المحتوى الرئيسى

حسرات

03/31 16:50

بقلم: د. أحمد حسن إخوتي.. وقفت مع نفسي.. وسألتها: لو جاءكِ ملك الموت الآن وأنت تعلمين لماذا يأتي؛ ولكن لا تعلمين متى يأتي؟ لو كان ذا وقت الرحيل ألا تتحسرين؟ أم تراك تظنين أن الحسرة لن تصيب المسلمين.. الملتزمين؟! أما سمعتِ تحذير النبي صلي الله عليه وسلم للبشر أجمعين.. مسلمهم وكافرهم.. طائعهم وعاصيهم.. "ما من أحد إلا سيتحسر يوم القيامة، إن كان عاصيًا يتحسر ألا يكون قد تاب، وإن كان طائعًا ألا يكون قد ازداد".   أما سمعتِ أن من أسماء يوم القيامة أنه يوم الحسرة؟! أما سمعتِ حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم المتفق عليه من حديث أبي سعيد الخدري؟! "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ: يا أهل الجنة، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه.. ثم ينادي: يا أهل النار، فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت، وكلهم قد رآه، فيذبح.. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت.. ثم قرأ: (وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39)- وهؤلاء في غفلة أهل الدنيا - وَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (39))".. إنها حسرة أهل النار على كفرهم الذي لم يؤمنوا بعده أو ضلالهم الذي لم يهتدوا بعده أو عصيانهم الذي لم يتوبوا بعده!! وحسرة أهل الجنة عندما يسمعون "خلود فلا موت"!! على طاعات لم يزدادوا منها وعلى درجات لم يرتقوا فيها وعلى حسنات ضيَّعوها وعلى ذنوب قارفوها.   حسرات.. دنيوية! ** ومن أنواع هذه الحسرة.. الحسرة على فوات الدنيا! 1) (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (79)) (القصص).   إنها حسرة الفقير الذي لم يرض بما قسم الله له، وقد غفل هذا المسكين عن الأسباب الحقيقية للسعادة، وظن لجهله أن ما أُوتي قارون هو الحظ العظيم والفوز الكبير.   2) (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ) (الحديد: من الآية 23).. إنه توجيه وتحذير من رب العالمين لعباده المؤمنين.. ألا يتحسروا ويأسوا على ما فات من دنياهم ولا يفرحون بعرضها الزائل.   ** ومن أنواعها.. الحسرة على الإسراف: في الوقت، في الصحة، في المال، في الطعام، في الشراب، في الثياب..   قال تعالى: (وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29)) (الإسراء).   ** ومن أنواعها الحسرة الفطرية الجبلية: على فقدان الأحبة كمثل حسرة يعقوب عليه السلام على يوسف عليه السلام لما فقده: (وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)) (يوسف).. إنها حسرة مركوزة في النفوس؛ لأننا بشر، ولكنها حسرة لا تدعو إلى باطل ولا تدفع إلى سوء.   حسرات.. يوم القيامة! ** إنها حسرة بعد فوات الوقت وضياع الفرصة.. موعدها.. عند الموت.. وعند العرض على الله.. فاحذروا إخوتي من حسرات.. وندم حين لا ينفع الندم.   وأسوق إليكم إخوتي آيات بينات من كتاب الله جل وعلا، لا تحتاج إلى شرح أو تفسير، وهي مواقف حسرة أعيذكم أحبتي منها، وأدعوكم إلى العمل على البعد عن أسبابها.. ولعل الله أراد منا توخي الحذر، ولذا ساق هذه الآيات الكريمات: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (37)) (ق).   1) "(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (31)) (الأنعام).   2) (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنْ السَّاخِرِينَ (56)) (الزمر).   3) (وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ (10) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (11)) (المنافقون).   4) (وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (25) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (26) يَا لَيْتَهَا كَانَتْ الْقَاضِيَةَ (27) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (28) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (29)) (الحاقة).   5) (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49)) (الكهف).6) (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ (36)) (الأنفال).   7) (وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوْا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الأَغْلالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ يُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (33)) (سبأ).   8) (كَلاَّ إِذَا دُكَّتْ الأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (21) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24)) (الفجر).   حسرات الدعاة: ** هي حسرة الرسل وأتباعهم من الدعاة والمصلحين على استهزاء الناس وأعراضهم عن دعوة الخير (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون (30)) (يس).   ** وهي أيضًا حسرة رسول الله صلى الله عليه وسلم على قومه، وقد أغلقوا قلوبهم عن الهدى الذي جاء به، فهوَّن الله عز وجل عليه الأمر، وقال له: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)) (فاطر).   ** وفي النهاية استمع إلى حسرة الظالمين يوم القيامة: (وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (27) يَا وَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلانًا خَلِيلًا (28) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلإِنسَانِ خَذُولًا (29)) (الفرقان).   يا ليت الظلمة والجبابرة يعون هذا الأمر فيتبعون سبيل النبي صلى الله عليه وسلم، وهو سبيل العدل والإنصاف.. طريق الأخلاق الحسنة والسلوك المستقيم طريق الصالحين الذين لا يظلمون الناس ولا يسعون في الأرض فسادًا.. يا ليتهم يقربون المتقين، ويجعلونهم أخلاءهم حتى لا نراهم يوم الحساب، وقد عضوا على أيديهم.. ولكن.. بعد فوات الفرصة.. فوا حسرتاه عليهم!.   (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوْا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمْ الأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمْ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ (167)) (البقرة).. هكذا بعد كل هذه التبعية والمناصرة على الظلم.. بعد كل هذا التنكب لطريق الإسلام والبعد عن سبيل الرسول صلوات الله وسلامه عليه.. بعد كل هذا التعاون على الإثم والعدوان.. بعد كل هذا.. سيتبرأ المتبوعون من التابعين.. وستتقطع الأوشاج والعلائق والأسباب بينكم، ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون.   إخوتي.. أسأل الله في عليائه أن يجعلنا من الآمنين المطمئنين يوم القيامة، وأن يجنبنا الحسرة وأسبابها، إنه ولي ذلك والقادر عليه.. آمين والحمد لله رب العالمين.

أهم أخبار مصر

Comments

عاجل