأييد شعبي لهم من جموع هؤلاء المنافقين عبر حشدهم في أماكن ومناسبات بعينها، ويحشدون الموظّفين والطّلاب والعمال بطريقة إجبارية، ويتم قيادة جموع المجبرين من قبل الهتّيفة والمصفّقين وبإشراف أمني فاقع، ويبدأ هؤلاء بالتّصفيق والهتاف للزعيم الّذي لا مثيل له، بل يقوم بعض هؤلاء المنافقين بمخاطبة الزّعيم بأنّه يستحق أن يكون زعيماً للعرب، فيما يقفز آخر ويقول له: أنت يجب أن تكون قائداً للعالم؟! وكأنً العالم بحاجة للمزيد من الدّكتاتوريين إضافيين يقمعون شعوبهم ويسرقون ما في جيوبهم ويقتلون ويمتهنون كرامة أبنائهم. السياسة الخارجية ومقاومة الاستعمار بعض الدّول العربية تعلن سياسة خارجية تظهر بأنّها معادية للاستعمار، وتقوم أغلب تلك الأنظمة بممارسات سياسية و مقاولات أمنية في خدمة الاستعمار والاحتلال، ولكن في اللحظة التي ينهض فيها الشّعب العربي للانضمام لربيع الكرامة والحرّية، يصبح هذا الحراك الشّعبي العربي مباشرةً في خدمة الاستعمار، ويصبح حرص الخارج على التّصريح بتضامنه مع هذا الحراك، نقطة تدين المطالبين بالحرية، لا نقطة تحسب لهم. فبعض تلك الأنظمة يقامر بمصير الوطن والمواطن في سبيل الحفاظ على حكمه، وعمل على استثمار سياساتها الخارجية والدّاخلية في سبيل خدمة هدف البقاء في الحكم، وهو الثّابت الوحيد في كل تلك السّياسات، ويحاول تبرير القمع الدّاخلي بما يطلق عليه (قانون الأولويات) فهل هناك أولوية تقدّم على الحرية والكرامة الانسانية؟ وهل مقاومة الاستعمار تقتضي قمع النّاس وسلب حرّيتهم وإطلاق يد الفاسدين لنهب قوتهم؟ وهل فعل الخير في الخارج يعطي تصريحاً مفتوحاً بقمع الشّعب؟ وهل يستطيع أي نظام مقاومة الاستهداف الخارجي فيما شعبه مقهور ومظلوم وجائع؟. فما الّذي جناه القذّافي من مجد في أفريقيا وأمريكا اللاتينية بينما شعبه في أغلبه يكرهه ولا يريده؟ بل يطلب من كل الدّنيا أن تحميه منه. إنّ الدّول القويّة في داخلها هي القوية في خارجها، بينما الأنظمة القائمة على اغتصاب الإرادة الشّعبية لن تستطيع صنع سياسة خارجية مثلى، حتى لو أحسنت استثمار التناقضات والمتغيّرات الدّولية والاقليمية في بعض المراحل، ففي زمن ربيع الثّورة العربية لا مكان لمغتصبي إرادة الشّعوب مهما فعلوا.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل