المحتوى الرئيسى

محمود حامد الشريف: استئصال الفساد.. هل يعني استئصال الجهاز الإداري للدولة؟

03/31 20:49

في الأيام الأخيرة قبل تخلي مبارك عن السلطة كانت جموع الشعب تتندر بنكتة تقول "مبارك يريد تغيير الشعب" وبعد مرور أكثر من شهر على تخلي مبارك ينتاب المرء شعور بأن هذه النكتة لا تخلو من اعتبار وهنا مكمن المفارقة أن ترى بعد حين أن المزحة تنطوي على قدر من الحقيقة.    ما يدعوني لهذا القول أن الفساد مستشري في كل جنبات الجهاز الإداري للدولة حتى من في أدني درجات الهيكل الإداري؛ ويرجع ذلك للتداخل العجيب والوثيق والمستفز أيضا بين ما كان يعرف بالحزب الوطني من جهة والجهاز الإداري للدولة المصرية من جهة أخرى؛ هذا التداخل يجعل من  القضاء على الفساد مهمة شبه مستحيلة؛ فحملات التطهير قطعا قد تضر بأبرياء وتغفل عن أشقياء فضلا عن أن عدد الفاسدين ينذر بانهيار الجهاز الإداري مع العلم بأن ماكينات فرم المستندات لم تكف عن الدوران حتى غدت عبارة "اللي عنده دليل يقدمه للنائب العام" ترنيمة في فم كل فاسد. وهذا التداخل حولنا من دولة مؤسسات إلى دولة تكيات وتدار بمفهوم الفتونة وجعلت الدخول تحت حماية الفتوة الذي كان يعرف باسم جهاز أمن الدولة هو الضمانة لخرق القانون دون الخوف من الوقوع تحت طائلته.     فالوزراء ووكلاء الوزارات والمحافظين ورؤساء الجامعات وعمداء الكليات والموظفين بالأحياء والمديريات والمسؤولين عن تراخيص البناء والماء والكهرباء والأنشطة التجارية؛ والعاملين بالجمعيات الزراعية بل والأنكي من ذلك الكثير من الأجهزة الرقابية ومديري الإدارات التعليمة ومديري المدارس ومعظمهم إن لم يكن كلهم كانوا من العاملين في منظومه مرشدي أمن الدولة، ومعظم مندوبي – أقول معظم وليس كل- الصحف الحكومية لدى الوزارت ودواوين المحافظات وهم  صحفيون وأعضاء نقابة وقد خصهم بالذكر فهمي هويدي في مقالة بعنوان صحفيون للبيع؛ فضلا عن هذا أن بعضا من الصحفييين النافذين بالصحف القومية الذين كانوا يخرجون علينا خلال الفترة السابقة في البرامج الحوارية ويفخرون بأنهم ليسوا أعضاء بالحزب الوطني ويهاجمون الحكومة ثم يختمون حديثهم بالثناء على مفاخر مبارك مفتاح الأمان الذي يستمد شرعيته من شرعية أكتوبر؛ وأن السيد جمال مبارك شاب واعد يمثل الحلم المصري الصاعد؛ وبهذه الخاتمة يؤكدون أنهم مع الكيان السرطاني المعروف بالحزب الوطني قلبا وقالبا. ولم ينج من هذا الإثم الكثير من وعاظ الأوقاف، ووعاظ كنيسة الآحاد؛ ولا يغيب عن الذاكرة أن فضيلة شيخ الأزهر الحالي كان عضوا بهذا الكيان ولم يقدم استقالته إلا بعد أن حصل على إذن من الرئيس المتخلي. ومع احترامنا للقضاء إلا أن الصحف المستقلة نشرت غير مرة أسماء معينيين في النيابة بتقديرات مقبول من جراء الرشا وبعد حين يعتلي هؤلاء منصة القضاء. أما كلية الشرطة فلم يكن الدخول إليها إلا برشوة مسعرة تسعيرة شبه رسمية؛ ينفصها الختم. وبعد هذه الديباجة السابغة نخلص إلى أن المليونين ونصف المليون مواطن الذين كانوا يحملون بطاقات عضوية هذا الكيان منتشرون في الجهاز الإداري للدولة. وهذا العدد يمكن ضربه في أربعة أمثاله إذ أن كل فاسد صغر حجمه أو علا كعبه له دائرة تأثير تضم الفاسدين والمنتفعين الصغار وبعضا من أهله. هذا فضلا عن كثرة كاثرة من الصامتين الذين كانوا يمنون أنفسهم بالدخول في قلب المعمعة مرددين [يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم]. والسؤال المنطقي هل يحمل هؤلاء مشاعر بالولاء تجاه هذا الكيان أقوى من الولاء للوطن أو حتى لمفهوم دولة المؤسسات؟    إن أحد المسلمات التي ينبغي أن ننطلق منها بداهة أن ما كان يعرف بالحزب الوطني لا يوجد ككيان حزبي ذي إطار ايديولوجي؛ بل كان يضم شلة من المنتفعين و مصاصي دماء البشر وهؤلاء المنتفعون لا ينطلقون من أي ايديولوجية ولا يحملون أي مبدأ ومن ثم فليس ثمة ولاء لهذا الكيان أو لمؤسسات الدولة؛ ولكن خشيتهم من أن يصنفوا في قوائم عار؛ فهم يكابرون ويعاندون رافعين وشعار " أهم من المبدأ الثبات على المبدأ" حتى وإن كان هذا المبدأ مبنى على أساس من الباطل؛ حتى يتشكك المرء في موقفه من هذه الشرزمة ويقول "ربما كانوا ينطلقون من رؤية ما يهدفون من خلالها لخدمة الوطن بشكل أو آخر". إلا أن هناك طائفة أخرى قررت اعتلاء الموجة وقالت "أن الثورة حققت ما كنا نطالب به داخل الحزب على مدى 30 عاما"؛  أي أنهم كانوا يطالبون بتنحي مبارك وألا يرثنا نجله جمال!!!    والنتيجة وأنه بعد تخلي مبارك لا يمكن القول بأن أركان النظام بدأت تتساقط كأوراق الخريف فمازال نفس السيناريو القديم يتكرر حيث يصدر قرار من النائب العام بتجميد أموال وصدرو قرار بإدراج أسماء على قوائم الترقب والوصول ولكن بعد فوات الآوان وهروب الأموال وبعد حين تحفظ القضية لعدم كفاية الأدلة أو "لأن المحكمة لم يطمئن ضميرها" وتلك الجملة السابقة يستطيع أي قاض أن يبرأ بها إبليس من الفسوق عن أمر ربه. وتبقى قواعد الفساد كما هي. ولا زالت رموز الفاسدين تسيطر على المشهد الإعلامي الرسمي ولا تزال حملة التلميع لموالين النظام القديم والمحسوبين عليه؛ توازيه حملة ترويع من خصوم النظام السابق وعلى رأسهم التيار الإسلامي المعتدل ولا يغيب عن المشهد الاعتداء على البرادعي.     ويعزف على ذات الوتر ولا يقلون إثما عن شرزمة الوطني كل المطالبين بفكرة تعيين أبناء العاملين بالمؤسسة- أي مؤسسة- حتى أنك تتعاطف مع جمال مبارك وتشعر وكأن تمييزا قد مورس ضده حال بينه وبين وراثة الملك عن أبيه؛ كما يفعل كل العاملين بالدولة في توريث المؤسسات- وإن شئت الدقة التكيات- لأبنائهم. لفرط سذاجتي حين بدأت عملي في مؤسسة الأهرام وكنت أقرأ نعي وفاة في لوحة الإعلانات ثم أجد أن المتوفي عم فلان وحما تركان وزوج فلانة وأبو فلان؛ فكنت أظن أن أهل الأهرام كالعائلات المحافظة يتزوجون من العائلة؛ لكن اكتشفت أن المسؤول يعين ابنه وزوجة ابنه وبنته وزوج ابنته- أقسم بالله أن هذا كان ولايزال يحدث. وفي مؤسسات الدولة تفاجأ بأن الشؤون القانونية تتقاضى أجورا من الخصوم القضائيين للمؤسسة وعمولات من مجالس الإدارة يكفيك أن تسأل محاميا بمجلس الدولة والمحاكم الاقتصادية عن أخبار الشؤؤن القانونية بمؤسسات الدولة. إن الفساد في مؤسسات الدولة من القمة حتى السفح. وقبل أن أختم حديثي شاهد صغيرأسوقه لكم بأحد المدارس الثانوية وقع أكثر من 100 طالب شكوى ضد مدير المدرسة وتقدم بشكوى ضده أيضا ثلاثة مدرسون ولأن الشكاوى ضد الفساد المالي لهذا المدير قد تطرقت لموضوع مجموعات التقوية قام ثمانون مدرسا من إجمالي 85 مدرسا بالتوقيع على ورقة تطالب برجوع هذا المدير خشية من تورطهم في تحقيقات النيابة الإدارية.        سؤال آخير هل يجوز لنا أن ندمغ نظام مبارك بكلمة "البائد"؟ هل حقا أصبح بائدا أم أنه مازال سائدا؟

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل