المحتوى الرئيسى

أربع كلمات سحرية... على قادة العرب أن يتعلموها بقلم: ياسين الوسلاتي

03/31 23:17

أربع كلمات سحرية... على قادة العرب أن يتعلموها ياسين الوسلاتي إذا نــُــظمت في آخر سنة 2011 مسابقة على مستوى الوطن العربي لاختيار أفضل شعار ردده الناس وشغل العالم فإن شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" ومشتقاته ستكون له الغلبة بدون منافس ولا منازع... هذا الشعار هو ماركة تونسية مسجلة، ولكنه صار شعارا عربيا خالصا وحــّـد بين المضطهدين من المحيط إلى الخليج وطاف بين الشعوب التواقة إلى الحرية والكرامة والديمقراطية، الشعوب التي ديست كرامتها لعقود حتى خلنا أنها ركنت للموجود المفروض عليها وأضاعت السبيل إلى المنشود المحرم عليها ومات فيها كل إحساس وكل رغبة في الانفلات والانعتاق من قيود الواقع التعيس المرير والانتفاضة عليه، الشعوب التي سئمت الدكتاتوريات حتى تقيأتها وألقت بها إلى مزابل التاريخ.... "الشعب يريد إسقاط النظام" يــُــعدّ علامة فارقة بين عهدين: عهد بائد، عهد الاستكانة والخنوع والخضوع والذل والهوان والقبول بالأمر الواقع واللامبالاة والسلبية وطأطأة الرؤوس وتقبيل الأيدي والأقدام والخوف والاكتفاء بدور المفعول به المنصوب (عليه)، وعهد قادم مشرق، عهد الثورة والإرادة والكرامة (قبل الخبز دائما) والعزة والاعتداد بالنفس والفاعلية والإيجابية والرفض والتحدي والشموخ والسمو والعزم والشجاعة والوعي والمسؤولية والاطلاع بدور الفاعل المرفوع الهامة دائما..... ما أعظم "شعار الشعب يريد إسقاط النظام" لفظا وإيقاعا ومعنى.... أربع كلمات سحرية.... أربع كلمات من نار ألهمت الفنانين وألهبت مشاعر الشعوب المضطهدة وأرعبت الطغاة الجبابرة الظالمين وزلزلت من تحتهم عروشهم وكراسيهم فسقطوا من عليها مهزومين أذلاء في مهانة بالغة لا يصدقون ما آلوا إليه من مصير، أو ظلوا هناك في خوف دائم ورعب مستمر ينتظرون لحظة السقوط .... أربع كلمة بسيطة جدا وعفوية جدا لا تعقيد فيها ولا فلسفة ولا تحالفات ولا أجندات ولا خلفيات سياسية ولا فكرية ولا عقائدية ولا طائفية ولا عرقية ولا جهوية يفهمها المواطن البسيط في الشارع ويفهمها الطفل في مدرسته ويفهمها الموظف في إدارته ويفهمها السياسي في حزبه ويفهمها الحاكم المستبد في قصره ولو أنه يتظاهر أحيانا أنه لا يفهم لغاية في نفس يعقوب.... كلمات متداولة بين الناس منهم و إليهم.... لا أحد يقدر على أن يدعي أنه يفهم هذه الكلمات أكثر من غيره وأنه يمتلك بشأنها الحقيقة الكاملة حصريا وأنه مستعد لأن يقدم المحاضرات والدروس المجانية المتعلقة بهذا الشعار وكلماته... هذه الكلمات الأربع رددها ويرددها الأمي والمتعلم والعاطل عن العمل والمعلم والطالب والتلميذ والمحامي والطبيب والأستاذ والمهندس والفلاح والبحار والنجار والعامل البسيط والأم والأب والجد... لم تكن كلمات نخبوية ولا عبارات خشبية ولا زخارف لفظية ولا ألفاظا للتعمية وذر الرماد على الأعين... إنها كلمات على بساطتها وعفويتها ساحرة جبارة هادرة من الحديد والنار.... من يستمع إلى الآلاف أو عشرات الآلاف وهم يرددون هذا الشعار العظيم بصوت واحد، وهم يصيحون به صيحة الرجل الواحد يقشعر لذلك بدنـُـهُ وكما نقول في تونس "يقوم شوكا شوكا" ويشعـُرْ برهبة اللحظة وعظمة الموقف ويتمنّ لو أنه كان وسط تلك الجموع يردد ما يرددون بقلب خاشع وصوت هادر ويستمتع بما يستمتعون... الألفاظ الأربع المكونة لهذا الشعار تــُـرَدَّدُ في إيقاع بليغ مؤثر مـُوحِ جميل رائع يتضمن تناسقا كبيرا بين مكوناته ويكشف عن كثير من العزم والإصرار والتحدي والثقة بالنفس ووضوح الرؤية ودقة الهدف والغاية..... "الشعب"... تقال هذه الكلمة مفردة مستقلة عن التي بعدها ويعقبها وقف وصمت للحظة واحدة حتى ينبه قائلوها من يستمع إليهم إلى هوية المتكلم الذي هو الشعب وليس طرفا آخر، لا هو شخص، ولا هي مجموعة، ولا هي فئة، ولا هي طبقة، ولا هو حزب، ولا هي جهة، وإنما هو الشعب العظيم ـ الشعب الكريم.... إذن انتبه المستمع (النظام القائم وكل العالم) في لحظة واحدة إلى أن المتكلم الثائر هو الشعب وليس غيره... ما به هذا الشعب؟؟؟ الثائرون يكملون الرسالة ويخبرون عن هذا الشعب، فهو "يريد"، وبنفس الطريقة وبنفس النغمة التي ذكرت بها كلمة الشعب ذكر فعل "يريد"، بعده وقـْفٌ وصمْتٌ للحظة، وينبغي أن نستمع إلى ذلك بكل جوارحنا لأن إذا الشعب يوما أراد ـ مهما أراد ـ فلا بدّ أن يستجيب القدر ولا بدّ .... ولا بدّ.... لا أحد يقدر على أن يتصدى لإرادة الشعب.... ماذا يريد هذا الشعب؟؟؟ الأمر بسيط جدا، ليس ثمة مطالب كثيرة، ليس ثمة رغبات كثيرة، كل ما في الأمر أنه يريد "إسقاط النظام".... هذه المرة ليس ثمة وقف وصمت بعد كلمة إسقاط وليس ثمة فصل بينها وبين الكلمة التي بعدها (النظام) وإنما هناك إسراع واستعجال في النطق باللفظتين موصولتين معا، هناك عزم وإصرار، وليس هناك شك وتردد وحيرة... منشئ هذا الشعار كأنه ملاكم محترف ذو خبرة كبيرة... لكمة أولى يوجهها إلى خصمه يعلن فيها وبها عن وجوده ويعرف بنفسه... بعدها لكمة ثانية يوجهها له يعلن فيها وبها عن نيته ويخبر بها عن نفسه.... بعد ذلك لكمتان متتاليان لا فاصل زمنيا بينهما لتكونا الضربة القاضية، وهكذا تكتمل الرسالة، رسالة الشعب الذي يريد إسقاط النظام ورسالة الملاكم الذي يريد إسقاط منافسه بالضربة القاضية.... شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" نشأ وترعرع في تونس الخضراء متخذا ملامح من شعر أبي القاسم الشابي ومتشبعا بروحه النضالية العالية، وحينما ظهرت ـ وأثبت ـ نجاعته وفائدته وقوته وسحره تلقفته الشعوب العربية المضطهدة بفرح غامر وتـبنــّـتــه (على ذمة إحدى المذيعات بالتلفزيون الليبي فإن التبني حرام شرعا) شعارا يعبر عن آمالها وتطلعاتها بالقطع مع الاضطهاد والظلم والجبروت والديكتاتورية وانتظار غد أفضل يبشر بالحرية والديمقراطية والعدل والعيش الكريم الذي يحقق إنسانية الإنسان ويسمو به إلى أعلى المراتب.... شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" كما هو أو معدلا تجول وطاف بين أرجاء الوطن العربي من تونس إلى مصر إلى ليبيا إلى الأردن إلى اليمن إلى المغرب إلى البحرين إلى سوريا إلى العراق إلى فلسطين، والقائمة تطول... يفعل فعله بشكل عجيب كأنه ساحر خبير، فيخرج المواطن العربي "المغبون" المغلق فمه لعقود عن سكونه وهدوئه و"رصانته" و"وطنيته" (الوطنية بالمفهوم القديم قبل عهد شعار الشعب يريد إسقاط النظام هي أن يرضى المواطن العربي بالظلم والاضطهاد وأن يقبل أن تداس كرامته) وسكوته وصمته ليصبح كتلة من نار حارقة تخيف الحكام وتجعلهم يضعون في اعتبارهم ونصب أعينهم أن هناك شعوبا كانت مغيبة قسرا ولكن ها هي الآن تسجل حضورها بقوة خارقة ليس كذي قبل وها هي الآن أصبحت رقما صعبا في معادلة أصعب ينبغي أن يــُـقرأ لها (الشعوب) ألف حساب في كل الحالات والوضعيات... شعار "الشعب يريد إسقاط النظام" تحول وتغير وتكيّف ووقع تعديله بحسب ظروف البلد وخصوصياته وخصوصيات نظامه وطلبات الشعب، فتمت المحافظة فيه على كلمتيه الرئيسيتين المحوريتين وهما "الشعب" و"يريد"، وتغيرت الكلمتان الباقيتان، فاستمعنا إلى الشعب يريد إسقاط النظام، والشعب يريد إسقاط الحكومة، والشعب يريد إصلاح النظام، والشعب يريد إنهاء الانقسام، وثمة من ميــّـع هذا الشعار و أساء إليه ـ ولو أن من حقه أن يعتمد على مثل هذا الشعار على أقل من باب حرية التعبير ـ فجعله على هذا النحو: "الشعب يريد المعمّر العقيد"....!! والنتيجة بعد رواج هذا الشعار وتبنيه (على رغم أنف مذيعة التلفزيون الليبي) والعمل به أنّ من الأنظمة العربية ما سقط وصار من الماضي البائد غير المأسوف عليه، ومنها ما هو يترنح الآن وهو متداع للسقوط وقد يسقط بين لحظة وأخرى، ومنها ما هو مُدرج على قائمة السقوط والمسألة مسألة وقت، ومنها ما بادر إلى الانحناء أمام العاصفة حتى تمر فبادر إلى الإعلان عن عدد من الإصلاحات قد ترضي الشعب وقد لا ترضيه فيطالب بالمزيد أو يرفضها جملة وتفصيلا ويصر على إسقاط النظام، ومهما تكن النتائج فإن الحكام العرب الجديد منهم أو من أسعف بالبقاء إلى أن يحين حينه مطالبون بكل تأكيد أن ينسوا ممارسات ما قبل "الشعب يريد إسقاط النظام" وإلا فإن هذا الشعار ستسلطه عليهم شعوبهم وسيكتوون بناره.... ياسين الوسلاتي تونس ** هذا المقال منشور بجريدة القدس العربي البريد الإلكتروني : weslati.yassine@yahoo.fr.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل