المحتوى الرئيسى

(دولة وإقليم .. وتاريخ جديد)

03/31 21:17

شيلان خانقاه قبل ستة أعوام ونيف زار مسعود البرزاني تركيا كزعيم لإحدى الأحزاب الكردية في كوردستان العراق وأبى أن يكررها إلا وتكون الزيارة القادمة زيارة رسمية بعيدة عن المجاملات والمصالح السياسية ضيقة الافق، فلا فرض لشروط دولة على حزب يمكن أن يشكل خطراَ على المصالح الاقليمية للدولة او مصدر تهديد لاستقرارتلك الدولة التي كانت في يوم من الأيام صاحبة أعرق الامبراطوريات الشرق أوسطية. خلال الفترة الزمنية مابين أول زيارة للبرزاني إلى تركيا وآخرها قبل 8 أشهر، مرت العلاقات الثنائية بين إقليم كردستان ودولة تركيا بانحدارات وتعرجات، لكن الطرفان كانا الغالبان ولا مغلوب في هذه المعادلة المتوازنة، وما نراه اليوم على أرض الواقع من تحسن العلاقات الكردية التركية ووصولها مرحلة متقدمة هي أقرب ما تكون كعلاقة بين دولتين وليس كاقليم ودولة، وفي رحاب استذكار التاريخ المشترك بين الطرفين نجد أن الدولة العظمى كانت حذرة في التواصل مع كوردستان للاسباب التالية :- 1_ الدولة الكردية في الذاكرة التركية مخاوف ازاء الكرد وذلك بعد حركة اتاتورك عام 1923 وثورة الكرد بقيادة الشيخ سعيد بيران عام 1925 والتي أعدم على اثرها بيران، واعتبرت حركته ضد مصالح الدولة التركية القومية وقد تجددت هذه المخاوف بعد انهيار النظام السابق في العراق حيث استفاق الاتراك على خطورة الحلم الكردي بتأسيس دولة مستقلة مركزها شمال العراق والذي سيؤدي بدوره الى تداعيات مباشرة على كورد تركيا اللذين يزيد عددهم على كورد العراق بنحو ثلاثة اضعاف. 2_ التركمان واقليم كوردستان تعتبر تركيا نفسها المدافع الشرعي عن حقوق الاقلية التركمانية في كركوك وفي حال انضمام كركوك الى اقليم كوردستان عندئذ يواجه التركمان المعاملة بالمثل انتقاما لاكراد تركيا المنهوبة حقوقهم تحت شعار (المصلحة القومية فوق الاقليات والاعراق) . 3_قضية حزب العمال الكوردستاني هاجس اتفاق كورد العراق مع حزب العمال الكردستاني المحظور في تركيا , بات السد المنيع امام آفاق التعاون السياسي والاقتصادي مع اقليم كوردستان حيث يقيم حزب العمال في الجبال الوعرة العائدة الى الاقليم جغرافياَ والمحاذية لجنوب تركيا الكوردية. هذه الاسباب دفعت بالدولة التركية الى اتخاذ موقف اشبه بالمعادي او اقرب الى المعاداة منه الى الوفاق، وما كان وراء تغيير المعادلة الى وفاق ووئام يتجلى فيما ادناه :- 1- كورد العراق لم يعلنوا دولة مستقلة كما كانت تتوقعها تركيا بل نقلوا ثقلهم السياسي الى بغداد، من هناك مارسوا سياسة شاملة ضمنت حقوقهم ككرد ونجحت في ايجاد علاقة سلمية بين الاقليم والمركز من جهة، ومن جهة اخرى جمدت مخاوف دول الجوار الجغرافي ازاء اقامة دولة كردية مستقلة. ولعل نجاح الكورد في تشكيلهم للرقم الاصعب في المعادلة العراقية ورغبة تركيا بدخول العراق سوقاَ وسياسة، هي احدى واهم الاسباب في تنحي تركيا بافكارها ومخططاتها البالية كما جاء في حديث اردغان إبان افتتاح مطار اربيل الدولي يوم امس وطي صفحة الماضي بما فيها من اخطاء في حسابات الدولة التركية تجاه الكورد عامة. 2- التجربة الكوردية في الحكم و ضمها لكل الاطياف العراقية المقيمة في المنطقة الشمالية سواء كان على اراضي الاقليم او محافظة كركوك التي يعتبرها الكورد مدينة عراقية بهوية كوردستانية، واحتواء حكومة الاقليم وبرلمانها على تركمان كسائرالمواطنين في الاقليم وحرية الاحزاب التركمانية في ممارسة اعمالها ونشاطها السياسي في كوردستان اذابت المخاوف التركية وابعدته عن فكرة عنصرية الكرد التي لم يعد لها اثر لا عند الاتراك ولا حتى عند العرب. 4_ تغيير النهج في السياسة التركية بعد قدوم حزب العدالة و التنمية وبدء رئيس الوزراء الحالي رجب اردوغان لسلسة من الاصلاحلات ومسيرة السلام مع الشعب الكوردي في تركيا و بالرغم من سياسة العسكر الواقفة بالند لاردوغان لكنه نجح في اعتماد سياسة ( السوفت باور) والغاء سياسة ( السوبر باور) للعسكر التركي. 5_ الموقف الرسمي لمسعود البرزاني حيال القضية الكردية في تركيا ومساعيه السلمية لحل قضية حزب العمال الكردستاني بعيداَ عن الحل العسكري واعتماد الدبلوماسية كخارطة الطريق لضمان استقرار المنقطة. 6_ الاستقرار الامني في اقليم كوردستان العراق برغم التحديات التي تواجه امنه القومي من صراعات داخلية وفتنة طائفية وارهاب متفشي في شوارع الدولة العراقية، فقد بقيت كوردستان بمنأى عن تداعيات سقوط النظام السابق وانقسام الشارع العراقي ومساعي اطراف اقليمية لزعزعة الامن والنظام في العراق عبر العبث بأمن الاقليم. لكن سياسة البرزاني الابن في ادارة دفة الامن القومي للمنطقة الكردية وبالتالي تداعياتها على الامن الاقليمي ومن ضمنه الامن القومي التركي، فند مخاوف الاتراك من الولوج في المسيرة الاقتصادية لكوردستان وعزز في الوقت نفسه ثقة الدول الاقليمية في قوة البنية التحتية للامن الكوردستاني . في الواقع، ما ادرجناه اعلاه تمحور حول الجانب السياسي من العلاقات الثنائية بتاريخها، ماضيها، وحاضرها ومستقبلها. أما اقتصادياَ:- فما يراه مراقبون محليون ودوليون ان الكورد نجحوا في استدراج الاتراك الى قيادة عباب التجارة والاستثمار في منطقة طالما تخوفوا منها ونجح مسعود البرزاني بصفته رئيساَ للاقليم بتحويل كوردستان الى جنة الاتراك المرتقبة اقتصادياَ، وبذلك يكون البرزاني قد ارسى دعائم اقوى واغرب علاقة من نوعها علاقة (دولة عتيدة بإقليم فتي). ولعل افضل وصف للعلاقة الجديدة بين تركيا وكوردستان يأتي على لسان وزير التجارة الخارجية التركي ( ظافر كاغليان ) حين قال بأن التجارة هي مفتاح السياسة وتطوير علاقاتنا سيمسح بحل مشكلاتنا. فهناك رغبة متبادلة في الاستفادة اقتصادياَ حيث ترغب تركيا بالاستفادة من تعاظم النفوذ الكردي في العراق ودورهم في صياغة المشهد السياسي العراقي . وكذلك اتخاذ كوردستان معبراَ لها نحو الخليج العربي الذي يشكل وتد الاقتصاد الحر العالمي وذلك بحكم العلاقات الجيدة للبرزاني واقليم كوردستان مع دول الخليج العربي كافة وفي المقابل استخدام الكورد لاراضي تركيا في تصدير النفط الكوردستاني الى اوربا ودول العالم وبذا تكون كوردستان قد افادت تركيا سياسيا بربطها لاسيا الوسطى باوربا الوسطى عدا عن تقريب تركيا من دخولها في الاتحاد الاوربي بهذه الخطوة. اضافة الى الاستفادة التي الحقتها بالدولة العظمى اقتصادياَ عبر انابيب النفط والغاز العابرة لاراضيها ومايدر عليها من منافع وارباح وحجم الاستثمارات التركية المهوولة في كوردستان والبالغة حالياَ 5 مليار دولار وهناك خطط لزيادة حجم التداول الاستثماري الى 20 مليار دولار خلال السنوات القليلة القادمة. رقم ضخم يجعل كوردستان تأتي في المرتبة الخامسة بين الدول التي تتعامل معها تركيا تجاريا وهو رقم يفوق حجم التعامل مع سوريا وأسرائيل والاردن ولبنان معا واصبحت الجالية التركية تفوق الجاليات الاخرى المقيمة في كوردستان عدداَ وعملاَ، اذ فاق عددهم 35 الف شخص يعملون في شتى المجالات التجارية سواء المرتبطة بعقود رسمية مع حكومة الاقليم او مع القطاع الخاص، ووصلت عدد الشركات التركية العاملة في كوردستان الى (700) شركة مساهمة في عملية الاعمار. إذا فقد اوجدت كوردستان موطيء قدم لها على خارطة الاقتصاد العالمي في استباقها الزمن لفض نزاعات العراق والدول الاقليمية و المساهمة في استتباب الامن الاقليمي وبالتالي الدخول في مرحلة المنافسات العالمية على تطوير اقليمها ليكون النموذج الحي لارادة امة كانت مسحوقة بالامس القريب وتحويل انظار العالم اليها في الحاضر المرئي. اذا فهي مظلة البرزاني التي وئدت الخلافات المتجذرة، والمؤمنة جل الايمان بالانسانية والعدالة الاجتماعية التي من شأنها النهوض بالبنية التحتية الانسانية لاية دولة. لا ننسى ان نستذكر ما قام به ارودغان من اصدار قرارات جرئية تحمل في طياتها حلاً للمشاكل العالقة بين الكرد وتركيا وتوسيع آفاق التعاون السياسي بين الطرفين والتي ابتدأت بزيارة وزير خارجيته احمد داوود اوغلوا الى كوردستان واعقبته زيارة وزير التجارة والصناعة التركي على رأس وفد اقتصادي رفيع المستوى نجم عنها توقيع العديد من البروتوكولات ذات العلاقة بين تركيا وكوردستان. وانتهت بزيارة رئيس الوزراء التركي شخصيا الى اربيل عاصمة الاقليم و خطابه المتلفز عند افتتاح القنصلية التركية واعداَ برقعة اوسع من العلاقات ومزيداَ من التكاتف مع الاقليم الجميل على حد قوله.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل